اعترافات معلم ….. الحلقة الرابعة

[CENTER][SIZE=7]النحويّ المغرور[/SIZE][/CENTER]

[COLOR=#FF4500]موقع المثقف الجديد ? محمد الهويمل:[/COLOR]
[SIZE=5]
الغرور هو أن تحتفل داخلياً باختلافك عن نظرائك احتفالاً يستند إلى معلومة أنك تملك ما لا يملكه آخرون , علماً أو جمالاً أو ثراءً… أما الجمال فهو قدريّ , لا يد للإنسان فيه , وعندها يحتفل الجميل بقدره لا بقدرته , وهو عرضة للزوال مع شيخوخة أو تشوه طارئ, أما الثراء فهو جهد ودأب يعوزه التوفيق . ويحتفل الثري بقدره وقدرته , أما العالم فهو صاحب الجهد الأشق , يكدّ ويفعّل شتى مستويات الذهن عميقها وسطحيها في سبيل إدراك الجليل والدقيق من المعرفة , وهو أكثر الثلاثة إدراكاً لتميزه الممزوج بغرور أو تواضع , والغرور لا يقلل من العلم , والتواضع لا يزيده.

الجميل يحمل كنزه في وجهه , والثري في جيبه , والعالِم في رأسه , وكلٌّ منهم نال حظّه الوفير بالتوفيق والكد , وانتهوا إلى وعي طبيعي بذواتهم , وتفوقهم في مجالات يتنافس المتنافسون لبلوغها , ويبذلون المال والوقت والأعصاب , ليكونوا أكثر جذباً بين اللّدات و الأقران.

الطموح طلب سيادة في مجال التنافس , والغرور شعور ببلوغها . ولا يتجلى ذلك إلا في إحساس حقيقي , يستبد بمنظومة الشعور , سواء كان واقعياً أم موهوماً , فكلاهما صحيح حسب يقين المغرور , ويبلغ درجة الإدراك الكامل بالتفوق الذي يصعد إلى درجة الغرور , بوصفها رتبة وموقعاً هرمياً , أكثر منها كِبْراً وغطرسة.

عقدة النقص تستحيل إلى عقدة كمال في لحظة دفاع أمام مهاجم ناعم وخشن , فتصادف القبيح والجاهل والفقير الذين يتملكهم الغرور , ربما لشعورهم أنهم يملكون ما لا يملكه الناس في ظواهرهم , أو أن غرورهم انتفاضة ضد الآخر الكامل الذي يعيّر الناقص دونما أدنى إشارة أو إيحاء. وقد زخر المعجم العربي بمرادفات للغرور كالكبر والغطرسة والترفع والزهو.. لما لها من حضور في الأخلاق والسلوك , وما تثيره من جدل , يمس علم النفس الإنساني , ولمهارتها في تبادل الأدوار فيما بينها , بحسب السياق وسلطته على اللغة.

التراث يورطنا بالغرور
عندما نعرّف المجد العربي, فلا مناص من الاستدارة إلى الوراء , حيث السيادة الحقيقية لا المتوهمة , وحيث جبروت السلطة والعلم واللغة . واقتران اللغة بالمجد ألّف ثنائيةً عصيةّ على الفكاك إلا بموت الذَكَر , لتبقى الأنثى أرملة.
وبقي النحو مغترباً , وللاغتراب تجلّيان: اختلاف الدونية , أو اختلاف الاستثناء الذي قد يفضي إلى اختلاف استعلاء , تبعاً لحركية العُقَد التي تستبد بكل أحد , كفعل أو ردّ فعل , ويصير ردّ الفعل فعلاً طبيعياً , حسب رسوخه في الوعي , وتمكنه جزءاً من الفطرة الصحيحة أو المشوهة.

معلم اللغة العربية كائن ارتبط وجوده وبقاؤه بالقاعدة النحوية المستطيلة التي تتبوأ مقدمة رأسه.
والغربة معادلة تمضي في اتجاه: قاعدة نحوية تحتاج نشاطاً عقلياً , لا ليقارب بين طالب ومعلومة , بل بين عصر وعصر ومجد ولا مجد , لتنتهي إلى أن المهتم يتكلف الانسجام مع عصر المجد , والمستهتر بالقاعدة مستهتر بهذه المقاربة من أصلها , لأنها تنطوي على شرط جمعي في زمن الفردية.

قصارى القول أن معلم العربية يختلف عن غيره في مضاعفة مهمته تجاه إرادة الطلاب , لا عقولهم فقط , ليبرز تناسب طردي مشروط بين استشعار المسؤولية التاريخية والإقبال على فهم القاعدة النحوية , لتمجيدها والاحتماء بها لتدفع الغربة , فإذا بها تعمقها وتوغل بصاحبها في اختلاف استعلائي , يخلّف غروراً , يفتعل ضدية العلم والجهل على نحو غير واع , يبعث بتداعيات سالبة على المعلم والقاعدة والطالب والأمة.

المواد الاخرى أقل تمحوراً حول مجد الأمة والفردوس المفقود , حتى مواد الشريعة , تخاطب الطالب بوصفه فرداً , يستفتي لينتفع ويستقيم في الشأن العبادي والحياتي , وكثيراً ما سأل السائل في أمر الدين بصيغة الضمير المتكلم , وأجيب عليه بصيغة المخاطب , مع الأخذ بالحسبان أن علوم الشريعة تعزز من هوية الأمة , و تخاطب الفرد واهتماماته وضرورياته التي لا يستغني عنها , فكانت أقرب للواقعية والعصرية , لأنها تتفاعل مع الفرد مباشرة , وتتمحور حوله.

اللغة العربية تُقدَّم للطالب لا لينتفع بها , إنما ليكون خادماً لها ولمجدها المفقود, وعندها تكون أشبه بالغائب المنتظر, وما يترتب على غيابه من عجز وتعاجز وعجائزية تصمها, فهي لا تقدم إلا ثقافة الانتظار , وترقب عودة التاريخ إلى الأمام , لتجلس وحدها منتظرةً , في حين تباشر بقية العلوم خدمة الفرد , الذي يباشر خدمة مجتمعه.

التمحور حول الفرد جانب مغيّب في تقديم الخدمة اللغوية , حيث لم يعد النحو علماً ولا خدمةً و لا خادماً ولا مخدوماً , وفقد تصنيفه الثقافي والحضاري , وبقي مادة مفروضة على الجدول المدرسي, يتجاور مع مواد أصعب وأسهل منه , لكنها أقرب إلى مصير الإنسان وضرورياته الفردية, ما جعله غريباً , وكأن تدريسه مجاملة للهوية , لتأتي اللغة الوسطى التي رفعت العامية وطامنت الفصحى, طارحةً مشروع المحكية الراقية الأقرب للتعبير الأدبي غير النحوي , عمقاً وتماسكاً وقوة في التعبير , دون الحاجة إلى النحو, وحدث عزل بين النحو وبقية فروع العربية , لأنه صار عبئاً عليها فنياً وإبداعياً وتقدمياً , فهي تعبّر عن جمال , وهو يعبر عن هوية ومجد مفقود وقاعدة مسخّرة لاسترداد الماضي الزاهر , فتحمّل النحو ما لا يطيق ليكون مثاراً للتندر والسخرية , لا مثاراً لسمو الإرادة.
أعترف..

أعترف أني لم أكن أعي هذه التناقضات , التي لاحت لي غايةً في التناغم يوماً ما , وكنت أحمل هذا العبء الجلل , ما كرّس الحس التراثي في شخصيتي , وجعلني أتمثل العصر المجيد بنحوه وسيفه وفتوحاته , لتستبد بي قشعريرة التاريخ وانتفاضة المعنى , حيث كنت أسوّق المفقود على حساب الموجود وساعة أمثّل الانتصار أمام المهزومين , فإني أستعلي على واقعهم أو قناعتهم بهذا الواقع , لا سيما أني أحسن ما لا يحسنون من قدرة ذهنية في كشف الفاعل والمفعول والضمائر المستترة , وهم في حالة ذهول ودهشة , كنت أحسبها دهشة من عبقريتي , فإذا هي دهشة من قدرتي على حل اللغز الذي تكلّفه الانفصام بين الحاضر والغائب والنحو ومحمولاته السيادية , حيث تؤدي القاعدة النحوية دور العرش المفقود أو الزنزانة, وكلاهما بمعزل عن الواقع والتأثير. وتنامى لدي ذوق نبهني إلى خلل انطويت عليه أمداً طويلاً , أو اعتمرته تاج ملك وقع في الأسر وفقد سلطانه , وتردّى إلى الصَّغار , وإن كان بعضنا لا يزالون يصفونهم بالملك على اعتبار ما كان , أما الصورة الفوتوغرافية الدقيقة , فلا تعكس هذه الرومانسيات المزيفة.

لماذا إذاً يستبطنني غرور ضارٍ , أستعلي به على الآخر, وأنا أقرّ أنه أعلى مني, وكأني ضيف في عصره؟ إلا أني لا أجيد ما لا يجيده آخرون . وهل إتقان الصنعة مدعاة للتفوق على النوع الإنساني ؟ إذاً لماذا لا نصنّف الفني الميكانيكي في الورشة بأنه متفوق وسامٍ ؟ ولماذا نقلل من قدر حرفته ونغضّ من شأنها , على رغم أنه محترف ومتخصص , ولا غنى لنا عنه , ونسلمه أغلى ما نملك (السيارة) , ثم نكافئه بمقابل باهظ , يرهق ميزانياتنا , وقد يثقلنا بدين لا قبل لنا به؟
الجواب : أن السيارة لم تتكسب بعد ميزتها العصرية الخاصة , و ما زالت مفعولاً به في معادلة الإنسان والتقنية , لأنها تصنع من الرخيص , وتمشي على الشارع الرخيص , ويتم إصلاحها في ورشة بالية , مزرية الحال, لذا كان الميكانيكي على هذه الدرجة من دونية المهنة , على رغم أنها ضرورة عصرية باتفاق البشر , فكيف بمهنة اختلف البشر في نفعيتها وعصريتها .

تكتسب النزعة صفة الغرور والفوقية , ساعة يشعر المرء بأنه يعلم ويعلّم الآخر ما لم يعلم . وهذا قد يكون واقعياً , إذا حدث خارج المدارس , في مجالس الحكمة والحنكة والرأي والتجربة , التي تروي تفاصيل ثريّة , أو من اطلع على كتب العلم وتحلّق المريدون حوله, ليعلموا , وليمثّل الجهل أمام العلم في تقابلية تعزز من احتمال الغرور في نفسه الضعيفة . ومهما كانت ضعيفة , فهي عالمة , إذ لا تناقض بين بلوغ الشأو في العلم وبلوغ الشأو في الغرور والدناءة.

تحيل صوتية مفردة (معلِّم) إلى اسم فاعل . و(العلم) هو مادة الفعل , وترادفها (مدرس) وهي كذلك اسم فاعل , وكلاهما اسم لمهنة , أما (أستاذ) فهو لقب علمي وتعليمي ارتجالي غير قياسي , ليس له مرجعية أكاديمية , وحضر لقب (أستاذ) في التعليم منادىً , إذ لا يوجد ما يملأ فراغ المنادى حين ينادي الطالب معلمه غير (يا أستاذ) فلم يكن منادى (معلم) أو (مدرس) ليفي بهذا المطلب اللغوي الملح ضرورةً للتواصل , فكانت (أستاذ) منقذاً تعبيرياً , ثم أخذت مداها في شتى الاستخدامات في غير المنادى , لتكون لقباً ووصفاً محدداً تشريفياً للمعلم , لم يصدر عن وزارة التعليم ولا ثقافة مجتمع , وإنما اندس اعتباطاً في لغة الخطاب المدرسي ضرورةً لا استحقاقاً. ووصف (طالب) أفقد هذا العضو قدراً من هويته الاجتماعية , فهو ينتمي مهنياً إلى حقل يدمجه تلقاءً إلى تراتيبية , تضعه في درجة أقل, على رغم أن (طالب) تُصّنف لغوياً اسم فاعل , إلا أنها مفعول به في سيكولوجيا التلقي السطحي , ترادفها (تلميذ) التي تقلل من وجاهة عضويته في مؤسسة التعليم , و يلازمه حتى تخرّجه من الثانوية.

المحصلة أن الألقاب المتداولة داخل القاموس المدرسي تغض من الهيئة الاجتماعية للمعلم والطالب , و يكتسبان قيمة أكبر خارج المدرسة أبناءً أو آباء , أو أطرافاً في صداقة أو جيرة , أو نشاط اجتماعي أو إبداعي.
الغرور يدفع للتسلط المادي أو المعنوي , وهو أحياناً مقاومة وردة فعل حادّة ضد بادرة انتقاص خفية أو معلنة , وقدرُ الطبقية داخل المؤسسة التعليمية كفيل بأن يحدد المعلم درجته الفوقية معنوياً , فهو سيد مطاع داخل حدود مدرسته, ويفقد هذه السيادة خارجها , إلا إذا احتفظ بواقعيته داخلاً وخارجاً , ولن يكون مغروراً إذا كان واقعياً.

ورغم أنني أتطبّع بالتواضع بوصفي معلماً وداعيةً , إلا أنني انفصامي في بعض تجليات شخصيتي , فأكون داعيةً متواضعاً ومعلماً مغروراً , أحتمل تراكمات التراث بكل استثناءاته الجليلة السامية في لغة وإعراب , وأجدني محقاً لحظة أَفرُز جمهرة الطلاب إلى همم رفيعة وواطئة, في انكسار يدفع إلى غربة تدفع إلى ترفّع , يتوسل النحو نمطاً لفهم الـ (أنا) التي تبحث عن حيزها المستحق داخل مجدها المستحق , عبر ضمة وفتحة وكسرة , وإعراب ظالم مظلوم.


[/SIZE]

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=585]
[/URL]

التعليقات

لا يوجد تعليقات. كن أول المعلقين!
  1. نضال علي says:

    الغرور آفة خطير ان أصابت الفني او الفقير او المثقف او الجاهل هي تقضي على شخصية الإنسان وتعدم اخلاقه

  2. نزار حامد says:

    الإسقاطه الأخيرة على النحو جميلة وتمس واقعنا المعاصر لو اسقطناها على عامة البشر وليس المعلم

  3. صالح الوعيل says:

    يجب علينا ان نترحم على ايام زمن سيادة اللغة العربية وتوفر عنصر المدرس المتخص بتدريس اللغة العربية حيث كان الابداع هو السائد عند خريجي كليات اللغة العربية ..اما اليوم فهم طلاب وظيفة لاجل الراتب وجلهم لايجيدون حتى الكتابة الصحيحة

  4. نضال علي says:

    الغرور آفة خطير ان أصابت الفني او الفقير او المثقف او الجاهل هي تقضي على شخصية الإنسان وتعدم اخلاقه

  5. نزار حامد says:

    الإسقاطه الأخيرة على النحو جميلة وتمس واقعنا المعاصر لو اسقطناها على عامة البشر وليس المعلم

  6. صالح الوعيل says:

    يجب علينا ان نترحم على ايام زمن سيادة اللغة العربية وتوفر عنصر المدرس المتخص بتدريس اللغة العربية حيث كان الابداع هو السائد عند خريجي كليات اللغة العربية ..اما اليوم فهم طلاب وظيفة لاجل الراتب وجلهم لايجيدون حتى الكتابة الصحيحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *