سعد حذيفة الغامدي أول وآخر المدافعين عن ابن العلقمي

[SIZE=5]حصلت على كتاب سعد بن حذيفة الغامدي "سقوط الدولة العباسية ودور الشيعة بين الحقيقة والأوهام" بعد أن مررت على العبيكان الرئيسي، ولم أجده، ثم وجدت نسخة مختفية في الفرع الثاني بالبديعة، وهي النسخة الأخيرة.
وقد سارعت بقراءة ما بين ص 333 إلى 351 وتصفحت الكتاب بشكل عام.
ومن خلال تصفحي للكتاب وجدت الآتي، ولا بد من عرضه:

أولاً:
أن الباحث لا ينكر دور أفعال المسلمين من ضعاف النفوس عامة في سقوط الدولة الإسلامية. فهو يقول (لا شك أن الخونة من المسلمين الذين كانوا يعملون جواسيس لهولاكو، قد أخبروا سيدهم عن حقيقة الأوضاع المتردية داخل بغداد، وعن الأشخاص الفعليين الذين كان في أيديهم حكم بغداد…) ص233.
وقد أقر الغامدي نفسه أن الذين كانوا يصرون على قتال المغول هم الدواة دار الصغير ومن معه، وأن الذي كان يشير بعدم القتال هو ابن العلقمي. وأن الدواة دار تعرض للخيانة من بعض موظفيه من غير الشيعة أيضا ومنهم أيبك الحلبي وسيف الدين قيليج، عندما أرسلهما ليكشفا له الطريق التي كان يسلكها أثناء سيره، فهجرا مواقعهما العسكرية وانضما للمغول، هذا الأمر اعترف به سعد الغامدي.

ثانياً:
ادعى الباحث أنه لكي نعرف خيانة ابن العلقمي أو عدمها للدولة العباسية إلا من خلال دراسة نفسيته! ومن خلال تحليله الشخصي لنفسيته زعم أن الخيانة لم تحصل منه، وليس اعتمادا على نصوص تاريخية تنفي ذلك على وجه المناقشة والتحقيق.
فجميع النصوص التاريخية المعاصرة للحادثة: البغدادية منها والمشرقية في خراسان والغربية في دمشق، العربية والعجمية، والمسلمة والنصرانية، كلها تؤكد الحادثة، لكنه ينفيها بفعل تزكية مؤرخ سني توفي قبل الحادثة بما يزيد على العام وهو سبط الجوزي؟

والغريب أيضا أن يستشهد الغامدي لتبرئة ابن العلقمي برجل توفي قبل وقوع الحوادث العظمى في بغداد، لأنه بغدادي! ويرفض الاستشهاد بأناس عاصروا الحادثة وأرخوا لها، لأنهم كانوا خارج بغداد!

ثالثاً:
ادعى الباحث أن المؤرخين الذين اتهموا الوزير ابن العلقمي هم سنيون متطرفون.
لكن الباحث وقع في تناقض عجيب:
أثبت الباحث أن مؤرخي أهل السنة لم يتعرضوا قبل عام 654هـ لسيرة ابن العلقمي بأي سوء. بل ذكر أن المؤرخ سبط ابن الجوزي الذي توفي عام 654هـ أثنى على ابن العلقمي، وأنه نقل أن الخليفة المستعصم عندما أشيعت لديه أنباء تواصل ابن العلقمي مع هولاكو عزا الأمر إلى أنه قد يكون مكيدة من خصمه الدواة دار الصغير.
فهذا يثبت على أن الحقد المذهبي لم يكن سببا في شيء من ذلك، وذلك للأسباب الآتية:
1. أن العباسيين كانوا سنيين، ولو كانوا حاقدين على الشيعة لما استوزروا ابن العلقمي.
2. أن بعض مؤرخي السنّة امتدحوا ابن العلقمي ورووا عن الخليفة أنه كان ينكر التهم التي تشاع على ابن العلقمي من أعدائه.
3. أنه بعد سقوط بغداد وظهور الحقيقة عندئذ روى المؤرخون السنة والشيعة حقيقة ابن العلقمي التي لم يكن يعلم عنها الخليفة بالطبع.
4. وكذلك مؤرخو السنة لم يتهموا الشيعة بالأمر، بل إنهم صدقوا ورووا حقيقة صمود الشيعة الإسماعيليين في وجه المغول، ولو أنهم كانوا يريدون التلفيق والكذب لما ذكروا هذه الحقائق وأكدوها.
5. المصادر السنية والشيعية ومنها بحث الغامدي تتحدث: أن الدواة دار الصغير كان مصرا على قتال المغول، وقاد بعض الحملات لقتالهم بنفسه، وقد خرج الدواة دار الصغير الذي كان يقال إنه طامع ومنافس لابن العلقمي بنفسه، وقاتل الدواة دار، وعندما عجز عن القتال واستسلم قتله المغول! ولكن المغول لم يتعرضوا لابن العلقمي بأي أذى.

رابعاً:
لم يورد الباحث حجّة ينفي بها ما نقله المؤرخون سوى التشدد الديني من قبل الشيعة والسنة، وقد أوضحت أن التشدد الديني لم يكن سببا في اتهام ابن العلقمي ولا في اتهام الطوسي بالخيانة. ومن الغريب عندما يتساءل الغامدي:
– لماذا اعترف مؤرخو الشيعة بالحادثة؟ يجيب الغامدي: لأنهم أيضا كانوا متشددين!
الذي نعرفه أنه عندما يكون الطرفان متشددين فإنهما لا يقومان بإثبات رواية واحدة بعينها، بل لا بد أن تتضارب فيها آراؤهما.
لا أفهم: كيف يكون السبب في الطرفين المتعاكسين في إثبات الحادثة هو أنهما متشددان؟
هناك مؤرخون غير مسلمين رووا الحادثة، ومنهم المؤرخ المكين بن العميد جرجس. لماذا اتهم ابن العلقمي أيضا؟ هل لأنه متشدد ديني؟
يجيب الغامدي؟
إنه عاش في مصر، وهو كان يردد شائعات.

خامساً:
يذكر الغامدي في كتابه صفحة 344 أن أول نص ظهرت فيه هذه التهمة كان نصاً لأبي شامة الدمشقي، وهو معاصر للحادثة، وهو مؤرخ، صاحب كتاب الذيل على الروضتين، وقد توفي عام 655، فالغامدي عندئذ:
1. لا يطعن في أمانة الدمشقي العلمية.
2. لكنه يعتذر بأنه لم يكن في بغداد وقتها.
3. لكن الغامدي نفسه يستشهد بتبرئة العلقمي من قبل الخليفة ومن قبل مؤرخ سني توفي قبل الأحداث! فلماذا نفضل شهادة الميت على شهادة الحي؟

سادساً:
أخطأ الغامدي، وخطؤه هذا كان عمدا، وهو من التدليس والتلبيس كما سيتبين فيما بعد، وبيان خطئه أن:
هناك معلومة أهملها الغامدي عن عمد، رغم معرفته بابن الساعي وإشارته إليه في مصادر بحثه، فما هذه المعلومة؟
رأيت مقالا لباحث شيعي يكتب باسم مستعار هو: مرآة التاريخ، ويضيف هذه المعلومة التي لا يعرفها الغامدي جهلا أو تجاهلا، لكنه في العموم يشيد ببحث الغامدي حول نفي التهمة، وتوصل الرجل إلى أن ابن الساعي البغدادي هو أول من كتب في هذا الموضوع، يقول الباحث:
ذكر ذلك في كتابه " تاريخ الخلفاء العباسيين" ص 159 ? 160، ط سنة 1413هـ/ 1993م، تقديم د.عبدالرحيم يوسف الجمل، نشر مكتبة الآداب، القاهرة، مصر. انتهى كلامه.
(ملحوظة: لم أكسل عن تحصيل الكتاب، ولكني وجدت نسخه قد نفدت بالمكتبات).
وابن الساعي هذا:
1. عاش في بغداد.
2. كان مؤرخا، كبيرا، وهو صاحب كتاب تاريخ الخلفاء.
3. كان قريبا من السلاطين والوزراء.
4. توفي عام 674.
هذا الرجل تتوافر فيه جميع شروط التصديق أم لا؟
يجيب صاحب المقال بأن هذا الرجل أيضا يكذب على ابن العلقمي، لماذا؟
1. لأنه سني!
(الخليفة نفسه سني ولم يكن يظن بابن العلقمي إلا خيراً، وكذلك المؤرخ سبط ابن الجوزي الذي توفي قبل سقوط بغداد بعامين كان سنياً ولم يكن يظن بابن العلقمي إلا خيراً).
2. إنه كان صديقا للدواة دار!
(والخليفة أيضا كان يحب الدواة دار ولكنه لم يصدقه).
3. أنه كان يكتب التاريخ للعباسيين ويهدونه عليها الجوائز (ما المانع في ذلك؟ وهل يعيبه قربه منهم؟ وهل يعيبه أنه يكتب تاريخهم ويعطونه الجوائز)؟
4. أنه كان يؤلف الكتب ويهديها للآخرين وأحيانا كان يكتبها ويهديها بأسمائهم (لكنه لم يثبت العكس، لم يثبت أن الدواة دار ألف كتاباً وكتبه باسم ابن الساعي، بل إنه كتب الحادثة بعد وقوعها وبعد قتل التتار للدواة دار، فما علاقة هذا الموضوع)؟

هذا هو كلام ابن الساعي في كتابه:
(لما توفي المستنصر، بويع بالخلافة ابنه المستعصم، وهو أبو أحمد عبدالله، وهو آخرهم.
وفي أيامه استولت التاتار على بغداد، وقتلوا الخليفة، وبه انقضت الدولة العباسية من أرض العراق.
وسببه: أن وزير الخليفة مؤيد الدين ابن العلقمي كان رافضياً، وكان من أهل الكرخ، وكان أهل الكرخ كلهم روافض. فجرت فتنة بين السنية والشيعة ببغداد على العادة. فأمَرَ الخليفة العسكَرَ فنهبوا الكرخ، وركبوا من النساء الفواحش، فعظمَ ذلك على ابن العلقمي، وكاتَبَ التاتارَ وأطمعَهم في البلاد.
فيقال: إن هلاكو لمّا وصلت إليه مكاتبة الوزير تنكَّرَ ودخل بغداد في زيّ تاجر، واجتمع بالوزير، وبأكابر الدولة، وقرَّرَ القواعد معهم، ورجع إلى بلاده، فتجهَّزَ وسار إلى بغداد في جموع عظيمة من المغول ونزلوا على الجانب الشرقي في سنة ست وخمسين وستمائة، وخرجَ إليهم الوزير فاستوثقهم على أهله ونفسه. ثم رجعَ إلى الخليفة، وقال: إن هذا جاء ليزوّج ابنته بابنك، ولم يبرح به حتى أخرجه إليه، فأنزلوه في خيمة، وجعل الوزير يُخرج إليهم أكابر بغداد، طائفة بعد طائفة، حتى كملوا عند التاتار، فوضعوا فيهم السيف، وقُتِلوا عن آخرهم، وقتلوا الخليفة).
وأقول: هذه الرواية تثبت أن ابن الساعي لم يكن عميلاً للخلافة العباسية، ولا عميلاً للدواة دار، ولا عميلاً للجيش العباسي، بل تدل على أمانته وحياديته:
فقد:
1. ذكر أن الخليفة بعث جندا لقتل الشيعة من أهل الكرخ واغتصاب نسائهم.
2. أثبت الدافع الذي جعل ابن العلقمي يكاتب التتار، وهو أن أهل السنة وأنصار الخليفة قتلوا قومه واغتصبوا نساءه، وهذا هو الدافع النفسي الذي كان يبحث عنه الغامدي وربما كان يعلم به ولكنه لم يورده، لأنه ليس في صالحه.
3. اعترف الغامدي في كتابه ص30 أن ابن الساعي، بعد سقوط الدولة العباسية أصبح صريحاً، وغير خاضع، ولم يكن يخشى أو يخاف ما يكتبه، ولم يكن خاضعاً لقيود كتابية معينة تجعله يحرف الحقائق، وأنه وصف الخليفة الناصر بالظلم وأنه كان شريراً وقبيح السيرة، وأن ابن الساعي كان حيادياً مستقلاً، بعد ذلك، بعكس ما كان يفعله من قبل في كتاب مختصر تاريخ الخلفاء.
والسؤال الذي يطرح نفسه:
لقد ذكر الغامدي أن ابن الساعي هو من أهم المؤلفين الذين يستحقون الرجوع إليهم في هذه المسائل. لكن:
لماذا لم يناقش الغامدي آراء ابن الساعي في كتابه تاريخ الخلفاء؟
هل لأنه أراد إخفاء المعلومة؟
لماذا لم يذكر الغامدي شيئا في مصادره ومراجعه عن كتاب ابن الساعي:
تاريخ الخلفاء؟ وإنما تحدث عن الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون السير؟
وإذا كان ابن الساعي أصبح أميناً ومستقلاً وكان من أهم المؤرخين الموثوقين فلماذا لم يورد قوله ولماذا لم يعتمد عليه؟ مع أنه كان أقرب إلى العباسيين وهو من كتب تاريخهم بيده؟ ومع أنه بعد أن انتهت دولة العباسيين كتب ما كتب؟ فكيف يكون الرجل أمينا ومستقلا ومتآمرا أيضاً؟
هذا ونحن نتفق مع الغامدي في توثيقه لابن الساعي، وقد ترجم له الذهبي في تذكرة الحفاظ بما نصه:
ابن الساعي الإمام المؤرخ البارع تاج الدين أبو طالب علي بن أنجب بن عثمان بن عبدالله البغدادي خازن كتب المستنصرية وصاحب التصانيف صحب ابن النجار وسمع من جماعة وذيل على الكامل لابن الأثير وعمل تاريخا لشعراء زمانه ومناقب الخلفاء وتاريخ الوزراء وتاريخ نساء الخلفاء وسيرة الخليفة الناصر وغير ذلك وكان يحصل له من الدولة ذهب جيد على عمل هذه التواليف وعمر واشتهر اسمه وعاش اثنتين وثمانين سنة ومات في رمضان سنة أربع وسبعين وست مائة.

فهذا يدل على أن مصادر الذهبي ليست غير موثوقة بإقرار من الغامدي نفسه في كتابه صفحة 30.
لقد ادعى الباحث سعد الغامدي أن الاتهامات التي وجهت ضد الوزير لم تكن قد جاءت من قبل مؤرخين عراقيين معاصرين لتلك الأحداث، وأنها جاءت من مؤرخين من خارج الأراضي العراقية. والآن يتبين التلبيس والتدليس في هذا الادعاء بإيراد كلام ابن الساعي البغدادي، الذي استعان به الغامدي في بعض استشهاداته ولم يستعن بكتبه الأخرى في الاستشهادات الأخرى.

سابعاً:
لقد عرفنا حرص الدواة دار الصغير على الدفاع عن بغداد، وقتاله، مرة بعد مرة، أن الهزائم المتكررة لم تمنعه من تكرار القتال ضد المغول، في حين كان نصير الطوسي يرافق قوات المغول أثناء غزواتها وضربها لبغداد، وقد أقرّ بذلك الغامدي في كتابه ص307.
فلماذا كان هذا الرجل الشريف (الدواة دار الصغير) الذي يقاتل دون وطنه حتى قتل هو ومن معه جميعاً، لماذا كان يعتبر عدواً لابن العلقمي؟ هل لأن ابن العلقمي كان شيعياً؟ هل ذلك لأنه متعصب سني؟
بالطبع لا: يقرر الغامدي أن السبب في عداوة الدواة دار الصغير للعلقمي هو أن ابن العلقمي هو الذي كان بادئاً، فقد اتهم الدواة دار بأنه يريد أن يدبر انقلاباً ضد الخليفة. وقد اتضح من السياق التاريخي أن الدواة دار كان مجاهداً مقاتلاً، مات شهيدا رحمه الله، في الوقت الذي كان فيه الطوسي وابن العلقمي يتقلبون في نعم التتار.

ثامناً:
عندما يريد الغامدي أن يذكر المدافعين عن ابن العلقمي من المؤرخين المعتبرين عنده، فإنه لا يشترط فيهم أن يكونوا شهدوا الحادثة، بل يذكر المدافعين عنه الآتين:
1. المؤرخ سبط الجوزي (سني)، طبعا توفي الجوزي قبل وقوع اجتياح بغداد وقتل الخليفة والدواة دار الصغير وانضمام العلقمي للتتار.
2. ابن الطقطقا (يذكر ابن الطقطقا في مديح ابن العلقمي أن الوزير قبل هدية من أحد الناس، وأعطاه عليها هدية مضاعفة من بيت مال المسلمين! وأن الخليفة كان يحبه. ويكتفي بأن يقول: ونسبه الناس إلى أنه خامر، وليس ذلك بصحيح. ولكن ابن الطقطقا يذكر أن الدواة دار مجاهد الدين أيبك قاتل التتر وحاربهم أكثر من مرة بجيشه، في حين كان ابن العلقمي يشير بالاستسلام والهدايا وينتظر أن يتوج وزيرا).

3. رشيد الدين: يعترف الغامدي بأن رواية رشيد الدين متناقضة، لأنه حاول تبرئة ابن العلقمي، بقوله: إن ابن العلقمي صرح للخليفة أنه لا مفر من الدمار الوشيك. وفي مرة أخرى استشاره الخليفة فكان رد الوزير: "لحيتي طويلة"!
(أي إنه لا مشورة لي ما دمت لم تطعني في الاستسلام وبذل الطاعة لهولاكو، فهل يعتبر هذا دفاعاً)!
4. النخجواني: يدافع النخجواني عن الوزير، ويقول: إن هولاكو أعجب أشد الإعجاب بالوزير، وذلك لأن الوزير كان شديد الولاء تجاه الخليفة! (لا أصدق أن عاقلا يمكنه أن يقتنع بهذا التبرير)!
إلى هنا تنفد جعبة الغامدي، وتنتهي المصادر المعتبرة التي يزعم أنها تقف في صفّ ابن العلقمي! لكن هناك مصدر خامس:
5: الغامدي: سعد بن حمزة الغامدي نفسه: يدافع الغامدي بطريقة الدفاع الوحيدة التي يعتقد أنها تحقق الطريق الوسط:
يقول صفحة 350:
إن حقيقة كون هولاكو أبقى على الوزير ابن العلقمي حياً وعينه كواحد من كبار موظفي المغول، تبدو لنا أن المؤرخين المتهمين للوزير قد أوَّلُوها على أنها برهان قاطع على تآمره مع العدو، ضد الدولة العباسية التي يحتل منها مكانة عليا.
والذي يظهر لنا هو أن القائد المغولي قام بتعيين ابن العلقمي ليخدم في إدارة شؤون حكومة بغداد، تحت نفوذ السلطة المغولية، لا لأنه كان قد سبق له وتعاون معهم؛ أو لأنه حثهم على القدوم إلى بغداد وأخذها ومن ثم القضاء النهائي على حكومة العباسيين فيها. فلو قدر وتواطأ ابن العلقمي مع المغول لكان مصيره الدمار، لأن المغول لا يثقون في هذا النوع من الخونة!
وأقول: لا تعليق.
تاسعاً: الرؤية الشيعية لتبرئة الطوسي وابن العلقمي.
ما دامت الأمور ظاهرة للعيان بهذا الشكل، والشيعة أنفسهم يقرون أن الطوسي وابن العلقمي كانا وزيرين للمغول فكيف يقدم الشيعة رؤيتهم لهذه الخيانات؟ وكيف يقدمونها على أنها خدمة للإسلام والمسلمين؟ وكيف يقدمونها على أنها حماية للإسلام؟
انقسم مؤرخو وباحثو الشيعة إلى قسمين:
القسم الأول:
قسم يرى أن هذين الرجلين قدما خدمات جليلة للشيعة من خلال التعاون مع التتار على إسقاط الدولة الإسلامية.
ومن هؤلاء:
يقول المرعشي في كتابه مجالس المؤمنين عن ابن العلقمي:
إنه كاتب هولاكو والخواجه نصيرالدين الطوسي، وحرضهما على تسخير بغداد للانتقام من العباسيين بسبب جفائهم لعترة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم.
ويقول الخوانساري في كتابه روضات الجنان:
ومن جملة أمره المشهور المعروف المنقول حكاية استيزاره للسلطان المحتشم هولاكو خان، ومجيئه في موكب السلطان المؤيد مع كمال الاستعداد إلى دار السلام بغداد لإرشاد العباد وإصلاح البلاد، بإبادة ملك بني العباس، وإيقاع القتل العام من أتباع أولئك الطغام، إلى أن أسال من دمائهم الأقذار كأمثال الأنهار، فانهار بها في ماء دجلة، ومنها إلى نار جهنم دار البوار.
ولاحظوا معي العبارة السابقة: (السلطان المحتشم هولاكو) (موكب السلطان المؤيد)!
ويذكر عباس القمي في كتابه سفينة النجاة:
أن ابن مطهر الحلي أن أباه والسيد محمد ابن طاووس والفقيه ابن أبي العز، أجمع رأيهم على مكاتبة هولاكو، بأنهم مطيعون داخلون تحت دولته. وأن هولاكو سألهم: لماذا تخونون خليفتكم؟ فأجابه والد ابن مطهر الحلي بأن رواياتهم المذهبية تحثهم على مبايعتك وخيانة الدولة السنية، وأنك أنت المنصور الظافر!
ويعلق ابن مطهر الحلي على قصة والده: فطيب قلوبهم وكتب فرماناً باسم والدي يطيب فيه قلوب أهل الحلة وأعمالها.
القسم الثاني:
هذا القسم يرى أن الطوسي وابن العلقمي كانا يريدان مصلحة الأمة، من خلال العمل مع هولاكو وتجنيب الإسلام والمسلمين ويلات العالم الإسلامي. والسؤال: هل تجنب العالم الإسلامي ويلات التتر أم أنها ازدادت بهم؟ وعندما كان الطوسي يتمشى مع جيوش المغول وهي تبيد المسلمين وتفعل بهم ما تفعل، وعندما استوزر هولاكو ابن العلقمي هل استوزره لخدمة الشعب؟
إليكم مثالا من القسم الثاني:
يقول علي الكوراني العاملي في بحث صدر له عام 2006 بعنوان: كيف رد الشيعة غزو المغول.

تعالوا مع الكوراني لنرى كيف رد الشيعة غزو المغول:
يحكي الكوراني أن التتار دخلوا في الإسلام وتم إنهاء خطرهم على المسلمين بسبب الشيعة، وإليكم كلامه حرفيا: صفحة 2، 3، 4:
يتفق العلماء والمؤرخون على قاعدة بديهية وسنة تاريخية هي أن الأمة الغالبة تفرض ثقافتها على الأمة المغلوبة، ويتفقون على أن هذه القاعدة لم تنخرم إلا في الغزو المغولي لبلاد المسلمين، فإن الأمة المغلوبة فرضت ثقافتها على المغول فأسلموا وتنازلوا عن ثقافتهم!

أما سبب ذلك فهو جهود شخصيتين: اسم أحدهما محمد بن محمد بن الحسن، المشهور باسم خواجة نصير الدين الطوسي+، والثاني يوسف بن المطهر، المشهور باسم العلامة الحلي+! فقد واجه هذان المرجعان العبقريان المدَّ المغولي بحكمة وعمق، في خطة موفقة، حققت إنجازات عظيمة!
1- فقد ركَّز المرجعان عملهما على قادة المغول وأجادا معهم العلاقات والأساليب، ابتداءً من طاغيتهم الأكبر هولاكو إلى أبنائه وأحفاده ووزرائهم.
وقد أثمرت جهودهما بسرعة نسبية، فأسلم على أيديهما وأيدي تلاميذهما أبناء هولاكو وكبار قادة جيشهم، وتغيرت نظرة المغول وشعورهم تجاه الإسلام وأمته، وبعضهم حسن إسلامه، وكان أولهم إسلاماً أحمد بن هولاكو، بل ستعرف أن هولاكو نفسه أسلم شكلياً.

2- أقنعا المغول أن لايحكموا بلاد المسلمين مباشرة، وأن ينصبوا عليها حكاماً أكفاء من أهلها ويطلقوا أيديهم، ولا يتدخلوا في أمورها الداخلية.
3- أقنعا المغول بتبني سياسة الحرية المذهبية والإعمار، فكان ذلك برنامج الحكام المنصوبين، وظهرت ثماره خاصةً في العراق، وتعجَّب المؤرخون من نهضة الثقافة والإعمار فيه حتى صار أفضل مما كان في عهد الخلافة العباسية!

4- اهتم المرجعان بالبحث عن الكفاءات العلمية والإدارية والسياسية في طول البلاد وعرضها، وقاما بجذبها وتعليمها ورعايتها، وإطلاق يدها في العمل والإبداع، فظهر في مرصد مراغة وجامعتها، وجامعات المستنصرية، والنظامية والحلة، وغيرها، عشرات الأطباء والمهندسين والعلماء من كل نوع، وأثْرَوْا بعملهم ومؤلفاتهم حياة الأمة ومكتباتها.

كان عمل هذين المرجعين وتلاميذهما عملاً واسعاً متنوعاً عميقاً: واسعاً، شمل المناطق التي احتلها المغول وهي أغلب العالم الإسلامي. ومتنوعاً، فيه البعد العلمي والاجتماعي والسياسي والإداري. وعميقاً، في اختيار الكوادر ووضع الخطط، وإقناع القادة والشخصيات بها، وتوعية الرأي العام عليها!
وكان الجزء الأصعب فيه عطف أذهان ملوك المغول وقلوبهم من الوثنية إلى الإسلام، وتبديل تعطشهم إلى الدماء والتدمير والسيطرة، إلى حب الهدوء والتقوى! وهو أمرٌ لم يتمكن منه إلا المرجعان نصير الدين الطوسي وتلميذه العلامة الحلي رضوان الله عليهما بما آتاهما الله من شخصية جذابة حتى لأعدائها! ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
انتهى كلام الكوراني.

فهذه الرؤية هي التي يقدمها أصحاب القسم الثاني، الرؤية التي ترى أن جميع تآمرات الأعداء على المسلمين كانت في صالح الحرية وتعدد الأديان والكف عن سفك الدماء والإعمار، وهي التي يراها الكاتب الغامدي أيضا.
وعجبا! كيف أقنع الشيعة التتار بمواصلة الإعمار في العالم الإسلامي؟
إنها هي الطريقة نفسها التي أقنعوا بها الأمريكان على إعمار العراق!

[/SIZE]

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/articles.php?action=show&id=152]
[/URL]

التعليقات

9 تعليقات
  1. محمد العصامي says:

    بسم الله
    الحقيقة التي لا مراء فيها أن الرافضة كانوا سبباً رئيساً في انهيار الدولة الإسلامية العباسية . وقد اتفق دارسي التاريخ أن اهم سبب لسقوط العباسيين هم الرافضة واتفاقهم مع التتار لكن من أراد أن يعرف فاليخالف وهذا فيما يبدوا السبب في قلب الحقائق ولا ننسى أن الرافضة قد نجحوا في اقناع بض

  2. خليل 8 says:

    تويتر : مقال جميل ، لكن أحب أنبه الأستاذ عبدالواحد إلى أن سبط ابن الجوزي ذكر العلماء أن مذهبه رافضي ؛ كالذهبي . لذا يسقط احتجاج الغامدي به

  3. معتدل says:

    لاادري ما مدى صحة رواية الاستاذ سعد الغامدي لكن هناك مواقف واحداث في تاريخنا الاسلامي كتبت ارضاءا للسلطان او كتبت تحت سيفه وسطوته والبعض نتيجة الخوف لم يتجرأ على كتابة الحقيقة ..وهذا شيء معروف وأحيانا يكتب التاريخ لمصالح فئوية او طائفية اودينية او سياسية…لكن بلا شك ان للسياسة دورها الكبير في عملية كتابة وصياغة التاريخ

  4. محسن السلوم says:

    الله واكبر عليه من اين استقى دقة معلوماته وهل سيأتي هذا بما لم تأته الاوائل ..ولا نستغرب ان يظهر غدا من يحدثنا عن شخصية عبدالله بن سبأ اليهودي ليقول انه فري سنية وهو ما يقول به الرافضة انها شخصية وهمية من صنع اهل السنة .وقد أسست قبل سنوات لجنة عربية ترأسها شخص ماركسي من جامعة دمشق يدعى محمد محفل كانت تعمل على اعادة صياغة كتابة التاريخ الاسلامي ووصفت الحكم العثماني بالاحتلال العثماني وعن فتح الاندلس احتلال الاندلس الامم الاخرى تلمع تاريخها ونحن نعمل على تشويه تاريخنا بايدينا لصالح اعداء الامة

  5. طالب علم says:

    صحيح أن سبط ابن الجوزي ترفض ولكن ذلك بعدما ألف كتابه مرآة الزمان، وهذا ما نص عليه الذهبي، إشارة إلى ما ذكره العصامي

  6. باحث says:

    سبط ابن الجوزي مختلف في ترفضه

    ويبدو أن لديه ميلا للتشيع

    وهو في أهل السنة في وقته شبيه بالغامدي في وقتنا الآن

    وافق شن طبقة

  7. سارونه says:

    أحس العنوان طويل

    ما عجبني

  8. خالد مسفر ال عوضه says:

    اللهم لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا
    الغامدي شخصيه مريضه ويعاني من انفصام في الشخصيه وهذا ملاحظ لمن يعايشه عن قرب
    فلا غرابه اذا صدر منه مثل هذه الاقوال او الكتابات خاصه ان اكثر المقربين منه يعتقدون انه
    قد تشيع ويخفي ذلك. تقيه

  9. عزيز حسين says:

    لا يستغرب من الروافض ومن وافقهم أي شيء
    فليس أكبر من تعديهم على الذات الآلهية وتكذيبهم للقرآن الكريم وسب صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام

اترك رداً على خليل 8 إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *