نهاية العالم في دراما الرسوم المتحركة … (اليابانية نموذجاً)

الرياض- طارق الخواجي:

 إذا كنت تنظر إلى الأنمي (الرسوم المتحركة اليابانية) نمطياً، باعتباره فناً للأطفال، أو باعتباره عملاً ترفيهياً مجرداً من قيم خاصة به وتمارس معه التنقل من مسلسل إلى آخر أو فيلم إلى آخر، مردداً ألفاظ الاستحسان والاستهجان دون وعي فإن هذا المقال ليس موجهاً لك. هذا المقال يحاول الغوص بهدوء إلى عمق الهواجس الفكرية التي تسيطر على الأنمي في مضمونه والشكل الذي تتخذه كل عملية معالجة لذلك المضمون، إنه محاولة مستعجلة لاستقراء موضوع بارز يسيطر على فكر أفراد صناعة الأنمي وعلى فكر جمهورهم، في علاقة تبادلية لطالما كانت هي الوقود الذي يحرك صناعة ثرية لها ثقلها الاقتصادي، وجمهورها الواسع، وأهلية فنية كانت محل جدل في العقود الماضية. عند القيام بعملية استقراء للموضوعات التي تسيطر على مضامين أعمال الأنمي البارزة من أفلام ومسلسلات وفيديوهات، فإن هناك ظهوراً طاغياً لموضوعات كبرى تنضوي تحتها العديد من الموضوعات الصغرى والعناصر التي تشكل لاحقاً عناصر الموضوعات الكبرى والتي يمكن تقسيمها إلى ثلاثة موضوعات وهي: الأخروية، والمراثي، والاحتفالات، كما تقرر ذلك الباحثة الأمريكية البروفسور سوزان ج. نابير في كتابها الشهير "الأنمي من أكيرا إلى الأميرة مونونوكي".

هذه الموضوعات بطبيعة الحال لا تأتي منفصلة وخارج سياق بعضها البعض، بل هي تتداخل في دوائر تصغر وتكبر بحسب مساحة كل موضوع منها، والتي غالباً تأتي في الترتيب الذي ذكرناه سابقاً، إذ يبقى الموضوع الأخروي هو الأكثر حضوراً في الكثير من أفلام الأنمي ومسلسلاته، سواءً جاء في صريح طقوس نهاية العالم، أو في طرح مستتر يستثمر العناصر العديدة التي تكون المفهوم الأخروي الذي يجد حضوره في كثير من النصوص الكتابية المقدسة، وفي العديد من الفنون والآداب العالمية المعاصرة كانعكاس لتلك النصوص من قبيل التفاعل الثقافي والأثر الاجتماعي. ومن المهم قبل الولوج في الحديث عن الموضوع الأخروي في الأنمي، أن نبحث عن جذور المفهوم في الثقافة اليابانية ككل، وهو ما لا يستنزفنا في البحث كثيراً، إذ يمكننا أن ندرك مقدار التعايش السلمي بين اليابانيين وبين المفاهيم الأخروية والأطروحات الرؤيوية من خلال تاريخ متخم بالعديد من الكوارث الطبيعية والحروب الدموية والأزمات الاقتصادية، اللافت للنظر أن المفهوم الأخروي في الثقافة اليابانية يستقي صبغته من الوحي الكتابي للأديان السماوية، فيما نجد روابطه الأكثر ضعفاً في الاستفادة من المعتقدات البوذية والعقائد الطاوية ومذاهب الشرق الأخلاقية مثل الكونفشيوسية والشنتوية، الأمر الذي قد يستغربه البعض عند مشاهدته بعض أعمال الأنمي المثقلة بالمفهوم الأخروي. أحد هذه الأعمال التي يرتبط بها الجمهور السعودي كثيراً المسلسل البارز "كونان فتى المستقبل" والمدبلج تحت اسم "عدنان ولينا"، إذ تدور فكرة المسلسل عن عالم ما بعد الحرب العالمية الثالثة، وبعد دمار أجزاء كثيرة من الأرض مع سكانها، يشع أمل الحياة من جديد، لكن بعض من عاصروا الدمار السابق لا زالت مطامعهم بالسلطة والثروة مستعرة، الأمر الذي يحملهم على العمل على امتلاك أسلحة دمار شامل، لكن كفة الخير تنتصر ولكن مع أرض مهددة بكوارث مثل الزلازل وتخلخل طبقات الأرض التي أنهكتها القنابل المحملة بشرور البشر، هذا البقاء للتهديد تذكير بأن النهاية قريبة وأن أمل البقاء رفيع بقدر غروب شمس كل يوم. هذا التوجس والانتظار الدائم لنهاية العالم لا يتخذ أشكالاً محددة بل إنه يتلبس في كل مرة شكلاً مختلفة في معالجة دائمة لهاجس حثيث في ثقافة مثيرة للانتباه، لكن المميز من هذه الأعمال يبقى عزيزاً على الظهور، ما يجعلنا نتذكر أعمالاً مثل: "قبر اليراعات المضيئة"، "جِن الحافي"، "الأميرة مونونوكي"، "أكيرا"، "نيون جينيسس إيفانجليون"، "ناويشكا وادي الريح"، "سبريقان"، "قبضة نجمة الشمال"، "تراي قن"، "X"، وغيرها مما لا يسعنا ذكره في هذا المقال القصير.

في تلك الأعمال وغيرها، عرض كثيف لمظاهر النهاية، يأتي أحياناً بعد أسباب تبدو جلية، وأحياناً يترك للمشاهدين اكتشاف تلك الأسباب، كما أن بعض تلك الأعمال تستمر في سرد الحكاية بعد حلول النهاية، وفي البعض الآخر تكتفي بالنهاية ولا تهتم بما بعدها، في تأكيد دائم على استمرار النهاية ولو على الصعيد الشخصي، حيث تدور الحكاية عن شخص تتم نهايته بموته بغض النظر عن بقية الشخوص في الحكاية. النهاية في الأنمي ليست دائماً هي منتهى الحدث، فهناك غالباً ما تعود الحياة في تدشين واضح لمفهوم التجديد، الذي يختلف عن مفهوم مملكة السماء والجنة في الأديان السماوية، على الرغم من أن المفهوم الأخروي يستقي صبغته كما سبق وأسلفنا من الوحي الكتابي السماوي، لكن هذه النقطة تحديداً تأتي من مفهوم التجديد البوذي الذي يجد قبولاً أكبر في أوساط مختلفة من الفنون والآداب اليابانية. الحديث عن الموضوع الأخروي ومفهومه في تشكيل المضامين الأبرز والهواجس الأكثر حضوراً في الأنمي، واسعٌ وذو شجون، لكن هذه المقدمة البسيطة تعطي تصوراً يمكنه مساعدتنا في فهم هذا الحضور البارز لهاجس يحمل هوية عالمية، تجد طريقها إلى الأنمي على الدوام ولكن بصبغة تختلف عن غيرها من الفنون البصرية الأخرى حول العالم، مضافاً إليها كل العناصر الجمالية التي تميز الأنمي عن غيره من تلك الفنون.

التعليقات

لا يوجد تعليقات. كن أول المعلقين!
  1. الرميكية says:

    فكرة حلوة لكن الكاتب عنده اشياء اكثر

  2. الرميكية says:

    فكرة حلوة لكن الكاتب عنده اشياء اكثر

  3. omar says:

    والله أنا كان في قلبي شك أن حكمتهم تأتي تجربة إنسانية أو من البوذية والأن بما أنا أحد غيري يتحدث بالموضوع فطمأننت جزاكم الله خير

  4. yaser says:

    الموضوع شيق والمقال يتكلم عن فكرة معينة , ولكن لم يتم الوصول إلى (النهاية ) أو الهدف من عرض هذ الموضوع

    وشكرا على مجهودك ووفقك الله ويسر لك اعمالك

  5. شكر says:

    [COLOR=undefined][SIZE=3]نعم شئ خگير أنا قأته‌ من أحد ألمقالات إن هذا الكرتون يحكي في الدجال[/SIZE][/COLOR]

  6. السالم says:

    جزاك الله خيراً . سبق وأن قرأت منذ سنوات مقال عن مسلسل عدنان ولينا . وأنه مسلسل يهودي يضع في أرض الأمل (( فلسطين )) واهلها الطيبين (( اليهود )) وعلام ورفاقه (( المسلمين )) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *