الحداثة تنكر المنكر

[COLOR=#212120][B][SIZE=4] [COLOR=#3C47A0]عادل أحمد الماجد
[/COLOR] بنية الإنسان التصحيحية هي أحد أهم معالم وجوده المميز في كون مليء بالحياة المتحركة والجامدة، وكثير منها يمتلك وسائل البقاء النوعي أكثر من الإنسان كالسموات والنجوم والكواكب والجبال والشجر، والحيوانات، ولكنها تفتقد لعنصر مداومة التصحيح وهي جزء من الأمانة التي حملها الإنسان لوحده ورفضتها أكبر المخلوقات إشفاقاً من حملها. والتصحيح في حياة الإنسان من المشتركات البشرية مثله مثل السعي لعمارة الأرض والتجمع للأمن وللقوة وللمؤانسة، فالتصحيح الفردي والجماعي عملية دائمة كأكلهم وشربهم تتم بطريقة مقصودة ولهدف واضح. وعبر التاريخ حاول المؤثرون في التجمعات البشرية كالحكام والحكماء وسدنة الأديان أن يتفاعلوا مع التصحيح بما يحقق مصالح البشر أحياناً وبما يحقق مصالحهم أحيانا أخرى لذلك سنت القوانين ووضع القضاء والشُرط. ولا يكاد نتاج الفكر الغربي منذ القرن الـ16 أن يخرج عن مصطلح "التصحيح" في خطابه العلمي والفلسفي وسن القوانين، والبنية المجتمعية التي قامت في الغرب كانت تعتمد في انجازاتها وتجدد تفوقها على ممارسة عملية التصحيح وفق آليات واضحة للوصول لهدف التصحيح بأنجع الوسائل ومحاولة الحد من التصحيح العشوائي الذي يعوق بناء المجتمع ويعطل مسيرته. والتصحيح قد يأتي بالقـول المنطوق أو المكتوب، وقد يتعداه إلى الفعل باختلاف صوره، التي تصل إلى القتل أو الحرب، تحت راية عنوانها" "التصحيح"، وإذا ضعف المصحح اتخذ موقفا صامتا يعبر عن رفضه للواقع رغم عجزه عن القول أو الفعل. أما الرسالات السماوية فهي مشاريع تصحيح جاءت من أجل تصحيح الإنسان في عبوديته وعلاقاته بالكون، ويتميز التصحيح الرسالي بأن مصدر إلهي من رب البشر وخالقهم،الذي له الخلق فيكون له الأمر، ويتميز بالشمول في الكون كله ويتميز بالعدل فكل زلل لا بد من تصحيحه مهما كان مصدره، ويرسل الله معصومين من البشر كي يكون التصحيح يقينيا على هدى لا على ظن ولا على هوى. وتختلف المصطلحات المعبرة عن التصحيح بحسب الزمان أو المكان أو الفكر الذي يحمل مشروع التصحيح، في حين يتوحد المصطلح الشرعي رغم اختلاف أزمنة وأمكنة النبوات بل واختلاف شرائعهم التفصيلية ليعبر عن التصحيح بمصطلح شرعي واضح الدلالة: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". ودلالة المصطلح هي العصمة في النص على تحديد المعروف وتحديد المنكر، وكذلك إثبات أن الخير أصيل في الإنسان والشر طارئ، لذلك سمي الخير معروفاً ويدل كذلك أن السعي للخير لابد أن يصحبه مقاومة الشر ليسعد الإنسان. لذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً عينياً على المكلف لا يسقط بحال، نعم يتدرج بين اليد واللسان والقلب،ويتم فيه مراعاة المصالح ودرء المفاسد والترجيح بينها، وكلها ترجح لأصل الأمر والنهي. والدولة الحديثة التي قامت على الأسس النظرية لمفكري القرن الـ16 وما بعده تأسست على مبدأ التصحيح الذي يثري الخير ويقاوم الشر وفقا لتعريفهم الحضاري للخير والشر، فالنظام الأمني والمجالس البرلمانية على اختلافها والجمعيات الحقوقية على تنوعها وحرية الإعلام واستقلالية القضاء، كلها جاءت لتأصيل مبدأ السعي للخير ومقاومة الشر، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بفلسفة إنسانية محضة، ومع المؤسسات الحكومية والرقابية ومؤسسات المجتمع المدني، ينشأ الفرد في الدول الغربية على الوعي بدوره تجاه التصحيح عبر المطالبات الحقوقية والمشاركة في التعبيرات السلمية عن موقفه من القضايا المحلية والدولية بالتظاهر أو الإضرابات، ويتمعّر وجهه عندما يرى سلوكاً يعتقد أنه يخالف القيم الحضارية وربما عجّل في تبليغ الجهات الرسمية والرقابية عن المخالف. حتى الحروب التي خاضتها الدول الغربية المعاصرة كانت ? في رؤيتهم – بسبب تغيير المنكر وتمكين المعروف، بل إن الحرب على الإرهاب والحروب التي تلتها كانت معلنة رسمياً بأنها حرب على محور الشر يقوم بها محور الخير، ودفعت أمريكا خلال التسعينات الماضية بالعولمة لتعزيز مبادئ الخير من الحرية والديمقراطية والشفافية وفتح الأسواق للمنافسة وحماية حقوق الملكية، ولكنها تراجعت عن هذا الاندفاع، لأنها رأت أن العولمة نشرت الشر، وكل هذا يعبر عن تعريفهم للخير والشر ونحن لا نقيمها هنا. ولعل الربيع العربي يمثل ذروة التعبير عن الإنكار، والسعي نحو المعروف عن طريق التعبير الجماعي للتغيير. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جزء من الحضارة الإنسانية بشقها البشري، ومناهجها الرسالية، وهي عنصر أساس في بنية الدولة الحديثة ولو تغيّر المصطلح بين الدول، فإنه لن يغدو جهازاً ناشزاً غريباً يمثل إحراجاً للدولة السعودية مثلاً، وأن الفرد يقوم بممارسة حضارية حين يعبر عن موقفه من الخطأ وتأييده للصواب مستثمراً الوسائل المتاحة للتعبير عن رأيه وموقفه. وهل تعيش التجمعات البشرية إلا بنقل التجارب بينها عن طريق التناصح الدائم. وما ممارسة النقد الذاتي ومصطلح رجع الصدى والإعلام الجديد التفاعلي إلا أمر بالمعروف وتناهٍ عن المنكر؟[/SIZE][/B][/COLOR]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *