قبل ٨٥ عاماً : شكيب أرسلان يبرئ المملكة من التقصير في خدمة الحجاج

..

موقع المثقف الجديد

في الوقت الذي تتعرض فيه المملكة العربية السعودية لاتهامات جائرة بالتقصير في سلامة الحجاج، بسبب وفاة بعضهم -رحمهم الله- في ظروف خارجة عن السيطرة، وتتهمها بذلك دول أسهمت استخبارات بعضها في تدبير تفجيرات مكة 1409، وجريمة “نفق المعيصم” عام 1410هـ، نتج عنهما مقتل مئات الحجاج (عمداً).

وفي الوقت الذي تعجز فيه أوروبا عن حماية عشرات آلاف اللاجئين من الغرق على سواحلها، ثم إعادتهم إلى بلادهم إذا شاءت ذلك.
وفي الوقت الذي نقرأ فيه من كتب التاريخ أنّ الحاجّ لم يكن يأمن على نفسه من القتل على مدى أكثر من ألف عام، منذ أزمنة القرامطة في بداية القرن الرابع الهجري، حتى قيام الدولة السعودية.

وفي الوقت الذي تدرك فيه الدول الحاضرة بعثاتها في الحجّ، أنه لو كُلّفت سفارة أو قنصلية كل دولة، في الحج، بتفويج حجاجها، والإشراف عليهم خطوة بخطوة، فلربما حصل بسبب بذلك من الوفيات ما يعلمه القاصي قبل الداني، إذ إن “أهل مكة أدرى بشعابها”.

وفي الوقت الذي يعلم فيه أهل العصر أن المملكة العربية السعودية احتضنت الشعب الكويتي إبان الغزو العراقي، ومئات الألوف من السوريين بعد ذلك، وأكثر من مليوني يمني الآن، وهي تخوض أثناء كتابة هذه السطور حربين مريرتين في الوقت نفسه، مع الحوثيين جنوباً، ومع شراذم داعش وأزلامها شمالاً، وتعاني أزمة هبوط أسعار النفط، وتعيش مرحلة إعادة بناء بنيتها التحتية في عاصمتها والمدن الرئيسية، وتشرف على توسعة الحرم المكي والمشاعر المقدسة، وكل ذلك جارٍ على قدم وساق، ومع ذلك فهي تستقبل في هذه المشاعر التي تجري توسعتها وإدارة رحى المشاريع الجديدة فيها، تستقبل ما يزيد على ثلاثة ملايين حاج في جملتهم من الداخل ومن الخارج، ومن الحجاج الركابُ على الحافلات والقطارات والسيارات والمشاةُ، وتسقي الظمآن منهم، وتسعف المريض منهم، وتطعمهم ضد الأمراض المعدية، وتداري مشكلة افتراش مئات الألوف منهم هذه الأراضي المقدسة، وتشرف على تفويجهم لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة، وكل ذلك تفعله بصمت تام، ومن غير استعراض مستكبر، ولا ضجيج متبجح.

في هذا الوقت، أود أن أعود بالقارئ المتفحص إلى بعض الكتابات المحايدة، التي لا تنتمي إلى الصحافة الرسمية، ولا إلى كتاب الوقت الحالي، فضلاً عن أن تكون من كتابة المُوالين أو المُداهنين (زعموا)، لعلنا نطّلع بهذه العودة، بعض الاطّلاع، على إرهاصات بدء المملكة في إنهاء مشكلة أمن الحجاج، التي استمرت نحو ألف عام، وكان من شبه المحال عند العرب أو غيرهم، أو حتى في مخيّلتهم، أن يستطيع أحد إنهاءها، بل إن رجال الغرب ومثقفيه (كما سيأتي) كانوا يعيرون المسلمين بأن دينهم فاشل، لأنه (بزعمهم) لو كان ديناً صحيحاً لما عجز المسلمون عن تحقيق الأمان للحجاج الوافدين إلى مشاعره المقدسة.

قبل 85 عاماً، أي في عام 1930 كتب المؤرخ اللبناني، أمير البيان، شكيب أرسلان، مقالة، بعنوان “لماذا تأخر المسلمون، ولماذا تقدم غيرهم”؟ بعث بها إلى مجلة المنار، التي كان يصدرها محمد رشيد رضا، جواباً على سؤال أرسله إليه تلميذه، إمام مهراجا جزيرة سمبس برنيو (جاوه) الشيخ محمد بسيوني عمران، سائلاً فيه شكيب أرسلان أن يكتب مقالة يذكر فيها أسباب ضعف المسملين وتقدم الفرنج واليابان.

فكان من الجواب توضيح أسباب ضعف المسلمين وتقدم غيرهم، وكان من الأمثلة على الحلول وأساليب تجاوز هذا التخلف التي اقترحها شكيب أرسلان ما صنعته المملكة في شأن الحجيج والحجاج.

وشكيب أرسلان (المتوفى 1946)، ذلك الأمير الجبلي، الذي طاف العالم وشرق وغرب، وأتقن لغات عدة، وعاش في أوروبا سنين طوالاً، وقارع السياسيين والمفكرين والمستشرقين الغربيين، وانتقد حكام العرب والمسلمين في ضعفهم وتقصيرهم، ذلك الرجل لم يكن من رجال الدولة السعودية الثالثة، ولا ممن يتلقون فيها رواتب، ولا من أولئك الذين كانوا يداهنون في البوح برأيهم، يعلم ذلك أدنى من قرأ له حرفين، فكيف بمن هو فوق ذلك، فلا مدعاة إذن للإطالة في هذا المعنى، ولنتجه إلى كلام شكيب مباشرة.

يقول شكيب أرسلان في مقالته:
“توالت على بلاد الإسلام المقدسة قرون وأحقاب كانت فيها أشد البلاد افتقاراً إلى الإصلاح، واقربها إلى الفوضى، وأقلها أمنة سبل وراحة سكان، وأكثرها عيثاً وفساداً، وكانت هذه الحالة فظيعة جداً مخجلة لكل مسلم، مرمضة لكل مؤمن، حجة ناصعة للأجانب على المسلمين الذين لا يقدرون أن ينكروا ما في الحجاز من اختلال السبل، واضطراب الحبل، مع كونه هو مهد الإسلام، ومركز الحجيج العام في كل عام إلى بيت الله الحرام والمشاعر العظام، ومهوى قلوب يتأجج بها الغرام…”.

“كان الأجانب يستظهرون بهذه الحالة على دعوى أن الإسلام لا يلتئم مع العمران، وأنه هو والفوضى توأمان، وأنه لو كان ديناً عمرانياً لما تكوّنت هذه الحالة السيئة في مركزه، ولما عجز عن إقامة العدل والأمن في مأرزه”.

“بقيت مع الأسف أحوال الحجاز غير مستوية، وأعراب البادية يسطون على الحجاج، وليس لداء معرتهم علاج، وكانت كلّ من الدولة العثمانية والدولة المصرية ترسل طوابير من الجند النظامي مصحوبة بالمدافع وسائر آلات القتال لأجل خفارة قوافل الحج، وتؤدي إلى زعماء القبائل الرواتب الوافرة، وكل هذا لم يكن يمنع الأعراب ومن لا يخاف الله من الدعّار من تخطّف الحجاج في كل فرصة تلوح لهم”.

(آمل من القارئ أن يقرأ المقاطع الثلاثة الماضية، وينظر بعين الشفقة إلى بعض المطالبات بمشاركة بعض الدول في الإشراف على الحج، وقد كانت تشرف عليه من قبل، فما استطاعت أن تصنع شيئاً، فماذا هي صانعة الآن يا ترى لولا ما تقدمه المملكة العربية السعودية وتضطلع به على كاهلها)؟

ويتابع أرسلان:
“وكثيراً ما كانت قافلة الحج تضطر إلى الرجوع وقد فاتها الحج أو الزيارة، بعد أن قصدوا ذلك من مكان سحيق، وتكلفوا بذل الأموال وتجشموا مشاق الأسفار في البر والبحر، فكانوا يذوبون من الشوق على ما فاتهم، ويتحرقون من الوجد، ويبكون بصيّب الدمع، والناس بأجمعهم يحوقلون ويقولون: (ليسَ لها من دونِ الله كاشفة) ذاهبين إلى أن سطو الأعراب هؤلاء داء عضال لا تنفع فيه حيلة ولا وسيلة، وقد عمّت بهم البلوى، وإلى الله المشتكى”.
(فلينظر القارئ إلى المقطع السابق، ثم ليتابع، كيف كشف الله هذه المصيبة التي استمرت ألف عام، واعترف القاصي والداني بأنه ليس لها من دون الله كاشفة).

ويكمل أرسلان:
“وهكذا توالت القرون والحقب والناس على هذا الاعتقاد لا يتزحزحون عنه، إلى أن آل أمر الحجاز إلى الملك عبدالعزيز بن سعود، منذ بضع عشرة سنة، فلم تمض سنة واحدة حتى انقلب الحجاز من مسبعة تزأر فيها الضواري في كل يوم، بل في كل ساعة، إلى مهد أمان وقرارة اطمئنان، ينام فيها الأنام بملء الأجفان، ولا يخشون سطوةَ عادٍ، ولا غارةَ حاضر ولا بادٍ، وكأن أولئك الأعراب الذين روّعوا الحجيج مدة قرون وأحقاب لم يكونوا في الدنيا، وكأن هاتيك الذئاب الطُلس تحولت إلى حملان، فلا نهب ولا سلب، ولا قتل ولا ضرب، ولو شاءت الفتاة البكر الآن أن تذهب من مكة إلى المدينة، أو من المدينة إلى مكة، أو إلى أية جهة من المملكة السعودية، وهي حاملة الذهب والألماس والياقوت والزمرّد، ما تجرّأ أحد أن يسألها”.

ويضيف متحدثاً عن أجواء الأمن والاستقرار في المملكة:
“ما من يوم إلا وتُحمل فيه إلى دوائر الشرطة لُقط متعددة، ويؤتى بضوالّ فقدها أصحابها في الطرق، وأكثر من يأتي بها الأعراب أنفسهم، خدمةً للأمن العام، وإبعاداً للشبهة عنهم وعن ذويهم، فسبحان محوّل الأحوال ومقلب القلوب، ووالله لا يوجد في هذا العصر أمن يفوق أمن الحجاز، لا في الشرق ولا في الغرب، ولا في أوروبا ولا في أمريكا، وقد تمنى المستر كراين الأمريكي صديق العرب الشهير في إحدى خطبه أن يكون في وطنه أمريكا الأمن الذي رآه…”.

ويكمل:
“وكل من سكن أوروبة (أوروبا) وعرف الحجاز في هذه الأيام يحكم بأن الأمَنة على الأرواح والاعراض والأموال في البقاع المقدسة هي أكمل وأشمل، وأوثق أوتاداً وأشد أطناباً منها في الممالك الأوروبية والأمريكية، فأين أولئك الذين كانوا يقولون إن الأعراب لا يقدر على ضبطها إنسان، وإن سكان الفيافي هم غير سائر البلدان؟ فها هو ذا ابن سعود قد ضبطها بأجمعها في مملكته الواسعة، ومحا أثر الغارات والثارات بين القبائل، وأصبح كل إنسان يقدر أن يجوب الصحاري وهو أعزل، ويدخل أرض كل قبيلة دون أن يعترضه معترض، أو يسأله سائل إلى أين هو غاد أو رائح، ولو قيل لبشر إن بلاداً كان ذلك شأنها من الفزع والهول وسفك الدماء وقطع الطرق، قد مرَدَ أهلها على هذا البغي وهذا العدوان من سالف الأزمان، وأنه يليها ابن سعود فلا تمضي على ولايته لها سنة واحدة حتى يطهرها تطهيراً ويملأها أمناً وطمأنينة، لظنَّ السامع أنه يسمع أحلاماً أو خرافات، أو اتّهم القائل في صحة عقله”.

ثم يقول أرسلان:
“ولكن هذا قد صار حقيقة كلية، وقضية واقعية، في وقت قصير، وما أوجده إلا همة عالية، وعزمة صادقة، وإيمان بالله وثقة بالنفس، وعلمٌ بأن الله تعالى مؤيدٌ من أيّدَه، ناصرٌ من نصرَه، يحث على العمل، ويكافئ العامل، ويكره اليأس، ويقول لعباده: (ومن يقنطُ من رحمةِ ربه إلا الضالون)”.

ويضيف:
“وقد سرت بشرى الأمان الذي شمل البلاد المقدسة الحجازية، فعمّت أقطار الإسلام، وأثلجت صدور أبنائه، وارتفعت عن الحجاز تلك المعرّة التي طالما وجم لها المسلمون، وذلك بقوة إرادة الملك عبدالعزيز بن سعود والتزامه حدود الشرع”.

التعليقات

لا يوجد تعليقات. كن أول المعلقين!
  1. قصيمية says:

    من أسس هذه البلاد لهم أياد بيضاء على الأمة الإسلامية قاطبة فقد جددوا الدين وحاربوا البدع وأسسوا لدولة التوحيد التي نشرت المنهج الحق في كافة أرجاء العالم ..وهناك الكثيرون ممن أشادوا بتجربة الدولة السعودية المشرقه ولم يسيء لها إلا المغرضون الحاقدون

  2. حسام السيد says:

    الثقافة العربية اليوم بحاجة ماسة لأمثال هذا الرجل الشريف الذي سطر شهادة حق في المسلمين وفي قيادة المملكة عند تأسيسها ..التاريخ لا ينسى النماذج المشرقة التي تقول وتفعل الحق. لأجل الامة جمعاء

  3. مشاري العليان says:

    رحمه الله كان من اشراف قومه في لبنان ..من منا ينسى كتابه القيم الذي انصف فيه أهل السنة والجماعة عبر التاريخ والذي شرح فيه أسباب تراجعهم وما سببه هذا من خسائر فادحة على العالم

  4. محمود says:

    منذ أيام الجاهلية و أهل الحجاز يتنافسون على خدمة البيت العتيق فلا غرابة في ذلك لكن التكالب على أهل الأسلام هو سبب ما يجري اليوم

  5. برقاوي says:

    المملكة ما قصرت لكن كلاب إيران هي التي تنبح …الحوادث تحدث في كل مكان في العالم لكن في السعودية العالم بتكاليف عليها لتشويه أقدس شعائر الاسلام

  6. أبوزبيرالأنصاري says:

    بينت وأفيت ووضحت يا أخي عبدالواحد فتلك حقائق لايجحدها إلاجاحد لخالقه جل جلاله فتكفي مقدمتك لمن له أدني فهم وإدراك فما تقوم به السعودية من هذه الجهود يفوق التصور وأسميه معجزة العصر فمن يستغل هذه الأقدار من الله تعالى يعتبر مفلسا. فلاوجه للرد عليه لأنه فاقد لأدوات الإدراك والإختيار فماذا يجدي مخاطبة ميت البصروالبصيرة .فحفظ الله بلاد الحرمين وحراسهما وأدام الله تمكين آل سعود في رعايتهما كابر عن كابر. فالعزوالتمكين لخادم البيتين إمام المسلمين الملك سلمان ورجاله الأوفياء إلى آخر حفيد لهم.

  7. أبو أسعد says:

    [SIZE=5][B]سرد رائع في تسلسل متوافق للأحداث
    نحن أهل السنة نشهد أيضا بما شهد به أرسلان ووقائع الحج في العصر الحديث توثق أحيانا الصوت والصورة .
    ولا شك أن شهادة ملايين من أهل السنة مقدمة على الأكذوبة الصفوية
    ((اللهم إنا ندفعك بك في نحورهم ونعوذبك من شرورهم))[/B][/SIZE]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *