من خفايا شريف شحادة وآخرين

[SIZE=5]
عام 1963 استولى حزب البعث على السلطة في سوريا، ووضع البلاد في حالة من الركود بعد أن فرض العمل بقانون الطوارئ، وحل جميع الأحزاب والجمعيات التي كانت فاعلة في تلك الفترة، وأغلق الصحف والمجلات، واستمرت حالة الركود تلك عقوداً طويلة، وبعد أن كانت "سوريا" رائدة في العمل الصحفي، تمت بسترة هذا العمل وتدجينه ليتحول إلى جهاز ملحق بالمؤسسة الحزبية الحاكمة، فيما بعد سيكون جزءاً من المؤسسة الأمنية وذلك في أعقاب الانقلاب العسكري الذي قام به حافظ الأسد واستولى على السلطة، وتطور النموذج الحاكم من دولة حزبية إقصائية إلى دولة مخابراتية إلغائية، وبرزت الأجهزة الأمنية قوية مسيطرة على مختلف مناحي الحياة السورية.
مع بداية عام 2011 تعرضت سوريا لهزة عنيفة كشفت عن حقيقة في غاية الحساسية، وهي أن البلد الذي كان يتشدق مسؤولوه بالانفتاح والتحرر ليس سوى سجن كبير، وأن أي محاولة لتجاوز بوابات، بل نوافذ هذا السجن قد تودي بصاحبها إلى المجهول.
بدأت الثورة على النظام إعلامية بجدارة واستغل الناشطون وسائل الاتصال الحديثة بكل مهارة ليحلموا بوطن تصان فيه حقوق أبنائه، وهنا الكلام ليس إنشائياً، بل هو استعارة من الكثير مما كتب في بداية الثورة السورية، وكما حدث في دول الربيع العربي التي سبقت سوريا فقد كان الناشطون وبجدارة صحفيي المرحلة، وفيما وقع النظام في (حيص بيص) كما يقال وما عاد يعلم من أين تأتيه الضربات، فهو في بنيته الأساسية كان متخلفاً، وكان جهازه الأمني أكثر مفاصله تخلفاً وغباء، فاستعان بالوسائل القديمة وباللغة الخشبية نفسها ليدافع بها عن نفسه من خلال وسائل إعلامه المهترئة، مستعيناً بمجموعة من الصحفيين والمراسلين والكتاب الذين تم تأهيلهم على مدى سنوات، فبرزت على الفور أسماء بعينها لتدافع عن "دولة الممانعة والصمود" في وجه "المؤامرة الكونية" كذا… إلى آخره، فتصدر المشهد محللون من أمثال "خالد العبود، طالب إبراهيم، شريف شحادة" وسواهم، ولكل من هؤلاء قصة ولعل أغربها، بل وأشهرها قصة شريف شحادة الذي برز فجأة ليصبح محللاً سياسياً بارزاً، يدلي بدلوه في جميع المناسبات، ويطل على وسائل الإعلام كافة، مشخصاً محللاً مستفيضاً في الشروح، طبعاً لا تنبئ السيرة الشخصية لشحادة بأنه كان سيصبح في أفضل الحالات صحفياً محلياً في مدينته اللاذقية التي جاء منها، فالرجل ابتدأ حياته المهنية مرافقاً لفواز الأسد ابن عم بشار الأسد الذي كان وقتها مديراً لنادي تشرين الرياضي، أي أنه انطلق من صفوف الشبيحة، ثم تم نقله إلى الاتحاد الرياضي العام في العاصمة دمشق، بعد ذلك صار شحادة مشرفاً على منتخب سوريا للناشئين بكرة القدم، وفجأة ومع بداية الثورة تحول إلى "كاتب ومحلل سياسي" بعد ذلك وفي أول انتخابات لمجلس الشعب انتقل شحادة ليتبوأ مقعده في مجلس الشعب، ولعل هذا النموذج البسيط يقدم صورة عن الكثيرين سواه ممن تمت ترقيتهم على أيدي "جهاز المخابرات" وتحولوا لصحفيين، وعلى العموم الأمر ليس جديداً في سوريا، فلو سئل أي صحفي في سوريا عن رئيس اتحاد الصحفيين "الياس مراد" لقدم إجابة لا تختلف كثيراً عن سيرة شحادة المهنية، ويقدم اسم "الياس مراد" جاهزاً في كل انتخابات تجرى ولا مجال أمام أعضاء اتحاد الصحافيين سوى اختياره.
وربما لا يستغرب الكثيرون، كما لا أستغرب أنا، أن تكون الأجهزة الأمنية في بلد أمني بامتياز مسيطرة على مفردات العملية الإعلامية من ألفها إلى يائها، دون أن تفوتهم شاردة أو واردة، فلكي يصبح أي صحفي مراسلاً لإحدى القنوات التلفزيونية أو الإذاعات أو الصحف، فإن إضبارته تتم الموافقة عليها من قبل لا مكتب واحد، بل مكاتب أمنية مختلفة، فإن لم يحصل على الموافقة الأمنية فلا يمكنه العمل، بل إن الأمن وفي بعض الحالات يطلب من المراسل الذي تتم الموافقة عليه أن يوقع ورقة يتعهد بموجبها بالتعاون معهم وتزويدهم بأي معلومات عن أشخاص قد يشك فيهم، أو يشكلون من وجهة نظرهم تهديداً من خلال تصريحاتهم التي يدلون بها، وتخضع حركته وتنقلاته لمراقبة شبه دائمة، ولأن اللعبة بأساسها في يد الأمن فلم يعد مستغرباً والحالة هذه أن يتحول بعض العاملين في الأمن إلى صحفيين ومراسلين، ولعله لا جدوى من ذكر أسماء بعينها هنا فالقائمة تطول، ويكفي أن نذكر أسماء رفيق لطف وحسين مرتضى ونزار ميهوب وشادي حلوة ليتبين القارئ شكل الإعلام الذي تم تصنيعه، ولعل ما شهدته الأزمة من انشقاقات أعلنها العديد من الإعلاميين تختصر كثير من القصة، فالإعلاميون الذين أعلنوا انشقاقهم لا يقلون أهمية عن العسكريين، فكلاهما كان يمثل بالنسبة للنظام سلاحاً يوجهه إلى صدور المواطنين، وقد أفرغ النظام الساحة السورية من جميع القنوات الفضائية العاملة وأغلق مكاتبها، بل وحرض شبيحته لتحطيم تلك المكاتب ومحاصرتها كما حدث مع قناة الجزيرة، فأي صوت غير الصوت الذي يخرج من أقبية المخابرات مرفوض تماماً، وأي خبر ينشر عكس ما هو مطلوب هو إعلان حرب من وجهة نظر النظام.
ختاماً دعوني أورد حادثتين شخصيتين:
عام 2001 كنت أعمل عملاً إدارياً في إحدى مؤسسات وزارة الإعلام السورية، سألتني إحدى الموظفات معي في القسم: "ما هي واسطتك حتى تعمل هنا، وأنت لست منا؟؟".
يترك تساؤل تلك "الزميلة" الباب مفتوحاً على اتساعه أمام العديد من الأسئلة، فما معنى أن "تكون منا"؟ وهل يحتاج إعلامي وكاتب واسطة كي يعمل في بلده؟؟
وإلى أي مدى كانت هذه الـ "منا" تختصر واقع الحال الإعلامي في سوريا؟
و في حادثة أخرى، نشرتُ في أحد المواقع الالكترونية مقالاً عشية انعقاد "مؤتمر حزب البعث الحاكم في سوريا" عام 2005 بعد أيام من نشر المقال زارني في عملي رجل أمن، وأجرى معي تحقيقاً سريعاً حول ما قصدته في المقال كذا إلى آخره، وقبل خروجه قال الكلمات التالية: "نحن نرى كل شيء، والصحافة يجب أن تفهم هذا جيداً".


[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/articles.php?action=show&id=128]

[/URL]
[/SIZE]

التعليقات

لا يوجد تعليقات. كن أول المعلقين!
  1. مواطن says:

    لم اثق به يوما. فهو الكذب بأم عينه ومن اراد ان. يتعلم النفاق والتضليل فليشاهد القنوات. السورية. ومن سار في فلكلها.

  2. علي الشمري says:

    موضوع. واقعي جدا. حيث يجسد حال. اعلام ضحك علينا سنين طويله. وكان جل همه تقديس. القائد الرمز وتدريب الناس على. الخنوع والخضوع له .وهو اعلام فاسد قائم على العهر والتضليل والتزييف.

  3. سامر غازي says:

    اعلام طائفي. استغل قضية فلسطين. لسنوات. طويلة لكي يجمل نفسه وقبحه وكذبه ليستر من خلالها طائفيته النتنه والتي كشرت عن. انيابها خلال الثورة السورية المباركة.لقد سقط القناع عن القناع .كما قال عنهم نزار قباني ذات يوم

  4. فاطمة الخاني says:

    هو صمم منذ اول يوم. انشئت فيه وزارة الاعلام. السورية ليقف مع النظام في مثل. هذا اليوم ولمثل هذه الظروف .لذلك جل وزراء اعلام النظام نصيريه او مسيطر عليها من قبلهم .

  5. حسن حامد says:

    هو نصيري حاقد على اهل السنة وموجه من قبل الامن السوري

  6. فيصل سلوم says:

    مقال جميل ويجسد حال هؤلاء الابواق النشاز الشاذين عن الحقيقة وعن الواقع وللأسف هم دمى رخيصة لا ثمن لها. وما خفي كان اعظم .

  7. محمد فحماوي says:

    مع حترامنا لك من حقنا اعاده السؤال الذي طرحته زميلتك
    "ما هي واسطتك حتى تعمل هنا، وأنت لست منا؟؟".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *