ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب في تقرير راند

[SIZE=5]موقع المثقف الجديد ? عبدالواحد الأنصاري :

لا أحد يجهل قصة تقرير راند الأمريكي الذي طبقت شهرته الآفاق وعرف عنه القاصي والداني، فهو إذن لا يحتاج إلى مقدّمة ولا إلى تعريف، بيد أن ما يحتاج إلى تسليط الضوء عليه هو الفهم القاصر لهذا التقرير، أو تصوره على مدى محدود.

ولبيان ما تهتم به هذه القراءة فلا بد من وضعها في مقدمتين، وقراءتين استشرافيتين.

المقدمة الأولى: هي أن الغرب منذ بدئه بذر جهده الاستشراقي والاستعماري , وحتى حصاده كان يدرك أنه لا يمكن الفصل بين المجهود الاستشراقي والاستعماري، في حين أن الدول الإسلامية تعيش حالة من الغيبوبة عن هذه النقطة، فهي تتسامح كثيراً مع القضايا الاستشراقية أكثر مما تتسامح مع القضايا الاستعمارية، بيد أن الأولى مطية الثانية، وقد تأتي الثانية لكي تفرض بها الأولى، تمهيداً لإنتاج الثانية بالصورة المثلى التي تطمح إلى تحقيقها.

المقدمة الثانية: هي أنّ الغرب كان سريعاً بل متسارعاً في بث الفرقة السياسية في العالم الإسلامي من الناحية الجغرافية والسياسة، وكانت وتيرة بثه الفرقة بين المسلمين من الناحية العقديّة أقل تسارعاً، وإنما كان ينصبّ سعيه الاستشراقي في بث الشبه والطعن في التراث الإسلامي، ودعم التوجهات الفكرية والمذهبية المارقة عن أهل القبلة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.. لكن وتيرته بدأت تتسارع في بث الفرقة بين التيارات والمناهج الإسلامية خصوصاً في الآونة الأخيرة، بصورة تتناسب مع ما يمهّد له من مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي يرغب في بنائه على أطلال حرب فكرية وعقدية ضخمة تفت في أعضاد المسلمين وتفرق بين قلوبهم، حتى يسهل بعد ذلك تحويل دويلاتهم إلى دويلات صغيرة، وبدلاً من أن تكون ثمة دويلة سنية وأخرى علمانية وأخرى خارجية، فإنه يطمح إلى أن تنقسم الدويلة السنية الواحدة إلى أربع أو خمس دول كلها تدعي الانتماء إلى مذهب أهل السنة والجماعة، لعل ذلك يفضي إلى القضاء على أهل السنة والجماعة قضاء مبرماً، في المرحلة اللاحقة لذلك.

القراءة الاستشرافية الأولى:

ليس من الخفيّ أن تقرير راند أسس لمشروع الشرق الأوسط الجديد تأسيساً مبنياً على بث الصراع بين جميع أطياف التوجه الإسلامي في العالم الإسلامي، وقرّر أنه لا بد من دعم التقليديين من أجل محاربة الأصوليين، ولا بد من دعم التجديديين في وجه التقليديين، ولا بد من دعم المنفتحين في وجه التجديديين، وبالتوازي مع ذلك فلا بد من دعم التصوف لبث الخرافة والدروشة في هذه المجتمعات، ليكون في كل ركن من البيت طائفتان تقتتلان، ثم تتحول المنتصرة منهما إلى طائفة تقاتلها طائفة أخرى، وهكذا دواليك… لكن الذي غفل عنه أكثر القرّاء المستشرفين لتقرير راند هو أن الغرب لم يكن فقط يسعى إلى بث الصراع بين الأطياف الموجودة، وإنما كان قصَد وصَمَد ?وقد بدأت بوادر ذلك تظهر جلية الآن- إلى إيجاد أطراف أصولية شديدة التطرف داخل التيارات المتطرفة، من أجل بث الاحتراب فيها، فهو يوجد في التكفيريين مَن هو يكفر المكفرين، ثم يوجد بعد ذلك في مكفريهم من يكفر الجميع، وهو النموذج الشاذ الغريب الذي كان رآه وشهد عليه -في السجون- بعض المساجين في مصر في العقود الماضية وسموه باسم "السوبر تكفيري".

وبالجهود الاستخبارية المتسايرة جنباً إلى جنب مع الجهود الفكرية ينشط التشدد ويتسرب، وينطلق لينتشر في جميع أقطار الدنيا، ويصبح كل شخص سواء كان ملحداً أم علمانياً أم مصرّاً على الكبائر أم طالب علم… يصبح كل أولئك جنوداً محتملين لنظرية التكفير والتفجير. والمتابع الحقيقي للأحداث لا يمكنه أن يصف هذا الأمر بأنه نتيجة عفوية للأحداث والفوضى، فليس من المعقول أن تظهر أطياف من القاعدة تكفّر الظواهري، وتبدّع الملا عمر، وتكفر من لا يكفر بتكفيرها، ثم تظهر بعد ذلك أطياف من تنظيم داعش تكفر دولته وتسميها الدولة الجهمية الكافرة!.. هذا الأمر لا يمكن أن ينتج بهذه السرعة عن إشكالات فكرية أو شبهات تعرض للتكفيريين بحيث تنتهي إلى أن يكفر بعضهم بعضاً ويبيح بعضهم دماء بعض، بل لا بد من أن ثمة "سبئيين" جدداً، تديرهم استخبارات عالمية إدارةً محترفة حقاً، وهم يؤسسون وينشئون مزيجاً وخليطاً من الأفكار والمذاهب الفاسدة ويغذون بها الحركات المتطرفة، حتى يشيع التكفير والقتل في كل مكان، وفي كل موطئ قدم، ولا يكون لأحد منه مفرّ ولا مهرب، تمهيداً لأن تضطر الشعوب بأنفسها إلى قبول العولمة العلمانية الإلحادية الشاملة، التي يعمل الغرب ليلَ نهار على جعلها البديل النهائي عن الدين الحنيف في جميع الدول الإسلامية.

فالمجتمعات الإسلامية إذا حوربت الآن في دينها حرباً ?على المكشوف- فإنها ستعود إلى التمسك به، لكن إذا بثثنا الدين ونشرناه بالصورة التكفيرية والتفجيرية وبقطع الرؤوس المتعمد فإن ذلك، جنباً إلى جنب مع تحريض الشعوب على الحروب الأهلية فيما بينها على مطامعها الدولية، ذلك سيؤدي حتماً إلى تسهيل إشاعة نظريّة الثورة الفرنسية في الشعوب المسلمة واعتناقها لها، وهي: "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس".

القراءة الاستشرافية الثانية:

يقول شيخ الإسلام ما معناه: الباطل إذا تصوره الإنسان ظهر له بطلانه.

ويقول محمد بن عبدالوهاب ما معناه: الواحد من عوام المسلمين يغلب الألف من علماء المشركين.

والمقصود من إيراد هاتين العبارتين أن أهل الباطل لا يحرصون على تبسيط باطلهم ولا على تمكين الناس من تصوّره التصور الواضح، لأنه بمجرد أن يصبح بسيطاً واضحاً يتبيّن بطلانه، والخليقة التي فطرها الله على الإيمان تأبى أن تُجمع بجبلّتها وعقلها على قبول هذا الباطل والخضوع له، ولا بد في كل أمة ودولة من خيار ومعادن، فكيف يتصرف الغرب؟

الغرب يعلن عن مشكلة، وعن حل، وعن هدف، وكل هذه مناورة ومراوغة، في حين أن هدفه البسيط الواضح يحجبه بآلاف الحجب، ويصرف عنه بكل ما يستطيعه من الصوارف.

فالهدف الحقيقي للغرب هو القضاء على الإسلام الصحيح، ولكي يستطيع القضاء على الإسلام الصحيح فلا بد له من القضاء على شخصيتين اثنتين وتراثهما ورسالتهما في العالم، وهما:

شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس ابن تيمية.

والإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب التميمي.

فكل من يقرأ تاريخ صراع الحضارات ويعيه حقاً فهو يدرك أن الصراع القائم حالياً بين الحضارات يدور حول أفكار بضع شخصيات في التاريخ الحديث ليس إلا، أبرزها: مارتن لوثر، وماركس، وهرتزل، وابن تيمية، وابن عبدالوهاب، والخميني.

فيندر أن يكون هناك صراع حضاري إلا ويستمد قواه وآلاته الفكرية من أحد هؤلاء الستّة.

وكما هو معلوم: فإن تراث شيخ الإسلام وابن عبد الوهاب المبنيّ على المحجة البيضاء والوحي الإلهي الذي هو خاتمة الرسالات، لا يمكن القضاء عليه بالحجة والبرهان، فلم يبق إلا استخدام أقدم وسيلة عند أهل الكنيسة ضده، وتعود إلى ما قبل عصور الاستشراق والاستعمار، وهي وسيلة المشركين جميعاً، وهي "التقبيح والتشويه"، لكن بتقنية جديدة، تساعد عليها الاستخبارات العالمية وتؤزها أزّاً، وهي: أن هذا التشويه، بدلاً من أن يكون على ألسنة قساوسة الصليب ومقاتليه، فليكن على أيدي رجال ينتمون إلى الإسلام والتوحيد والجهاد ومذهب أهل السنة والجماعة، وجميعهم يدّعون الانتساب والاقتباس من منهج شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب.

ولأن الشيء بالشيء يتميّز، فهذا أحد الأمثلة:

كما أن الجبهات والتنظيمات الجهادية في سورية وفي العراق كلها تدعي الوصل بأسامة بن لادن والزرقاوي وأبي حمزة المهاجر وأبي عمر البغدادي، مع أنها يضلل بعضها بعضاً، ويكفّر بعضها بعضاً، ويقاتل بعضها بعضاً، وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى كشف الغلو عند جميع هذه الجبهات والتنظيمات التي تعتنق هذه الأدبية، ومما لا شك فيه أنه يسيء إلى أدبيّاتهم ويشوهها ?بقطع النظر عن كونها صواباً أو خطأ-.. فكذلك الأمر مع هذه الأطياف الكثيرة المتباينة من المنتسبين إلى مدرسة شيخ الإسلام والإمام المجدد، اللذين نجد أن: مكفري داعش، وداعش، والنصرة، والجبهة الإسلامية، والقاعدة، وأنصار السنة، والتوحيد والجهاد، ومن يصفهم البعض بالسرورية، والجامية، والسلفية العلمية… كل هذه الأطياف إنما تتنازع الانتماء إلى هذين الرمزين العظيمين، وكل منها يتهم خصومه بأنهم لا يحسنون قراءة تراثهما، أو أنهم أخطؤوا في استكناهه، أو كانوا انتقائيين في العزو إليه… إلى غير ذلك.

وكل الذي ينشده الغرب، امتداداً لتقرير راند، بل امتداداً لمشروعه الاستشراقي الاستعماري المديد، هو أن يتوصل بذلك إلى تقويض الإسلام الصحيح، وهدم دين الصحابة والتابعين وتابعيهم، وجعله طيّ النسيان، وإيجاد نوع جديد من الميليشيات المنتسبة إليه يقاتل بعضها بعضاً، ويحرض بعضها على بعض، لعل ذلك ينتهي بالغرب إلى جعل الشعوب العربية تهب هبة شعبية واحدة للقضاء على كل منتسب أو منتم إلى دين الله كما فعلت ذلك شعوب أوروبا الحديثة.

ولهذا: فينبغي للمتابع، وللدارس، ولطالب العلم، أن يعدّ العدّة ?وقد بدأنا نرى ذلك- لأن ينتج عن هذا العمل الاستخباراتي الجبار والمجهود الفكري الكبير والكيد النفسي العظيم، أن تنبت من المنتسبين إلى الفكر نابتة، تتصدر الصحف والمجلات والقنوات الفضائية ومقاطع اليوتيوب، وكلها تشيع وتدّعي أن داعش ما هي إلا نبتة سلفية تيمية وهابية داعشية، لتذهب هذه الطائفة ,وتأتي بعدها أخرى تحل محلها وتقول: داعش هي السلفية، والسلفية هي داعش.

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/articles.php?action=show&id=218]
[/URL]

[/SIZE]

التعليقات

7 تعليقات
  1. رويدة says:

    أحمد بن حنبل و بن تيمية و محمد بن عبد الوهاب إلى هذه اللحظة التيار السلفي يعيش حالة إنغلاق وعزلة و تستغله الإدارة الأمريكية في إنشاء ظواهر تربطها بالإسلام من أجل تشويه صورته… على قادة هذا الفكر أن يكون لديهم مبادرة في معالجة مشاكل العالم الإسلامي

  2. عبيدة العامري says:

    تقرير راند وكافة التقارير الأجنبية هدفها تقديم النصح للمؤسسات الحاكمة في العالم الغربي أما نحن العرب فحدث ولا حرج لدينا علم كاف لا نحتاج لمثل هذه التقارير

  3. معترض says:

    لماذا تكتبون إلى منتسبي فكر شيخ الإسلام… الإسلام لا يحتاج لأشخاص لكي ننتسب إليهم الإنتساب فقط لدين الله ورسوله الكريم وليس لمحمد بن عبد الوهاب أو ابن تيمية كلهم دعاة مثل غيرهم نسأل الله لهم ولنا الرحمة و الجنة

  4. عزام عزام says:

    الأمة ليست بحاجة لمن يحاربها فهي تحارب نفسها بنفسها لذلك تجدها تبتعد عن الطرق و لا تقترب من أي حلول للتخلص من الفساد المستشري فيها ولكن نحن نضع الغرب شماعة لكل همومنا .. وهل السيسي جاء من الغرب أم أنه استخف قومه فأطاعوه .. وهل حماس يحاربها الغرب أم المصريين … و حدث ولا حرج

  5. فالح الشايع says:

    الاسلام باق الى قيام الساعي لن يضره غل الغالين ولا افتراء المفترين ولن يفلحوا في تقويض الاسلام الصحيح لانه محفوظ بحفظ الله تعالى (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)

  6. طارق الهزازي says:

    تقرير راند يهدف لخدمة الصهيونية والكنيسة العالمية وعلينا مواجهته بكل قوة وحينها لن يفلح سعيهم لتحطيمنا ..ويقول شيخ الاسلام محمد بن عبدالوهاب ما معناه: الواحد من عوام المسلمين يغلب الألف من علماء المشركين.
    صدق شيخ الاسلام فيما يقول فانه كان ولايزال شوكة فيحلق كل مجتريء على الاسلام واهله …

  7. عمر الهاشم says:

    هذا التقرير وغيره من التقارير وسياساتهم الموجهة ضدنا ودعمهم للمحتل الصهيوني وغير ذلك يدل على خبث طويتهم وحقدهم الدفين علينا فهم مهما تظاهروا بالحب والسلام والدعوة للحوار في داخلهم هم حاقدون لايحبوننا (ولن ترضى عنك اليهود ولاالنصارى حتى تتبع ملتهم )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *