المثقف يخاف الحرب ويخوض في الفتنة

[SIZE=5][COLOR=#588BA3]موقع المثقف الجديد- عبدالواحد الأنصاري:[/COLOR]

* كل حرب تصنع رجالها، وتكشف رخالها.
ليس هذا قولا مأثوراً بكامله، وليس بحكمة اجترحها هذا المقال من تلقاء كاتبه، ولكنه شيء من هذا وذاك.
لكن ثمة حقيقة جلية للعيان، هي أن الحروب تفاجئ الخائض فيها، وأول من تفاجئه فيهم، هم أولئك الذين كان يعوّل ويعتمد عليهم فيها.
لكنها أيضاً تفاجئ الخائضين فيها كذلك، بأن يتحالف معهم آخر من يتوقع خصومهم أن ينضموا إليهم.

* في الحرب، من المتوقع جداً أن يصبح حليف السلم عدواً، وعدوّ السلم حليفاً.
هذه العبارة أيضاً، ليست من صناعة كاتب هذا المقال، وإن تكن من تحويره، لأنها من وحي المرحلة.

* المثقف يتلوّن في المعركة وفقاً لتقلّبات الطقس.
يحاول المثقفون في الحروب، بخاصة تلك التي تخاض في العالم الثالث (كما يسمى) أن يحرزوا في أيديهم بوصلة للغيب، ولهذا فإنهم يتحدثون بلغة الكهّان، وهل يستطيع المتكهن أو قارئ الفنجان وخطوط اليد أو ضارب الرمل أن يتخذ موقفاً واضحاً من معركة؟
بالطبع، لا: لأن هذا التلوّن ينبني على الخلل الحتمي الذي يحيق به، وهو أنه لا يمتلك بوصلة للغيب.

* الحالة الثابتة لكثير من المثقفين في الأحداث الفاصلة هي عدم الثبات.
التاريخ ليس دائرياً، ولا يستعيد نفسه، ولكن الإنسان هو الإنسان.
كان من ينتسب إلى معرفة بواطن الأمور وقراءة الوقائع، والعلم بالمخاطر، ويحاول استكناه حجب الغيب، في المدينة النبوية، كان هو ذلك الكائن الذي يختلط باليهود، ويحفظ أخبار معارك كسرى وقيصر، وهو محاصر تاريخياً بمخرجات المنافسة بين قطبي العالم الشرقي آنذاك (الروم والفرس) وأتباعهما.

كان قدر أولئك الحتمي أن يكونوا مذبذبين بين ذلك، لا إلى هؤلاء (فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين).

كان هؤلاء، حين تنطلق شرارة المعركة بنور من الله يتلكؤون ويتأخرون، ويتأففون، وعندما ينضمون إلى الجيش ينسحبون قبيل المعركة، أو يعتذرون بانشغالهم بأموالهم وأهليهم، ثم يسخرون من أولئك المؤمنين بنصر الله قائلين: أيعدكم صاحبكم بكنوز كسرى وقيصر والواحد منكم لا يستطيع الخروج لقضاء حاجته؟

هؤلاء الوجهاء العارفون، كانوا يدبجون المقالات والخطابات الحامية خارج محيط زمن المعركة ومكانها (فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد).

يقول أحدهم: لن أخرج إلى المعركة لأن صاحبكم أطاع الصبيان وتركني.
يقول الآخر: لا أتوقع أن يكون قتال، ولذلك لن أخرج، فأنا لا أنضمّ إلا لمعركة محققة.
يقول الثالث: يا أهل يثرب هذه ليست حربكم، لأنه ينبغي لكم أن تكتفوا بحال الدفاع عن وطنكم، ولا تهبوا لنصرة من يستغيث بكم من خارجها، ولماذا تدسون أنوفكم فيما ليس من شأنكم المحلّي؟

وحتى حين تكون المعركة محتدمة، ولا بد من خوضها، فعندئذ ?فقط- يظهر دعاة التعقل، والناهون عن المجازفة، والمحذرون من المغامرات غير المحسوبة، وبعد أن ينفث هذا القائل كل خوفه وقلقه في الجماهير المتحمسة، ويرى أنهم منصرفون عنه، ولا يصغون إليه، عندئذ يصيح بهم قائلاً: ما أنا إلا من الناصحين، وأنا أخشى عليكم في النهاية من خسارة المعركة، وإلا فإنني أتمنى أن تنتصروا وسأكون أول المهنئين.

وعندما تسأله عن البديل يقول لك: البديل هو الحوار.

من سمات الكثير من المثقفين في الحروب: أنهم حين تأتي الحرب يتخوفونها، وحين تأتي الفتنة يخوضونها (يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا* ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا).
من سماتهم أنهم يخافون أن تفتنهم نساء العدو في الحرب، ثم يعودون ليتحرشوا بنساء المقاتلين في بيوتهم (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنّي ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين).
أتذكر الآن أولئك الذين قالوا في حرب الخليج الأولى: لا تخوضوا في معركة من أجل الكويت، وأولئك الذين قالوا: لا بد من تحرير الكويت، لكننا سنحررها بالسياسة وسنقنع العالم بالصحافة وبالفن!

وتركوا تحرير الكويت لرجال السياسة ورجال الحرب ورجال الدين.

وسيتذكر من سيأتي بعدي هؤلاء الذين قالوا في حرب القاعدة وداعش إنهم تكفيريون دمويون ومذهبهم باطل (وهذا حقّ)، وتأففوا ممن يقول إن الحوثيين تكفيريون ودمويون ومذهبهم باطل (وهذا حقّ)، ولم يكتفوا بذلك، بل تفرّغوا لمن يقول (هذا الحق) بالتهميز والتلميز.
كل ما يريد هؤلاء أن يكون زعماء الدول التي يعيشون فيها نسخاً كربونية باهتة من أمين عام الأمم المتحدة، قصارى جهد الواحد منهم أن يقول: نحن نتابع المجريات بقلق، ولن نقف مكتوفي الأيدي.

أتذكر الآن قصيدة عباس التي أنشدها أحمد مطر:

(عباس وراء المتراس،
يقظ منتبه حساس،
منذ سنين الفتح يلمع سيفه،
ويلمع شاربه أيضاً، منتظراً محتضناً دبّه،
بلع السارق ضفة،
قلب عباس القرطاس،
ضرب الأخماس بأسداس،

(بقيت ضفة)
لملم عباس ذخيرته والمتراس،
ومضى يصقل سيفه،
عبر اللص إليه، وحل ببيته،

(أصبح ضيفه)
قدم عباس له القهوة، ومضى يصقل سيفه،
صرخت زوجة عباس: "أبناؤك قتلى، عباس،
ضيفك راودني، عباس،
قم أنقذني يا عباس"،
عباس ــ اليقظ الحساس ــ منتبه لم يسمع شيئاً،

(زوجته تغتاب الناس)
صرخت زوجته : "عباس، الضيف سيسرق نعجتنا"،
قلب عبّاس القرطاس، ضرب الأخماس بأسداس،
أرسل برقية تهديد،
فلمن تصقل سيفك يا عباس؟

(لوقت الشدة)
إذاً، اصقل سيفك يا عباس)

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=457]
[/URL]

[/SIZE]

التعليقات

لا يوجد تعليقات. كن أول المعلقين!
  1. حمود الرويلي says:

    معظم المثقفين ينتمون لتيار فكري معين وأغلبهم من التيار العلماني او الليبرالي وهم من يطالبون بالحوار مع أعدائنا اللذين يرفضون الحوار ويؤذوننا في ديننا واوطاننا وحتى ثقافتنا ونقول لمن يريدون الحوار نعم هو مطلوب لكنه في أحيان أخرى يكون السيف مطلوبا أكثر منه وخاصة في حالات المحتل الصهيوني والمعتدي الصفوي الحوثي .

  2. مبارك السحيمي says:

    صحيح لكن ذلك ينطبق على المثقف الأجير وليس الحر….الحر يقف مع الحق و الحقيقة فقط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *