الفيلسوف العلماني الذي صفّق للدولة الدينية

[SIZE=5]في حوار ضمني مع أحد الكتاب الليبراليين طرح زميلي الليبرالي محاور يبدو للقارئ العفوي أنها جزء من حوار عفوي، لكنها في النهاية كانت تصب في ثلاثة محاور مهمة، هي:
أولاً: تمجيده لشخصيات المفكرين والمثقفين الغربيين.
ثانياً: دعوته لي إلى أن أكون منفتحاً ولا منغلقاً في الثقافة القديمة.
ثالثاًً: تجميل الليبرالية ولو باعتبار النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليبرالياً!
وهكذا كل ليبراليّ مسلم: لا يمكنه أن يتعامل في المقارنة بين رموز الغرب ورموز الإسلام إلا كما كان يتعامل المغولي المسلم حين يقارن بين جنكيز خان ومحمد صلى الله عليه وسلم، فلا يستطيع إلا أن يقول: كلاهما رجل عظيم، أو كلاهما يصبان في معين واحد، وكأنه يتكلم عن نبيّ ونبيّ، لا عن نبيّ ومشرك.

ما علينا، ولنعد إلى محاور الحوار:
المحور الأول الذي خاضه معي الكاتب الليبرالي هو أنه اعترض على وصفي لميشيل فوكو بأنه أحد المؤسسين لضياع المعنى وتسبب في تضليل كثير من متثاقفي العرب تحت شعار القطيعة المعرفية.
وقال لي هذا الزميل: في ظل ما يشار إليه بكونك "لست أكاديمياً" بل ممن صنع ثقافته، وكما وصفتها، "السلفية"، أليس من التجني قذف الباحثين في "القطيعة المعرفية" وما تستند إليه من تاريخ طويل من تداخل مراحل العلم مع الفلسفة حيث يستند كل جيل من الفلاسفة على أحدث الثورات العلمية لإحداث القطيعة الفلسفية/ المعرفية؟

وتابع هذا المحاور:
القطيعة المعرفية ليست ميشيل فوكو وميشيل فوكو ليس إلا حلقة في سلسلة من البحث الفلسفي الإجتماعي العلمي الذي أظننا نفتقده ولا نحترمه ويخيفنا أن نرى من يمارسه حول تراثنا المثقل بالمهم والصحيح والتافه المكذوب.
بعد ذلك انتقل محاوري إلى المحور الثاني وقال:
كيف لك أن تحكم على الخارج "التاريخ الفلسفي العلمي" وأنت ضمن معركة دفاع وصد وحرب على من تعدهم يهاجمون السلفية التي كما وصفتها "لا تقبل الحق من أحد"؟
الحال كما هو يا عبدالواحد. نحن هنا في دوائر مغلقة من الحوار العربي/عربي، إسلامي/ إسلامي، وننتظر أن نتزحزح مما نحن فيه دون أن تهتز قناعاتنا أو تتغير، ولو قليلاً!
أعتقد أنك من المنصفين ولست ممن يحمل فكراً جامداً، ولا أنصحك يا عبدالواحد فلست مؤهلاً لذلك، لكنني أتمنى أن تتيح لنفسك فرصة الخروج من دائرتنا المغلقة.

أتحدى، كما قلت من قبل، أن يأتيني أحد بثورة أكثر ليبرالية من ثورة النبي العربي محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم والتي غيرت كل المفاهيم والأطر والثوابت الذهنية القديمة وأسست الفكر العربي الإسلامي. أين هي الآن يا ترى؟ وماذا صنعنا بها؟
انتهت محاور زميلي الكاتب الليبرالي إلى هنا، وقد تضمنت الأركان الثلاثة لكل حوار ليبرالي إسلامي يتسم بالمودّة: أن يبيّن لك الليبرالي عظمة الثقافة الليبرالية، أن يدعوك إلى التفتح، وأن يخبرك بأن الليبرالية هي الإسلام وأن هذه الثوابت التي تتمسك أنت بها وتتعصب لها ليست هي الإسلام.

فماذا كانت الإجابة؟ بل كيف يمكن لك أيها القارئ أن تتعامل مع محاور ليبرالي ودود بهذه الصورة، لا فرق بينه وبين أيّ مبشّر مسيحي يدعوك إلى المسيح ويقول لك إنه لا فرق بينه وبين محمد، ولذا فعليك أن تكون مسيحياً! كيف يمكن لك أن تتحاور مع شخص كهذا وأن تفند ما يقوله دون أن يجد ذريعة يستعين بها ضدك حين تردّ عليه، فالليبرالي عند محاورته الإسلامي، لا يفرح بشيء قدر فرحه بواحد من ثلاثة أمور: أن يظهر منك جهلك، أو أن يظهر منك التعصب، أو أن يظهر منك عدم امتلاكك لأخلاق الحوار، وهذا يهمه أكثر مما يهمه أن يظهر أيكما يمتلك الحق!
المهم أن ردي على هذا الزميل كان هو الآخر في محاور ثلاثة، يستطيع القارئ أن يستشف منها تقنيتي المتواضعة في التعامل مع هذا النوع من الحوار.

المحور الأول:
بصراحة لا أدري على ماذا أرد من حديثك، هل أرد على قولك إن ميشيل فوكو ليس هو القطيعة المعرفية؟ طبعاً ميشيل فوكو ليس هو القطيعة المعرفية ولكنه انقطع معرفيا عما وعمن سبقه، ولكنه لم يحرر لنا مفهوم المصدر المعرفي عنده، فإذا كان مصدره المعرفي هو ذاته فهذه مكابرة، وإن لم يكن مصدره ذاته فقد انعدمت القطيعة المعرفية.

كما أنه عندما يطالبنا بالقطيعة المعرفية فهو يطالبنا بأن نقاطعه معرفيا فأن نقاطعه معرفيا، يعني أن نقاطع نظريته في "القطيعة المعرفية" نفسها، ونعتمد أسلوبا مغايرا لها، ومقاطعته معرفيا تعني أن نستأنف التواصل المعرفي، وإلا فسيكون طلبه تصورا لنهاية التاريخ الفلسفي عند نظريته، والاستمرار في القطيعة المعرفية أيضا يدخلنا في الدور المنطقي، وهكذا… فنظرية القطيعة لا تصمد من وجهة نظري أمام ترتيبات المنطقي العادي.
فهل أتحدث عن هذا أم أتحدث عما ذهبت إليه من قولك إنني "قذفت" الباحثين في القطيعة المعرفية؟ فأنا لم أقل بذلك، أنا أقول إنه شجع كثيرا من المتثاقفين على القطيعة المعرفية والثقافية أيضا، بمعنى قطعهم عن الماضي، ليس من حيث التفلسف فقط، وإنما من حيث الاطلاع، وأنت تعرف أن الاطلاع أساس من أسس القطيعة المعرفية، وإلا لكانت قطيعة جهلية، فكم ممن تصدوا للتراث من المتثاقفين تحت نظرية النسق وتأريخية النص وغيرها، كم من هؤلاء اطلعوا على الثقافة الإسلامية والعربية وعلموها علما حقيقيا وفهموا خطابها فهما مقاصديا واعيا قبل أن يقاطعوها معرفيا؟
أما مسألة الجدال والحجاج والاحتراب الثقافي فهذا تابع للطبع الإنساني نفسه، وأظن أنك تعلم أن فوكو وجه إلى أحدهم لكمة لأنه تداخل معه في محاضرة، وأن فوكو كان يتلاسن ويتبادل التهم مع خصومه، وهذا تابع للطابع الإنساني ولا يندرج تحت النقد الفلسفي، لأننا لو أدرجنا السلوكي الإنساني أو الأخلاقي واعتبرناه قيمة في محاكمة الفلسفي، فأول من سيسقط هو فوكو ، وذلك لأنه كان: شاذا، مدمنا للمخدرات، وكان يزرع المخدرات في مزرعته، ومات بالإيدز، وكان يعتدي بالضرب أحيانا على من يعارضونه فكريا، حتى إنه أوسع أحد علماء النفس ضربا لأنه كتب عن شخصية روائية تشبه فوكو! إلى غير ذلك من نزواته التي تدلل على اختلال سلوكي، لو استخدمناه دليلا على بطلان الفلسفي، لكان أسهل طريق لإبطال العقل الفوكي.

خذ مثالاً: كما أن الليبراليين كلهم يصيحون بمن يسمونهم "المطاوعة" بأنهم مهووسون جنسيا ففوكو كان مهووساً بالجنس أيضاً، بل إنه كان يعتبر أحادية الجنس نوعا من أنواع الحيوانية. وكان يحتج بالدين على فتح المجال للجنس، في رؤية للتوحيد بين الإباحية والدين، بدلا من اعتبارهما ضدين.
[URL=https://twitter.com/#!/almuthaqafaljad]
[/URL]وكلنا نعلم أن فوكو كان "سلفياً" بصورة ما! فقد كان داعماً للثورة الإيرانية أيضا، بوصفها صورة مشرقة وبهيجة لتخلص الثوري الديني من الملكي اللاديني، وصفق للملالي وأصحاب العمائم قائلاً: دولة الدين تعارض الظلم. وهو هنا يؤيد واقعيا وسياسيا التواصل مع التاريخي الديني وإن كان لا يعتنقه كفلسفة.

المحور الثاني:
ويا أخي الكريم لست مع الانغلاق، أصلا الإنسان كائن لا يمكن انغلاقه، هو مؤثر ومتأثر في الوقت نفسه بالقوة أو بالفعل، وكلامك عن النبي محمد عليه السلام ونشر مبادئ الحرية والعدالة والحوار وغيرها هي مشكلة التاريخ نفسه، وليست مشكلة الدين فقط. أهم ما هنالك أن نحاول أن نحكم أنفسنا بما هو عدل في فطرتنا البشرية، بما هو عقل في ذواتنا، وأن لا نكره الشيء لأنه قديم، وأن لا نعتبر أنفسنا محاكمين للتاريخ، لأن الظلم في محاكمة التاريخ لا يقل وحشية عن الظلم الحاصل من بعض التاريخيين في محاكمة الحاضر.

المحور الثالث:
وأما حديثك عن ليبرالية محمد عليه الصلاة والسلام فأنا يا صديقي أتفق معك في جانب، وفي جانب آخر لا أتفق معك، فمحمد لم يأت بإلغاء الثوابت القديمة، ولكنه جاء بإلغاء الطوارئ التي طرأت على الحنيفية الإبراهيمية، وألغى ما كان يعده المشركون ثوابت، من شرك وعبادة للأصنام وربا وشريعة الغاب وغير ذلك، وتلك الثورة لا تحتاج إلى ثورة لإلغاء ثوابتها من التوحيد وعبادة الله، واتفاقك معي في هذا المبدأ هو أول عائق أمامك لتقبلك الثقافة الغربية المعاصرة التي ترمي كل ما هو قديم بما فيه عبادة الله في سلة النفايات، وصدقني: ليست المشكلة أنك تتقبل الفلسفة بعقيدتك، المشكلة أنها هي التي لا تتقبلك بعقيدتك.

وقبل الختام يا زميل:
لقد نسبت إلي أنني قلت إن السلفية "لا تقبل الحق من أحد؟" وأنا لم أقل لذلك، فلماذا تقولني ما لا أقوله وترد علي بناء على ما قوّلتني؟
كما أنك وصفت الفلسفة بأنها تعنى بالصحيح والمهم والتافه والمكذوب! فأنا لا أدري، هل تقصد الصحيح الإخباري؟ أم الصحيح الإنشائي؟
لأن الصحيح الإخباري لم تعن به الفلسفة، وإنما عنيت به علوم التجربة كالفلك والفيزياء، وعلوم الحفريات وعلوم التدقيق في الوثائق والتدقيق في التاريخ وغيرها، ومن أنفس تلك العلوم التي دققت في الصحيح والمكذوب الإخباري علم الحديث.
أما الصحيح الإنشائي أو التنظيري، فهذا مجهود العقل البشري بعامة، من خلال اعتماد طرائق يتفق عليها العقلاء في التصحيح، وليس من خلال التحليل المبني على الاستشهاد الانتقائي كما هي طريقة ميشيل فوكو وأضرابه.
انتهى الحوار.
وأتمنى أن تكونوا استفدتم شيئاً أعزائي القراء.

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=262]
[/URL]

[/SIZE]

التعليقات

لا يوجد تعليقات. كن أول المعلقين!
  1. طالب علم says:

    ليسمح لي الكاتب أن أتداخل معه

    ليس ما نعاني منه التبعية للغرب، فهذه مرحلة يمكن أن تنتهي.

    بل نحن نعاني كما ذكرت الانهزامية المذهبية: فعندما يجيء أحدهم ويريد أن يوقع نقائص الدنيا كلها على بلده ومجتمعه ومذهبه، ويريد أن يفرغ كل المذاهب الأخرى من هذه النقائص، بل ويتحد معها ضد مذهبه، هو يحول مذهبه إلى "مذهب مطارد"، وهو ينادي إلى "محرقة نظرية وتطبيقية جماعية" لهذا المذهب، فتجده يناصر المرجئة والقدرية على حد سواء، مع أنهما متناقضان في الفلسفة، لأجل أن يحارب النظرية الفكرية الأثرية. وتجده يناصر الإلحاد والقبورية معا، مع أن الإلحاد إنكار لما وراء الطبيعة، والقبورية إثبات لوجود مدن تتصرف في الكون تحت الأرض، ولكنه يناصر هذين النقيضين فكريا وأدبيا، ويعادي المذهب الذي يشيع في بلده، وهذه حال غريبة ومرضية جدا، انهزامية حاقدة على الذات أيضا… وهي: اعتناق النقائض لأجل محاربة مذهبي.

  2. خالد العامر says:

    الإيرانيون متفرغون لصناعة السلاح النووي وسيصنعونه بتواطؤ مع الغرب ونحن ما زلنا نتخاصم على روعة الغرب وعظمة الإسلام

    الى متى نخوض في جدل بيزنطي وعدونا يحفر من تحت الأسوار؟

    كلنا نعرف قيمة الإسلام وعظمته وأننا رجعنا عنه حتى ذلك الليبرالي يعرفه لكن متى ننفض عن أنفسنا الغبار وننطلق إلى النهضة الصناعية والاقتصادية والعسكرية

    نحن في عالم مادي محموم لا يهمه إن كنت على الحق أم على الباطل

    ولا يهمه دينك ولا مذهبك

    يهمه كم يستطيع أن يمتص منك

    وهل تستطيع أن توقفه عند حده ام لا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *