قراءة جديدة لرسالة ابن باز إلى عوض القرني

[SIZE=5]التحليل الحديث لأي نص جديد أو قديم لا بد له أن يضيء زوايا معتمة في تلقي القارئ المتوقف والعابر على حدّ سواء, سيما إذا كان كاتب النص من المتفق عليه علماً وفضلاً وإنصافاً كالعلامة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله.أرسل الشيخ ابن باز قبل 24 سنة رسالة أبوية حانية إلى الداعية عوض القرني بعد خروجه من التوقيف ومنعه من الدعوة في غرة رمضان 1411هـ.
اللافت أن الشيخ ابن باز في هذه الرسالة لم يتطرق لإيقافه وملابسات هذا الإيقاف , بل خاض مباشرة في الهدف من الرسالة وهو الدعوة إلى الله ودور الشيخ عوض في هذه الدعوة دون أدنى نقد أو عتب,على عكس البعض الذين همهم النبش في الماضي , ولربما أن للشيخ ابن باز ملاحظة على الشيخ عوض, لكن همّ الدعوة تجاوز كل ضروب العتب ,لأن الشيخ ابن باز يتجاوز الذوات إلى موضوع الحياة الأسمى وهو الإسلام وأهمية عوض القرني في ميدان الدعوة . وأنا هنا أعمد إلى مقارنة ملحّة بين منهج ابن باز ومنهج خصوم الشيخ عوض الذي يصفونه بالإخواني أو السروري أو الحزبي؛ إذ لم نجد لها أثراً في هذا الأدب الرفيع لابن باز ,لا سيما أن الشيخ عوض خرج للتو من التوقيف ,وهو أهلٌ لأن يعيّر عند هؤلاء ,لكنه أهلٌ لأن يوقر عند ابن باز ,وهذا فرق فسيح بينه وبين هؤلاء.

يستهل الشيخ رسالته بـ (من عبد العزيز بن باز) دون وصف نفسه بالشيخ أو السماحة وهذا تجرد فذّ ونبيل لا يتوافر عليه إلا الموضوعيون من العلماء ,وهو ظلال وارفة ممتدة لموضوعيته في الرسالة ومع توقير جليل لمقام الشيخ عوض حيث وصفه بـ (الأخ, المكرّم, صاحب الفضيلة) وهذه المترادفات من التوقيرات يقابلها خصومة بـ (إخواني, حزبي, سروري) فتأمل الفارق.
لم يكن الشيخ ابن باز يجامل عوض ,بل يصفه بما هو عليه ,وما هو مأمول منه ,لأن الثناء دافع للعمل والبذل ,وهذا ما يكنّه الشيخان لبعضهما في هذه الساعة وما بعد الساعة.

يبدأ الشيخ فحوى الرسالة بـ (نظراً لحاجة الناس اليوم إلى الوعظ), وكلمة (نظراً) هي تعبير إداري تعتمده الجهات الحكومية في رسائلها بهدف تحقيق مصلحة للبلاد والعباد ,فكانت (نظراً) ذات مغزى ,وهو إشارة يهدف للبناء والنفع. يدعو الشيخ ابن باز الشيخ عوض إلى مواصلة الجهود وهو إشارة حتمية إلى سابق جهده وفضله في الدعوة إلى التوحيد والطاعة. ونقف عند (التوحيد) وهو علامة فارقة تميّز السلفي عن غيره, إذ إن السلفي لا يتهاون في التوحيد بأنواعه ,وهذا تزكية من الشيخ ابن باز للشيخ عوض بسلامة سلفيته التوحيدية ومنهجه الذي دفع الشيخ ابن باز ليبعث بهذه الرسالة ذات الخصوصية ما يعني أن ابن باز يؤكد على سلفية الشيخ عوض وأهليته لقيادة المشروع السلفي كداعية ذي تأثير على قطاع كبير من المسلمين ,ولو لم يكن كذلك لأعفاه أو حذّر منه, وهذا ما لم يحدث خصوصاً كما ذكرت أنه خرج توّاً من التوقيف وهو يعد جريمة عند البعض يخرجونه بسببها من السلفية أو أهل السنة, وهذا ما لم يقرّه الشيخ ابن باز في المشهد والرسالة والظرف.

ويبدي الشيخ ابن باز تعاونه الكامل مع الشيخ عوض في سبيل الدعوة ليعطي معنىً وحدوياً للتكامل والانسجام بين العالم والداعية الذي لا يقبل الشق أو الشرخ أو التطفل والتحرش لخلخلة التماسك السلفي الدعوي ,حيث عرض الشيخ ابن باز دعمه و تزكيته الجديدة للشيخ عوض ,سيما أن الشيخ ابن باز ذكر في هذا السياق تحديداً (ولاة الأمر) كطرف تكاملي ثالث يتحقق بحضوره النجاح في المشروع الدعوى, ولك أن تتأمل ابن باز كيف يجعل الشيخ عوض في صف الولاة في حين البعض يجعله محارباً في الصف المقابل للولاة ما يشي بانقلاب من هذه الفئة على وحدوية الشيخ ابن باز.

يدعو الشيخ ابن باز للحكومة بالتوفيق في الخاتمة كما دعا للشيخ عوض بالتوفيق في المطلع ونص دعائه: "وأن يوفق حكومتنا وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين وجميع المسؤولين.." وهذا الثناء والدعاء مقروناً بصلاح العباد والبلاد ,حيث كرر (العباد) كمرادفة لـ(الناس) في المطلع في ثنائه على الشيخ عوض ودعوته له بالمواصلة, وهدف الشيخ ضرورة صلة الداعية ب(الناس) وولي الأمر ب(العباد) ,وعند الناس والعباد يتكامل الداعية مباشرة مع الحاكم, وعند خدمته الناس يلتقي الشيخ عوض بولي الأمر في ثنائية إيجابية معطاءة تخلص فيها النوايا ويستفيد المسلمون.
الشيخ عوض نشر هذه الرسالة المتأخر ,ربما ليعطي درساً وحدوياً بين أطراف التأثير السعودي لتقديم النفع ولتوجيه البعض إلى العودة إلى سماحة صاحب السماحة ليضيف أدلة جديدة على الاختلاف بين ابن باز وآخرين.
بات من الضرورة العودة إلى سماحة ابن باز ووحدويته الدعوية لمزيد من التكامل والتعاون بين الدعاية والعالم والحاكم .

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/articles.php?action=show&id=188]
[/URL]

[/SIZE]

التعليقات

لا يوجد تعليقات. كن أول المعلقين!
  1. حماد الزعبي says:

    هذه شهادة يضعها العوضي على جبينه بكل فخر من أحد أقطاب الدعوة و التأصيل الشرعي في العصر الحديث، و بغض النظر عن التصنيفات التي خاض البعض فيها فإن رسالة ابن باز رحمه الله … فيها الكثير من الحكمة التي توضح الهم الأكبر عند هؤلاء وهو الدعوة و الإسلام

  2. منير بن طالب says:

    أمثال ابن باز هم ركائز الدعوة في عصرهم و ما يعاب في هذا الزمان الإنحدار الذي استطعمه البعض في العمل الدعوي واستغلاله من أجل منافقة الحكومات و السياسيين و لنا نماذج كثيرة سواء في المملكة أو مصر.. أمثال بن باز كانوا هم كفة الميزان لحماية الدين ولا يردعهم شيء للوقوف مع الحق..

  3. ميسرة says:

    رسالة بن باز فيها العبرة لعوض القرني وأمثاله الذين أشغلوا انفسهم في السياسة وابتعدو عن الدين و الدعوة وهي الرسالة الأهم و الأسمى ، لذلك وجب تذكيرهم و هذا أمر تشكرون عليه

  4. حسن حامد says:

    لقد رفع العلم.بموت العلماء امثال سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز جزاه الله خير الجزاء عن الامة الاسلامية جمعاء لقد كان عالما. عاملا في زمن. ساد فيه علماء السلاطين

  5. ابن القصيم says:

    الحقيقة كان سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله الاب الحنون على ابنائه من الدعاة وكان الموجه الرشيد لهم لم يكن يقصي او يلغي أحدا ينصح المخطيء ويقومه ويساعد المصلح ويوفر له كل وسائل نجاحه كان همه خدمة الاسلام. والمسلمين في كل العالم

  6. المخزومية. says:

    هذه هي الدعوة الصحيحة التي تقوم على مبدأ الاية الكريمة (ادع الى سببل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي حسن ) لقد سماحة الوألد بن باز مفتيا وعالما وداعية وأبا للجميع يقرب ويجمع ويبتعد عن الفرقة والتشتت ..وايضا لاشك بأن الشيخ عوض القرني من الدعاة النشطاء. اﻷذين نحسبهم من المخلصين في دعوتهم ولذلك طرح الله لهم القبول في الأرض ويحظى بمحبة الكثيرين . 

  7. خليل 8 says:

    أعجبني المقال خصوصا في الكلام عن كلمة (نظرا)

  8. حزين says:

    قراءة مفصلة على هوى المفصل !! يحدث هذا عند تسطيح الفكر !! والتفكير بسطحية .. أحسست أن كاتبه كان على وشك تأليه ابن باز .. ليجعله منهجا بذاته .. ولربما كان الهدف التبرير للحاكم دينيا .. لا ثقافة في هذا .. صدقوني إنه فكر مهتريء ومناقض لمبادئ الاسلام !!

  9. حــمــدان .. says:

    رحم الله الشيخ الوالد المربي الفاضل الإمام عبدالعزيز إبن باز وأعلى منزلته في الفردوس الأعلى ..
    وجزى الله الشيخ الرجل بحق الناصح لأمته عوض القرني خير الجزاء ..
    أما الرسالة فهي تاج شرف وحبّ آتى هدفه ومقصده بإيصال ما بين السطور فعلا من القلب إلى القلب ..

  10. خالد أبو علي says:

    السلام عليكم
    هذا الكلام قديما وليس حديثا ،وهل بقي هؤلاء الحزبيون على حالهم أيام العلماء الكبار كابن باز الوالد رحمه الله ،بل أظهروا صورة والله ماكانوا عليها أنذاك
    ويبقى رأي الشيخ الوالد رحمه الله هو هوعلى حاله ،وأين أراء بقية العلماء حفظهم الله ،أم هو التعصب للأشخاص .

  11. بشير عبد الرحمن says:

    بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم
    التجاوز صفة قل ان تتوفر إلا من وفقه الله إلى ذلك وهي من صفات الأتقياء الأنقياء وهي من باب جد لاخاك يعين عذرا وايضا من باب حتى يحكموك فيما شجر بينهم وفقنا الله وإياكم إلى ما فيه الصلاح

  12. يسين says:

    اللهم اهدنا

  13. يسين says:

    اللـهـم اهــدنــا لــصــالــح الأعــمــال والاخلاق

  14. يسين says:

    اللـهـم اهــدنــا لــصــالــح الأعــمــال والاخلاق

  15. الله حسبي says:

    كلام جميل ورسالة جليلة بين عالمين جليلين يكن لهما الشعب السعودي كل التقدير والاحترام لما بذلوه من جهود عظيمة – جعلها الله في موازين حسناتهما – ولا عزاء للحاقدين الذين – ستجدونهم – يبدؤون في تأويل كلام العلامة على غير قصده بل بما تمليه أهواؤهم المحتقنة تجاه الدعاة الربانيين . كما يحلوا لهم تصنيف الناس إلى فرق ومذاهب حتى يكرههم العامة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *