الفيزياء المؤمنة والفيزياء الكافرة

[SIZE=5]موقع المثقف الجديد – عبدالواحد الأنصاري :

في ظلّ حركة ونشاط المواقع الإلكترونية والتواصل الاجتماعية الحثيثة في مجابهة الإلحاد بمعطيات ومخرجات علوم الفيزياء والأحياء وغيرها، قد يتساءل متسائل: هل أصبح من الضروري الآن أن نخاطب العوامّ وطلاب العلم وأهله الراسخين بهذه اللغة؟ وهل صار من الحتمي علينا أن نخوض في علوم الفيزياء وأقيستها الثابتة منها أو النظرية من أجل إثبات وجود الخالق، أو حتى من أجل إثبات البعث والنشور؟

ذلك هو ما أعتقد أن هذه المقالة مهتمة به، لكن بما أن جهود من يستعينون بالفيزياء وغيرها من العلوم المعاصرة في جانب إثبات وجود الخالق واضحة وجلية , وتكاد لا تغيب عن اطلاع أحد، فإنني أريد أن أسلّط الضوء على الجهود التي تبذل في محاولة الحصول على صيغة فيزيائية (أو منسوب إلى أي علم آخر من العلوم) لإثبات البعث والنشور للروح والجسد.

بين يديّ كتاب للدكتور مختار محمود عطا الله، أستاذ الفلسفة والعقيدة الإسلامية في عدد من جامعات العالم العربي وبجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً، وموضوعه فلسفة الخلود. وقد يتساءل المرء: ما أهمية الخلود من جهة الاعتقاد؟ وإذا تم إثبات الخلود من وجهة نظر فلسفية وفيزيائية فهل هو كاف لسلامة الاعتقاد؟

إن بعض الفلاسفة قد يقرّون بحصول الخلود للنفس لا للجسد، وهو ما قد يوافقهم فيه بعض المعاصرين مثل مصطفى محمود رحمه الله وغيره، لكن أولئك الفلاسفة (وليس منهم محمود طه بالطبع) لا يعلقون حصول الخلود بصحة خبر الغيب، ولا بأن الرسالات السماوية خارجة عن نطاق القوة النفسية، (أي أنها -والعياذ بالله- من تخيلات الأنبياء العباقرة الذين كذبوا على أقوامهم كذبة بيضاء لأجل إصلاح أحوالهم).

وعليه: فإن إثبات إمكان الخلود من وجهة نظر فلسفية وفيزيائية (كما هو في دراسة الدكتور عطا الله)، إنما يفيد مجرّد إمكان بعث الأجساد، لا وجوب خلود الآدمي وحده دون سواه، ولهذا فإن المثبتين له بهذه الطريقة قد يضطرون (مثل أسلافهم المتكلمين) في إثبات المعاد إلى إطلاقات من قبيل: أن العقل لا يحيله، وأنه ممكن، وأشياء من هذا القبيل تناقض طريقتهم في إنكار آيات الصفات التي أولوها.

وهذا ما يجري فيه الاختلاف في إثبات مسائل الغيب كالبعث والنشور (الإعادة) والثواب والعقاب الأخروي، فهو مما وإن كان ممكنا في العقل، وإن أثبته المتكلمون (جدلاً) إلا أن القطع به لا يتأتى إلا من طريق الخبر، مثَله في ذلك مثَل المقارنة بين صفتي العلو والاستواء لله جل وعلا. فالصفة الأولى (وأعني بها علو الذات) مقطوع بها عقلاً، ولم يخالف فيها من أهل الملل لا يهود ولا نصارى، اللهم إلا المعطلة من أهل الكلام والفلسفة، لكن صفة الاستواء وإن كانت ممكنة عقلا إلا أن القطع بها لا يمكن إلا عن طريق الخبر، فهي صفة خبرية. وكذلك بعث الآدمي جسداً وروحاً وخلوده جسداً وروحاً خاصة، شأنه كشأن اختصاصه بالثواب والعقاب دون ما سواه من المواد والحيوانات.

ومع ذلك فإن بحث الدكتور عطا الله قد يبدو ذا فائدة في مسألتين: الأولى: الرد على الملاحدة الفلاسفة والفيزيائيين والأحيائيين الذين زعموا استحالة عودة أجساد الناس إلى الحياة بعد الممات. والثانية: الرد على من نفوا خلود الثواب والعقاب الروحي والجسدي من الجهمية والفلاسفة، بدعوى استحالة حوادث لا آخر لها، أو بدعوى أن ذلك يستلزم تخلية الله جل وعلا من صفة البقاء أو مشاركة المخلوقات له فيها، أو الذين لزمهم (وإن لم يلتزموه) القول بعدم خلود الأجساد بسبب اعتناقهم فكرة الجوهر الفرد.

أما ما هو جديد في هذه الدراسة من حيث العنوان الخارجي الذي طرحته وهو: (الخلود في معطيات علم الفيزياء الحديثة)، فهو أنها تبسط المسألة الفلسفية إلى مبحث يمكن للبحث العلمي المادة إثبات إمكانيته. وذلك من خلال أن: الخلود في الشريعة الإسلامية = الإعادة+ الإبقاء إلى الأبد.

يقول الدكتور عطا الله بالنص: (وبالنظر إلى الموقف العلمي الحديث من عملية الإعادة فإن العلماء يؤكدون وفق الطبيعة المعروفة في عالمنا إمكانية عودة الشخص نفسه للحياة مرة أخرى بعد وفاته وتبخر أجزائه). وينقل عن فرانك كلوز قوله: (فلنتخيل مستقبلا يكون علم البيولوجيا والتكنولوجيا متقدمين فيه بدرجة تكفي للتمكن من صنع خريطة كاملة لك على المستوى الجزيئي، أو حتى على المستوى الذري، سيكون تركيبك معروفاً بالضبط بلغة ذرات الكربون والكالسيوم والأكسجين وما إلى ذلك والطريقة التي تتركب بها هذه الذرات معا، وكل ما يحددك (أنت) بلغة من الجزيئات العضوية التي تؤلفك… وفي النهاية فإن الماكينة سوف تركب كل الجزيئات معا، وذلك بالضبط حيث نفس اتحادها معا كما توجد في (أنت الحقيقي)… وإذا كان هذا صحيحا فإننا سوف نتمكن من أن نبخر أحد الأفراد إلى الجزيئات المكونة له، ثم نعيد تجميعها في مرحلة تالية، وإذا جمعنا قطع الصور المتناثرة بأمانة كما كانت قبل عملية التبخر مباشرة, فإننا سنحصل على الصورة الأصلية نفسها، أي أن الشخص نفسه سيوجد ثانية بالذكريات والأفكار نفسها التي كانت له). انتهى الاقتباس.

تلك هي المحصلة التي إنما تثبت (إمكانية الخلود لا القطع به)، ويبقى بعد ذلك أن يتم التنبيه (وبشدة) إلى أن الفلاسفة الذين يُعتمد عليهم في إثبات خلود النفس هم (أي أكثرهم) من وصفوها بالقدم (أي الأزلية)، وهذا عين الإلحاد، لأن فيه دعوى أن من الأشياء ما هو أزلي كالله، وهو بالتالي لم يخلقه الله جل وعلا والعياذ بالله خلقاً صار به موجوداً بعد عدم، فكيف يتم التوصل إلى إثبات الخلود بما هو إثبات للقدم مع الله؟ هذا ما كان يجب على الدراسة أن تراعيه وأن تطيل فيه النظر. مع أنني أؤكد أن المؤلف لم يذهب إلى ذلك قطعاً، وإنما اكتفى بالتنبيه إلى أنه لا يلزم من إثبات التسلسل المستقبلي شبهة مشاركة الموجودات لله في القدم، وهذا قول صحيح في المجمل لكنه مشكل من جهة أنه قد يفهم منه نفي تسلسل الحوادث في الماضي، إذ كان ينبغي للمؤلف أيضاً أن ينبه إلى أن نفي القدم في الماضي لا يعني نفي مطلق الحوادث في الأزل، لأنه يقتضي تعطيل الخالق جل وعلا عن جنس الفعل في الأزل البعيد، وهو قول على الله تعالى بغير علم. لأن (زماننا وزمان العالم المخلوق) لا يمكن أن يعد متحكما في وصف الله سبحانه وتعالى بالفعل بحيث يتوقف عليه ذلك الفعل. فلا يصح القول مثلا: بأنه قبل خلق الله للقلم لم يكن ثم شيء، أو قبل خلقه العالم، أو قبل إرادته خلق العالم لم يكن ثمة حوادث، لأن الأزل طويل جدا، بحيث تكون نسبة أي زمان بالنسبة إليه أعلى من الصفر بمقدار لا يكاد أن يذكر، وتعطيل الله من الأفعال في ذلك الأزل المديد الذي لا نهاية له في الماضي إنما هو هرطقة وإلحاد آخر، ولهذا السبب حذر أهل الاعتقاد السليم من المسلمين من تحكيم التقسيمات الفلسفية في مسائل الاعتقاد، نسأل الله السلامة والهدى.

إن المسلم المؤمن بالغيب لا يعتمد في إيمانه بالبعث والنشور على ما تقرره الفيزياء والفلسفة، وإنما يعتمد في ذلك على مسلمة عقلية بسيطة جدا، لا تحتاج إلى إثبات تسلسل الحوادث في المستقبل، ولا إلى إثبات إمكان عودة المادة إلى ما كانت عليه بعد تحولها إلى شيء آخر، والمسلمة البسيطة التي يفهمها المؤمن بالبعث والنشور وتكفيه كفاية تامة في الاقتناع به، بعد أن يقر بالربوبية، هي:

أن من خلقني للمرة الأولى قادر على خلقي للمرة الثانية. وعليه فالمعول العقلي الصحيح المسلم به إنما هو: إثبات أن القادر على كل شيء قادر على خلق العالم، وهو خالق العالم للمرة الأولى، وهو القادر على إعادة ما يشاء منه، وهو القادر على تخليده إن شاء وإعدامه كذلك متى شاء. وإذا كان هو القادر على كل شيء، فلا معنى للتحكم في صفاته وأفعاله، إذ لا يمكن إلزامه ?سبحانه وتعالى- بتخليد العالم والمادة كلها لمجرد إثبات إمكان تخليد الإنسان المكلف والمقصود بالبلاغ والثواب والعقاب.

فكما أن مسألة الثواب والعقاب والبعث خبرية في وقوع القطع بثبوتها، فكذلك مسألة الخلود والفناء، يقطع بخلود ما قطع الخبر الصحيح الصريح بثبوته، ويُتوقف في فناء وخلود ما لم يأت به دليل خبري صحيح صريح. والله أعلم.

قال تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه). وقال: (أفعيينا بالخلق الأول، بل هم في لبس من خلق جديد).

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=419]
[/URL]

[/SIZE]

التعليقات

لا يوجد تعليقات. كن أول المعلقين!
  1. حمود الرويلي says:

    أهلا بالفيزياء التي لاتتعارض مع عقائدنا وديننا الحتيفأما الفلسفة فكلها شر مستكمر ومنذ دخلت علينا في العصر العباسي افسدت عقول الكثيرين وحرفتهم عن دينهم القويم .

  2. روائي says:

    في مسألة البعث بعد الموت الله القدير ضرب مثلا أمام أعيننا يتكرر يوميا و المتمثل في الشجر وبذور البقوليات خصوصا الذي أحيا هذه يستطيع أن يحيي من خلقها..وإذا فترضنا جدلا انها نبات وليس روح فكرنا إلى الآية القائلة..وجعلنا من الماء كل شيء حي

  3. حمود الرويلي says:

    أهلا بالفيزياء التي لاتتعارض مع عقائدنا وديننا الحتيفأما الفلسفة فكلها شر مستكمر ومنذ دخلت علينا في العصر العباسي افسدت عقول الكثيرين وحرفتهم عن دينهم القويم .

  4. روائي says:

    في مسألة البعث بعد الموت الله القدير ضرب مثلا أمام أعيننا يتكرر يوميا و المتمثل في الشجر وبذور البقوليات خصوصا الذي أحيا هذه يستطيع أن يحيي من خلقها..وإذا فترضنا جدلا انها نبات وليس روح فكرنا إلى الآية القائلة..وجعلنا من الماء كل شيء حي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *