العامل الرابع لانتصار الإسلاميين

[COLOR=#292927][B][SIZE=4] [COLOR=#433D7B]عبدالرحمن الحبيب
[/COLOR]
إذا كان الربيع العربي في تونس ومصر أتاح للتيارات كافة أن تعبر عن آرائها وتطلق برامجها، فإن الجماعات الإسلامية المشتغلة بالسياسة تفوقت على غيرها، فكيف تم لها ذلك؟ ثمة عوامل عديدة متداخلة ومتفاعلة مع بعضها، ويمكنني تصور أربعة منها، لكن سأفك الارتباط بينها نظرياً. العامل الأول هو تقارب خطاب الجماعات الإسلامية مع الخطاب التقليدي العام سواء من ناحية الشكل عبر لغة تقليدية سهلة الفهم، أو من ناحية المضمون القريب من هموم الناس مع توظيف المشاعر الدينية باللعبة السياسية. أوضح مثال هنا هو الشعار البسيط اللذيذ "الإسلام هو الحل". هذا لا يعني أن التيارات "الحداثية" ليس لديها خطابات شعبوية نجحت في وقت من الأوقات، مثل الخطاب القومي العروبي في الاعتداد بالكرامة العربية والوحدة والتحرر من الاستعمار، ومثل الخطاب الاشتراكي في العدالة الاجتماعية والدفاع عن الفقراء، وقبلهما الخطاب الليبرالي في الحريات الخاصة والعامة. لكن هذه التيارات مارست طوال العقود الثلاثة الماضية خطاباً نخبوياً ابتعد عن الهموم الشعبية.

يلتحم مع نجاح الخطاب الإسلامي سياسياً عامل آخر (الثاني) وهو العمل الخيري، حيث أن الجماعات الإسلامية المشتغلة بالسياسة انخرطت في هذا العمل واقتربت على أرض الواقع من الشرائح الشعبية والفقيرة. وسبق ذلك انحسار المد الشعبي للمشروع القومي بعد نكسة حزيران 1967م، مشكلاً فراغاً تمددت فيه الجماعات الإسلامية وتيارات أخرى كالحركات اليسارية، لكن نتيجة قبضة الأجهزة الأمنية على جميع الحركات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، استفادت الحركات الإسلامية من المظلة الدينية التي يصعب على الأجهزة الأمنية قمعها آنئذك، المتمثلة في مؤسسة المسجد للاجتماع، وفي مشروعية الزكاة والصدقة كمصادر تمويل. المسجد أفسح مجالاً تنظيمياً رحباً للحركة السياسية الإسلامية، فيما تبرعات الزكاة والصدقة أعطت دعماً مالياً بعيداً عن القيود الأمنية التي تواجه الحركات الأخرى. وهنا نصل للعامل الثالث وهو التنظيم الذي تفوقت به هذه الجماعات في ظل هامش حرية تتحرك به تنظيمياً عبر غطائها الديني، ولا يتسنى للحركات السياسية الأخرى مثل هذا الهامش. هذه التركيبة من العوامل الثلاثة يربطها عامل رابع يتمثل في عقلية نفعية مفرطة في براجماتيتها؛ فإذا وضعت البراجماتية (المنفعة العملية) في حركة جماعات من هذا النوع فستعطيها قدراً هائلاً من المرونة والفاعلية. خذ مثال اللواء عادل عبد المقصود الذي وصل لمنصب مساعد وزير الداخلية في النظام المصري السابق، صار مؤسساً ورئيساً لحزب الأصالة السلفي في النظام الجديد. مثال آخر، مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي، أعلن بطريقة احتفائية تطبيق الشريعة الإسلامية أمام جماهير غفيرة، ولكن عندما غضبت بعض المؤسسات الغربية، قام بأقل من 24 ساعة بتوضيح عدم صحة ما فهم عنه في سياقه السليم؛ وهو بالأساس كان وزير عدل في النظام السابق. وآخر مثال ما ذكره قبل أسابيع، نائب رئيس حزب النور (السلفي) ومرشح الحزب لمنصب وكيل مجلس الشعب أشرف ثابت من أن مشروع حزبه يشمل ثلاثة محاور، أولها الإصلاح التشريعي الذي يؤدى إلى إصلاح الحياة السياسية، وثانيها الإصلاح الأمني ثم الإصلاح الاقتصادي؛ ولم يتطرق إلى تطبيق الشريعة أو القضايا الأخلاقية كإغلاق الحانات والرقابة على السينما والتليفزيون. وكانت اللغة التي تحدث بها لا تكاد تختلف عن الطرح الليبرالي! في كل الأحوال فإن نجاح الإسلاميين يمكن أن يكون مرحلياً، وسرعان ما يبدأ بالتراجع عند منتصف التجربة الأولى، فالعمل في المعارضة ليس كالعمل في النظام، وتجارب غيرهم التي كانت بعضها أكثر شعبية ماثلة أمام العيان وبالأخص حقبة القومية العربية وزخمها الجماهيري الكاسح في الخمسينات والستينات. والناس المحايدون الذين انتخبوا بناء على الثقة الشخصية في الصادقين بالدين قد يتغيرون يوماً وينتخبون بناء على الكفاءة المهنية في القادرين على الإنجاز لتحسين أحوالهم المعيشية.[/SIZE][/B][/COLOR]

التعليقات

لا يوجد تعليقات. كن أول المعلقين!
  1. الرميكية says:

    الاسلاميين او تراجعو تراجعهم قليل

  2. خالد says:

    الرغبة الخاصة في فشل الإسلاميين لا تصلح مرتكزا للحكم على مستقبلهم، وإذا كان لا بد من توقع فليكن مستندا على التجربة الوحيدة التي استطاعت الوصول للحكم قبل عدة سنوات وشكلت أحد أنجح نماذج الحكم في العالم الثالث: الإخوان المسلمون في تركيا

  3. إيهاب says:

    الاخوان يتخذون من التيار الحاكم في تركيا قدوة وهذا التيار بدوره يتخذ من الحزب المسيحي الديمقراطي في ألمانيا قدوة. من الاسراف أن يسمى تسول الخلول من الغربي نجاحا وأن ينسب ذلك للاخوان. من تواصع لله رفعه!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *