(الصحوة) في روايات تركي الحمد ورفاقه

[SIZE=5][COLOR=#FF3600]موقع المثقف الجديد _ عبدالواحد الأنصاري[/COLOR]

وجدت الرواية الناقدة للصحوة طريقها إلى النور، حيث امتلك كتابها مفاتيح لمهاجمة الصحوة كلها بتهمة تيار طارئ عليها وعلى العالم الإسلامي الذي لم يشهد الصحوة، وهو تيار الإرهاب.
وقد تسلم قيادة هذا الانتقاد في الرواية المحلية كتّاب الرواية في المنطقة الوسطى، وعلى رأسهم تركي الحمد في رواية جرح الذاكرة، وجاء بعده يوسف المحيميد في رواية القارورة، ثم محمد المزيني في عرق بلدي.

وأحيطت ظاهرة انتقاد الصحوة في الرواية المحلية بحالة من المباركة والانجذاب مع انفتاح المعارض الدولية للكتاب، فبرزت أعمال روائية أقل فنيا تنتقد الصحوة بخطاب عال مباشر، مثل رواية هند والعسكر لبدرية البشر، ورواية الإرهابي 20 لعبد الله ثابت، وتوالى سيل الروايات الناقدة وأصبحت أغلب الروايات الصادرة في المنطقة الوسطى تستجلب ودّ الشهرة من خلال اتجاهين: اتجاه الرواية الفضائحية، واتجاه الرواية الناقدة للصحوة، حتى خرجت أعمال متوالية حد التشابه، في الجانبين، فخرجت روايات مثل: سورة الرياض، المطاوعة، عيال الله، وغيرها.

من ثلاث روايات محلية انتقدت الصحوة
الرواية الأولى: جروح الذاكرة لتركي الحمد: تعد هذه الرواية فلاش باك طويلا، وتتعرض لنقد الصحوة من خلال انتقادها لرجال الهيئة الموصوفين بأنهم متربصون بكل أحد وأي أحد. ومن خلال تعليقها على كتيبات الدعوة، وتوصيفها لانتقال البطل خالد من مشكلة الإدمان. إلى مشكلة لا تقل عنها: وهي أنه نزع العقال، أطال لحيته، صار ينتاب المسجد بكثرة. لا يجلس على التلفزيون، رأت والدته أنها ربما أخرجته من هوة ليقع في هوة. يعني: هوة المخدرات في مقابل هوة التدين. ثم أصيبت البطلة بمرض عصابي بدأت أعراضه بالالتزام، غيرة على زوجها. ثم ينهار المنزل الأسري في الرواية نتيجة لالتزام خالد الذي يصبح مجاهدا في أفغانستان، وينتقل إلى البوسنة والهرسك بعد ذلك. ويقتل هناك، وتصل وصيته إلى والده الذي يتغير، فيتأثر بالصحوة. يقاطع الخمر، يترك التدخين، يصلي في المساجد، ويبدد ثروته.ويبني المساجد. تسارع الأسرة إلى الحجر عليه للحد من سفاهته، ويداهمه الموت قبل أن يستعيد قواه لينهي أسرته فقرا.

الرواية الثانية: عرق بلدي لمحمد المزيني: يدرج كاتب الرواية محمد المزيني في مقدمة روايته تقديما كتبته كلاديس مطر، ص 9- 11 تشير فيه إلى أن ميزة الرواية أن كاتبها اقتحم مجتمعا يدار من قبل رجال الدين بعفوية الشريعة التي لا تقبل المساومة، ويقتحم حواجز الهالات السوداء، ويدك هذه البنية التحتية الهشة التي ما زالت باقية من دون دستور تتأرجح على شعارات مثل الخصوصية وعدالة الشريعة. وتزعم الكاتبة أن الكاتب اطلع على كل حلقات العمل الصحوي الإسلامي ,حيث سمح له بالاطلاع على دواخلها، ثم أصبح الكاتب (بحسب كلاديس مطر) مصدرا لقلق شيوخه، وانتقل من كرسي الداعية الثابت إلى فضاء الصحفي حيث الفكر المحلق. وبعد حرب الخليج الثانية (والكلام لكلاديس) اقتنع الكاتب أن البناء لا يمكن إلا باعتماد سياسة الأرض المحروقة في المواجهة، فأعلن الحرب من خلال الرواية على تراكمات التاريخ الفاسدة. وتعد الكاتبة في مقدمة الكتاب أن هذه الرواية تمثل الصراع بين النفط وبين الشريعة الإسلامية. أهـ. وفي هذه الرواية يتحدث الراوي/ البطل، عن شخصتين رئيسيتين لم تكونا سوى جزء من فئة شبابية كانت أجسادا مزهرة بالشهوة، تعترض حريتها عباءات ملبوسة بطريقة مضحكة، واصفة مضايقات الهيئة للعلاقات المحرمة بأنها اندساس بين أنوف الناس وتعلق بأهدابهم، ليبدو كل انفراد ذكوري بأنثى هو محض تداعيات زنا. البطل الإشكالي في هذه الرواية هو يعقوب، بطل إشكالي يبحث عن شهوته ثم ينخرط مع صديقه الراوي في بيت دعارة ويقع في حب هيا، ثم بعد ذلك يفقد حبيبته إثر زواجها واختفائها، فيصاب بانهيار عصبي يدفعه إلى التدين، ويتنقل بين التبليغيين والسلفيين والإخوان والجهاديين ويصفهم بعد عودته من تجربتهم الغامضة التي لم يوضح شيئا منها، بأنهم سوقوه وباعوه، ثم فجأة يصبح الراوي مثقفا ويزود صديقه يعقوب بمجموعة من الكتب من بينها رواية الخيميائي، فيتحول يعقوب إلى شاعر يكتب قصيدة النثر، وتعود إليه حبيبته هيا هاربة من زوجها، ثم تكتشف ضرتها خيانتها ويقع زوجها المخدوع في غيبوبة، وتنتحر هيا، ويختفي يعقوب. الرواية تمتاز بوصف دقيق للأحياء القديمة ولطريقة الحياة البسيطة، وللشخصيات المهمشة، وتميزها لغة سردية هي الأعلى من نوعها، ولكنها أوغلت في تصوير الحرمان الجنسي لدى أبطال القصة وصراعاتهم للوصول إليها بشتى الوسائل، حتى إن أجواء الرواية تتحول إلى جحيم من الرغبات المكبوتة والمسترقة التي لا تجد لها تنفيسا إلا في مخابئ البيوت المشبوهة.

الرواية الثالثة: رواية سورة الرياض لأحمد الواصل: وهي الأشد تطرفاً من هذه الروايات:
تعتبر هذه الرواية من روايات الوحدات، وتتحدث عن شخصيات هامشية ليس لها تأثير كبير في مجتمعها، ولكن المؤلف يتخذ هذه الرواية منفذا لانتقاد الصحوة فيصف شارع الدشوش بأنه شارع إبليس عند حملة اللحى والفتاوى. ويصف المفتين بالتناقض عندما حرموا غزو صدام حسين للعراق في حين أنهم يعتبرون الغزوات والفتوحات الإسلامية منجزات حضارية، ويصف من خلالها ابن باز بالرجل التكفيري، ويصف الرئاسة بأنها يديرها رجال ملتحون، ويتهم المدرسات بإحراق فتيات مدرسة لأن الهيئة منعتهن من الخروج سافرات، فتركن جثث طالباتهن تتفحم في المدرسة. وتتململ الشخصيات في الرواية من دروس الاستنجاء والاستجمار، ومكاييل الزكاة، وتصف الفتيات اللواتي اخترن لبس الحجاب براهبات الدير.

الصحوة ليست تابو
ومع هذا كله فإننا نقرر أن الصحوة ليست من التابوهات المحرمة.
بل هي موضوع صالح للتناول، وهي من أفضل الموضوعات للتناول من حيث وفرة المادة، وغزارة الشخصيات، ولكن المحور الذي نحن بصدده يتحدث عن كيفية التناول.

هل كان تناول الصحوة في الرواية المحلية تناولا يخدم فنية الرواية أم لا؟
هل كان التناول خطابيا مباشرا؟

هل تم توظيفه لمعارك أيديولوجية خارج الفن الروائي؟
أم تم تناوله بطريقة فنية عالية مثلما تم تناول جميع الظواهر الدينية المحافظة في شرق العالم وغربه، في الرواية المصرية عبر رواية العائش في الحقيقة، ورواية الباقي من الزمن ساعة، ورواية التنظيم السري، ورواية الكرنك، وغيرها؟

ولا بد قبل الاستمرار من توضيح: أن الموضوع ليس بحثا في تاريخ الصحوة وإنما هو قراءة لنقد الصحوة في الرواية. وسوف نكتشف معا كم هي الحيرة بين العنوان الأولى بالطرح، هل هو: نقد ظاهرة الصحوة؟ أم ظاهرة نقد الصحوة في الرواية؟

الرواية المحلية لم تدرس الصحوة كما ينبغي
انشغلت الرواية المنتقدة للصحوة والرواية المدافعة عنها بالصراع الأيديولوجي بعيداً عن البحث في الإخلاص للناحية الجمالية، مما أدى إلى ضعف فني في الجانبين ساهم في إضعاف ذائقة المتلقي وتحجيم اختياراته.
وأيضا لم يفلح الاتجاهان في تحليل الصحوة ولا التعمق فيها من خلال العمل الروائي، بل إن بحوث بعض علماء الصحوة وفتاويهم كانت أكثر تطرقا وأكثر انفتاحا وواقعية مع مشكلات الصحوة من الرواية، على حين أن المفترض كان العكس.

وعلى سبيل المثال:
انقسم الخط الصحوي في السعودية إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية:

1. اتجاه الوعظ والتذكير بالآخرة والدعوة إلى إصلاح الدين.
2. اتجاه طلب العلم الشرعي وتعليمه.
3. اتجاه أممي يرى أنه يدافع عن مقدرات الأمة ضد الاحتلال والغزو المباشر والغزو الفكري والعلمانية العصرية.

كما انقسم التيار الصحوي إلى ثلاثة اتجاهات رئيسيّة: الاتجاه الإخواني، الاتجاه المضاد للإخواني، والاتجاه التبليغي. وقد جرت بين هذه الاتجاهات مناوشات وصراعات كبيرة لم تتعرض لها الرواية ولم تخض فيها.

انتقاد الصحوة سمة أساسية لرواية المنطقة الوسطى
هذا وقد قسمتُ تناول الصحوة في الرواية المحلية إلى قسمين، أحدهما رئيسي والآخر فرعي.

فالقسم الرئيسي:
هو انتقادها في رواية المنطقة الوسطى.
والقسم الفرعي هو نقدها في باقي المناطق.

إن انتقاد الصحوة حال متفرعة عن نقد التدين أو المحافظة أو الانغلاق الاجتماعي، ورغم ذلك فإن الأعمال التي تناولت جانب النقد السياسي والفكري والاجتماعي والديني، وتجاهلت مفهوم الصحوة أصلا، كانت أفضل فنيا من الأعمال التي انتقدت الصحوة. ولنذكر على سبيل المثال رواية ساق الغراب ليحيى قاسم. وتعد رواية ساق الغراب ليحيى قاسم عملا نقديّا للتدين، بل هي عمل انتقد (الوهابية) من أصلها، واعتبر دخول (الوهابيين) للمناطق الجنوبية دخول غزاة وليس دخول فاتحين موحدين للدولة الإسلامية الوليدة. ومع ذلك فقد كانت القيمة الفنية عالية لهذه الرواية، حيث إنها وظفت البيئة الجنوبية المحلية ومفرداتها الصغيرة في عملها، وبنت لغتها وحكايتها من خلال تقنية سردية غرائبية ولغة عالية أحيت الفلكلور الجنوبي وبعثت الثقافة المحلية الريفية الجنوبية من العدم في الرواية السعودية.

وبالتالي فليس من المشترط أن يكون العمل الروائي الذي ينتقد اتجاها ما، ليس مشترطا أن يكون عملا رديئا. ولكن الملحوظ أن الأعمال الروائية التي انتقدت الصحوة لم تأخذ في اعتبارها الاهتمام بالناحية الجمالية إلا في أندر النادر.

وعودا على بدء: فإن القسم الفرعي الآخر للرواية التي نقدت الصحوة هو الأعمال الروائية التي كتبها مؤلفون من خارج المنطقة الوسطى. وهذه الأعمال جديدة وحديثة جدا، إلى درجة تؤكد على أن النمط الانتقادي السائد للصحوة استقطب كتاب المنطقة الغربية لنقد الصحوة، ولكنه لم ينجح في ذلك، إذ إن انتقاد الصحوة لم يدخل إلى أعمال عبده خال مثلا إلا في روايته الأخيرة فسوق. ولم يدخل في أعمال رجاء عالم إلا في عملها الأخير: رواية ستر. مما يدل على أن المنطقة الوسطى كما ذكرنا تستأثر بالدور الرئيسي في ظاهرة انتقاد الرواية الصحوية.

يتضح ذلك في روايتي الفردوس اليباب، وجاهلية لليلى الجهني، ففي الفردوس اليباب تنتقد ليلى الجهني انغلاق المجتمع المحافظ من خلال بطلتها المتورطة في عاطفة حب محرمة، ولكن البطلة تعود إلى اجترار مأساة الغدر الذي تعرضت له من معشوقها، وفي الرواية التالية تنتقد البطلة محافظة المجتمع فيما يتعلق بالإثنيات العرقية، وهكذا يتبين أنّ الكاتبة ليلى الجهني رغم أنها منفتحة في اتجاهاتها الفكرية إلا أنها لم تقتحم أتون الصراع الأيديولوجي بين الصحوة وخصومها.

أسفر هذا الاتجاه في الرواية المضادة للصحوة عن ظهور الرواية الصحوية، التي تعد فرعاً من فروع الرواية الإسلامية وهي أخص بالتسمية منها. وذلك ما جر فن الرواية المحلية إلى مشكلات بعيدة عن البحث عن الإبداع الفني كما سيتضح، وبعد أن كانت الرواية الإسلامية في السعودية تقتصر على التنظير، وعلى ضرب الأمثلة بأعمال علي أحمد باكثير وأعمال نجيب الكيلاني، وبعد أن كان الأدب المحكي في الجانب الإسلامي يكتفي بطرح قصص العائدين إلى الله وقصص حياة الصحابة كما لدى عبد الرحمن الباشا. فظهرت للكاتب فهد الجديد رواية عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب تنحو على نحو الاكتفاء بالتبريك والتصوير الرومنسي، وهي رواية مباشرة بفقدها لمقومات الكتابة الإبداعية فيها، ومثل هذا الطرح يمكن قبوله على أنه يمثل حسن نية كاتبه، ويصلح لأن يكون عمل خير يتبرك به كاتبه لا عملا فنيا مستكملا لشروطه الإبداعية، وكذلك صدرت روايات مثل رواية دفء الليالي الشاتية للدكتور العريني، ثم تحسن مستوى الرواية الإسلامية وانتقل إلى خطاب يمتلك لغة عالية ولكنه لم يتحرر من النزعة الدفاعية الأيديولوجية كما في روايات الحضيف.

من انتقاد الصحوة إلى نقدها
ومع ما سبق بيانه حول انتقاد الصحوة وليس نقدها، فإننا عندما نبحث عن روايات تطرقت لنقد الصحوة بالالتزام الفني وصدق الكتابة المهتمة، فإن هذا النوع من الروايات موجود على ندرته، فبالرغم من الحالة الهستيرية التي انتابت بعض الكتاب في انتقادهم للصحوة إلا أن مستوى تناول الصحوة انقسم إلى ثلاثة أقسام:

1. روايات موغلة في تطرفها مع أنها تحاول أن تبحث عن وجودها الفني: هند والعسكر لبدرية البشر، سورة الرياض لأحمد الواصل، الوارفة لأميمة الخميس.
2. روايات مؤدلجة ولكنها تمتلك مقومات العمل الإبداعي الروائي: جروح الذاكرة، القارورة، عرق بلدي (التركيز على مقدمة عرق بلدي).
3. النقد المعتدل، ونضرب له مثالين:

المثال الأول: رواية بنت الجبل، وفيها يقدم صلاح القرشي جانبين من التشدد الصحوي: حانب ما قبل جهيمان، وهو حسن، الذي خرج من السجن مبلبلا ضائعا بعد الحادثة، متحسرا على حبه الفقيد. والجانب الثاني هو جانب هشام، الفتى المتدين الصحوي الذي جرته الأحداث إلى أفغانستان، وهذا مقطع حواري يجري بينه وبين أحد المجاهدين، ليبين تأثير العنصر الخارجي الدخيل على الصحوة:

وهذا هو أحد الأبطال: يوسف الحمصي يتحدث في أفغانستان قائلا:

– لكنك كنت رائعا يا شيخ أبو الوليد لأنك توصلت إلى نتيجة لم يتوصل لها كثير من إخواننا شباب الصحوة وهي أن الصحوة نفسها ليست سوى مرحلة وسطى
– نعم نعم صدقت.

قالها الشيخ عمر السويطي بحماس ثم أكمل:
– نعم نعم فشباب الصحوة يرتكبون غلطة هائلة إذا اعتقدوا أن ما صلوا إليه يكفي الإسلام والمسلمين, لايكفي أن تقصّر ثوبك وتصلي وتحضر المحاضرات وتحارب أعراض المرض من منكرات سائدة, لابد أن تنتقل إلى مرحلة التغيير, مرحلة الجهاد, للقضاء على المرض وليس على أعراضه.

– فعلا ..ومشكلة بعض شباب الصحوة أنهم قبلوا من الغنيمة بالإياب.

– لا بل بعضهم صار يقف في الصف المقابل للمجاهدين, مدافعا عن الحكومات الكافرة أو مدافعا عن أحمد شاه مسعود واستضافة الأمم المتحدة في كابل.

– هنا يحتاج شباب الصحوة إلى صحوة

قالها يوسف الحمصي وهو يضحك. انتهى الاقتباس.

المثال الثاني: رواية كائن مؤجل: يقدم فهد العتيق شخصيته (خالد) باعتباره شخصا حائرا بين خطاب ديني متشدد يحاول اختطافه ويحاول أن يرسم على ملامحه ما يريد، وبين خطاب عبثي استهلاكي مسطح، لا يرى السعادة إلا في توفر المتع اليوميّة وتفريغ جيوبه في حمى الاستهلاك.

ظواهر نقد الصحوة في الرواية المحلية
من ظواهر نقد الصحوة في الرواية المحلية، وهي من العلامات التي يمكن تحديد ما إذا كانت الرواية منتقدة للصحوة أم لا.

فلم تكتف الرواية المحلية بانتقاد الأخطاء التي ترتكبها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي تعد جهة رسمية مكلفة بأعمالها ومطالب بها شعبيا رغم ما قد ترتكبه من أخطاء، وكذا لم تكتف بنقد الإرهاب، الذي تدينه جميع اتجاهات الصحوة المعترف بها في السعودية، بدءا من هيئة كبار العلماء مرورا بالجامعات وقطاعات التعليم.

لكن نقد الصحوة اكتسب علامات فارقة يمكن لنا أن نتعرف عليها على وجه الإجمال فيما يلي:

– الاعتراض على ثقافة الوعد والوعيد وعلى كل ما له علاقة بالغيبيات وما شابه، مثل الاستشفاء بالقرآن الكريم كما في رواية جروح الذاكرة.
– نقد المناهج التعليمية بخاصة الدينية منها (كما في رواية الإرهابي 20).
– اتهام علماء المملكة ورجال دينها وتلفيق الأكاذيب عليهم كما في رواية سورة الرياض.
– تفخيم بعض الأحداث التي جرت في المنطق الوسطى وتصويرها على أنها ملاحم عظيمة مثل مظاهرة قيادة السيارات كما في رواية القارورة.
– اختلاق الأكاذيب حول الأوساط المحافظة مثل ادعاء رواية سورة الرياض أن المعلمات قمن بإحراق الطالبات عمدا في المدرسة، لأن النظام يمنع خروجهن سافرات.
– الاستهزاء ببعض الشعائر الدينية كالصلاة والزكاة ووصفها بالتخلف، وتشبيه غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم باحتلال الكويت كما في رواية سورة الرياض.
– الطغيان الأيديولوجي ونقل المعلومات الخاطئة حول الشريعة الإسلامية، مثل ما زعمت رواية الوارفة من أن الإسلام يجبر المرأة على إعادة نصف المهر بعد دخول الزوج بها.
– اختفاء الاعتزاز بالتاريخ الإسلامي.

– تناول كل ما له علاقة بالدين أو رجاله بالاحتقار والاستهزاء.

الآثار الفنية لظاهرة نقد الصحوة في العمل الروائي المحلي
1. الطغيان الأيديولوجي.
2. كثرة الأخطاء المعرفية.
3. انتشار اللغة الخطابية المباشرة.
4. إهمال العناية بتطوير تقنيات السرد والاكتفاء بالعناية بتقوية الجانب الخطابي الذي يهدف إلى إدانة الطرف الآخر.
5. ضعف أمانة النقل في الجانب التسجيلي في الوقائع التاريخية.
6. انتشار التماهي الواضح بين الكاتب والشخصية المعادية للصحوة في الرواية، ومحاولة تصويرها بطريقة رومنسية حالمة، وتصوير الشخصيات الدينية بطريقة كاريكاتيرية ساخرة.

من الآثار السلبية للرواية المنتقدة للصحوة على الذائقة القرائية
القارئ السعودي يعد جديدا على الرواية ولهذا فقد يروّج لديه البعض يرى البعض أنه لا يجوز التعامل بمنطق الصح والخطأ مع الرأي الأيديولوجي في الرواية.

والحق أن هذه مقولة غير صحيحة، فمنطق الصح والخطأ يدخل في التعامل الفني مع الفكرة نفسها، لا شك كما ذكرنا أن أي فكرة قابلة للنقاش والكتابة، لكن فرضها وتحويلها إلى نص خطابي أيديولوجي بتواطؤ الراوي في نص فني، هذا يقدح في فنية النص، أيا كان كاتبه، بخاصة إذا كان يقدم نفسه على أنه راو حيادي منفصل عن الشخصيات. نجيب محفوظ ينتمي إلى الواقعية الاشتراكية، لكن اقرأ كيف يتعامل مع الشخصيات وكيف يقدمها في كتابه المرايا، أو ميرامار، وبالدرجة الرئيسة في رواية العائش في الحقيقة. لترى كيف أن هذا الواقعي الاشتراكي يستطيع أن يعدل بين جميع الشخصيات إذا تعامل معها بحرفية الراوي العليم.

ومن تلك الآثار السلبية لهذا النوع من الكتابة، أنه يجعل التلقي عند القارئ أيديولوجيا، بمعنى أنه لا يهدف إلى تقديم عمل فني، بقدر ما يهدف إلى تغيير القناعات والأفكار واستجلاب المواقف وحشدها تحت تأثير لغة شعرية تحريضية تلعن المحافظة وتمجد الانفتاح، وليس هذا هدفا فنيا مشروعا للرواية باتفاق الجميع.

آثار إيجابية للظاهرة الأيديولوجية المنتقدة للصحوة
ومع ذلك فهناك آثار إيجابية، فهذا النوع من الكتابة يتيح لك الفرصة لتصنيف الأعمال الروائية إلى أعمال أيديولوجية وغير أيديولوجية لأن طبيعة العمل الأيديولوجي توضح أنه عمل أيديولوجي، فنحن نقرأ أعمالا كثيرة جدا، ونعرف الكاتب الأيديولوجي، سواء كان شيوعيا أم إسلاميا أم ليبراليا، فالشيوعي مثل صنع الله إبراهيم في روايته عن بنت ظفار، والإسلامي مثل محمد الحضيف في رواياته، والليبرالي المتعصب جدا وبعمى أهوج مثل أحمد الواصل في سورة الرياض. هذا وصف يسيء بفنية العمل، ليس لأجل التوجه الأيديولوجي ولكن لأن الأيديولوجيا بشكل عام مسيئة للعمل الفني، الأيديولوجيا مسيئة للتدقيق التاريخي، ومسيئة كذلك أيضا حتى في البحث العلمي المجرد، وفي الفنون بعامة.

ومن الآثار الإيجابية أيضا: انكشاف النقاد والمحتفين الأيديولوجيين بهذه الأعمال وتصنيفهم ضمن كتاب الأيديولوجيا، وتكشف أن احتفاءهم وإشادتهم بالأعمال الروائية التي يشيدون بها ليس من خلفية فنية وإنما من خلفية أيديولوجية بحتة، وهؤلاء النقاد يستقطبون من الداخل ومن الخارج، فمن الخارج على سبيل المثال لدينا: كلاديس مطر: كاتبة مقدمة رواية عرق بلدي.

ومن الداخل فارس بن حزام: صاحب أهم المقالات الأيديولوجية حول رواية الإرهابي 20، التي كتبها بعنوان: عبد الله ثابت: معلم لم يقتل بعد.

وختاماً

إن ما ذكر أعلاه ليس انتقاداً للأيديولوجيا بحد ذاتها، ولكنه انتقاد لإضرارها بالعمل الفني، سواء أكانت في طرف الصحوة أم في الطرف المضاد لها، وقد كتبت في انتقاد أيديولوجيا الرواية الإسلامية على سبيل المثال في مقال مختص بها بعنوان: تساؤلات في طريق الرواية الإسلامية. وقد نشر في أكثر من صحيفة وموقع، ويمكن الاطلاع عليه للتأكد من ذلك، وليست هذه الكلمة الأخيرة إلا من باب التأكيد على أمر أعتقد أنه اتضح واتسق لقارئ هذه المادة من خلال عرضي المفصل لها.

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=491]
[/URL]
[/SIZE]

التعليقات

لا يوجد تعليقات. كن أول المعلقين!
  1. عامر المصري says:

    تركي الحمد من نوعية الكتاب الذين يهتمون بصناعة الفكر وتوجيه الجيل الشاب من خلال روايته و المغزا من ذلك ابعاد الناس عن سلطةالمجتمع و الدين

  2. عيسى الجريان says:

    معظم رواياتهم لاقيمة لها وعدد من يقرأوها محود جدا وينحصر في بعض المثقفين والهواة ولوحصل الكاتب والمثقف او المؤلف هذه الايام عددالف شخص ليطلعوا على ماكتبه فهو محظوظ وربما موهوب جدا وكتاباته مثيرة ..زمن الورق ولى والان جاء عصر التويتر ووسائل التواصل الاجتماعي

  3. محمد الصقيري says:

    الاصيل يبقى اصيل ومن شب على شيء شاب عليه…ولا نستغرب من تركي الحمد ومن غيره من ابناء هذه البلاد الاصيلة ان يعودوا الى جذورهم مهما حادوا عن الطريق الصحيح .. والرجوع عن الخطأ فضيله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *