اختصار الملك عبدالعزيز في السيف ظلم له ولنا

[COLOR=#232322][B][SIZE=4] [COLOR=#3C3D65]محمد عبدالله الهويمل
[/COLOR]

تهبط على سطح وجداننا وعمقه مؤثرات ناعمة وأخرى خشنة تبلغ أغوار الوعي وتخوم اللاوعي، وربما دركه الأسفل. ولا يحضر في ذاكرتنا إلا ما داومت مصادر التأثير في بعثه إلى تصورنا وخيارنا الأخلاقي والسلوكي العام، فتتبدى هذه المؤثرات في إذكاء نزعات سلبية وإيجابية تجاه ذواتنا والآخر. ومن أشد المؤثرات علينا منذ نعومتنا حتى خشونتنا الإعلام والتعليم. وينهض الفاعل التاريخي لاعباً فذّاً في صياغة سيكيولوجيا آحادنا، ويبلغ هذا المؤثر أشدّه في ظروف الإشادة المطلقة بهذا الفاعل الفذ. وبما أن الإنسان كائن سياسي بطبعه، فلا بد أن تمارس الثيمة التاريخية فاعليتها في الأحداث المهمة من نتائج وإفرازات مقنعة على نحو بليغ وحكيم حكمة لقمان إزاءه بوصفه ابناً للقمان. البعد الثقافي للفرد السعودي متواصل مع مرجعيات التلقي المتمثلة في الديني والتاريخي والشعبي. وكلها تتجه إلى تشكيل الموقف الأيديولوجي والأخلاقي للفرد. وتفادياً للثرثرة أو الإطناب المخلّ، فاني سأمضي قدماً تجاه مؤشر البوصلة، وأين يشير سهمها الحاد العالق بمحركها. وعندما نتحدث عن بوصلة سعودية فإننا نعني لزاماً التشكل الأول لما يحيط بهذه البوصلة، وملابسات هذا التشكل الذي نسميه بالفعل التاريخي، والقدر العظيم، والنهاية المفاجئة والطبيعية، حيث يمكن تصنيف وتأسيس المملكة وفق هذا بـ"الأب الكبير" دون أن نصفه بـ"الفحل"، لأن الفحولة لازم طبيعي للأب المنتج فكيف به وهو ينتج دولة مكتملة من لا شيء، فهكذا وصف يعدّ من قبيل تحصيل الحاصل والحشو في المتن الثقافي السعودي. وينهض في السياق حقيقتان رمزيتان ذواتا مفعول أسطوري في مخيلتنا الجمعية الشعبية: الأولى التأسيس الاستثنائي للمملكة، والأخرى المؤسس الاستثنائي (الملك عبدالعزيز) رحمه الله. ولأن النقاش الذي يحاصر هاتين الثيمتين تقليدي لا يتجاوز الحكايات ويختلط فيه العلمي الأكاديمي بالشعبي الحكواتي، فإن التسطيح يبلغ أشده فقط عند ذكر هذا المحور البطولي والثقافي المهمّ، وكيف يفعل الشعبي والخرافي أحياناً فعله في حواشي متن التأسيس والمؤسس، حيث تتعذر الاستقامة في فهم هذه المعادلة السلبية إلا بتفريغ الشعبي من مدلولاته الساذجة، ودمجه في أزمة التلقي باسم "الإعلام الاجتماعي"، لتحقيق تواصل أكثر كثافة وتكاملية متبادلة بين الإعلام الاجتماعي والرسمي في تشكيل التلقي وحيادية التعليم بل ومشاركته في هذا التشكيل في بعض الجوانب. ولكن أين الأزمة؟ وما علاقة هذا بذاك؟ وللإجابة فلا بد من أن نقر بأن الأخطاء حالة طبيعية في هذا التكامل بين أطراف تتنابز وتتعاير بالتهافت، ويحط بعضها من شأن بعض في طبيعة ثقافته. والراصد يعي أن هذا التكامل هو جزئي مع جزئي، والخلل وارد على مستوى الصدق والمسؤولية والوعي. ولكي لا أطيل أعود إلى مركزية التأسيس والمؤسس وكيف حدث الخلل في هذا التكامل غير المسؤول والكسول في البحث الواعي في قيمتهما بعيداً عن الفعل المادي الثوري الطبيعي الذي يصاحب أي نصر عسكري، ينهي تاريخاً ويدشن آخر، ويستقبله التاريخ ضميراً وتديناً بالتمجيد مستحضراً معايير القوة الغلابة، والتكتيك المحارب، ولا يكاد يغادر التاريخ في وصفه هذه التفاصيل، وكأن التاريخ مختصر في سيف دامٍ أي أن الحضارة الجديدة لهذا العهد بدأت من هذه اللقطة الفوتوغرافية الموجزة في سيف في قبضة منتصر دون أن تعطي السيف سانحة ليفسر لنا لماذا يقطر الدم من ذبابه، وهل القطرة خيرة أم شريرة. إذن هذا هو التاريخ، ونحن جزء من هذه البانوراما الغافلة عن الإحاطة بكل زوايا الصورة حتى للمنتصر. ويمارس الإعلام والتعليم التقليد التاريخي الأعمى نفسه دون أن يلتفت لبطولات المنتصر الأخرى شخصية وأخلاقية وأسرية ودينية ما عكس تصوراً فجاً وخطراً وأوقع أثراً على الخارطة الذهنية لدى الفرد السعودي بأن الملك عبدالعزيز شخصية لا تكاد تتجاوز السيف والنصر والفتح والمُلك وقهر الأعداء والتوسع والحنكة العسكرية والدهاء القيادي، وتم تلقيها وتغذيتها في المتداول التعليمي والإعلامي والمخيال الشعري الإبداعي، وراوحت رمزية الملك عبدالعزيز بين تعليم غير معنىً بكشف الجوانب الإيجابية في شخصية الملك عبدالعزيز، وإعلام مريض بعقدة المؤرخ، فحدث الظلم البواح لهذه القيمة التي كان بالإمكان أن تضيف ثراء أخلاقياً مهولاً إلى الخيارات القيمية في التلقي السعودي، فلم يتطرق الإعلام إلى قيمة التسامح والوفاء والبر بالوالدين والشفافية والتدين العالي والشاعرية وأساليبه في مكافحة الفساد وصرامته الدينية في تربية أبنائه وإنكاره المنكر والتواضع وغيرها من المثاليات التي تزخر بها بعض الكتب المتداولة بين النخب، وبعضها من كتابات ضيوف أجانب، ولكنها بعيدة عن الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع والتعليم. فالإعلام لا يبرز صورة الملك عبدالعزيز إلا في سياق المنتصر لا غير كما أسلفت، وهذا يكرس أن ثمة خانة للمهزوم، وعندها سيفتش المشاغب عن هذا المهزوم ويفتح ملفاته ليثير أزمة وشكوكاً. وكل هذا بسبب سلبية الوعي الإعلامي وبات من الضرورة التخفف هذه التلازمية الشرطية غير الضرورية، وغير المبررة بين الملك عبدالعزيز والسيف، وإعادة طبيعة العلاقة بين الملك عبدالعزيز، ومبادئه الحقيقية. والنقد يمتد للتعليم الذي يدرس الملك عبدالعزيز في الأدب والتاريخ ويقع في نفس الارتكاس، فالتعليم مثلا يدرس قصيدة ابن عثيمين التي يقول فيها: العز والمجد في الهندية القضب/لا في الرسائل والتنسيق والخطب. ومنها: عبدالعزيز الذي ذلت لسطوته/ شوس الجبابر من عرب ومن عجم. والقصيدة في مجملها ملحمية محاربة لا تجسد علاقة الملك عبدالعزيز بتجربته التأسيسية فضلاً عن أن كل ما يلح عليه الإعلام الاجتماعي الرسمي والتعليم من صفات قيادية وبطولية قد يتصف بها الصالحون والطغاة. وهذه سقطة وظلم جديد ضد رمزية الملك عبدالعزيز، ينعكس أثرها على طبيعة القصص الشعبية عن الملك عبدالعزيز وكيف بلغت درجة من أفق التوقع حتى أن بعضاً منها قد يصف الملك عبدالعزيز بالظلم وقتل المخالفين. وقد يتم تلقيها بالتصديق المطلق بسبب فداحة وجسامة ما يرتكبه التعليم والإعلام في حقه والمجازفة في اختصاره في السيف. ولك أن تطلع على مدائح الملك عبدالعزيز في كل دواوين الشعر الشعبي وارتهانها إلى هذه الاختزالات البطولية القيادية لا غير. إن فتح علاقة جديدة بين المغيب من فضائل الملك عبدالعزيز والوعي الأخلاقي السعودي بات أمراً ملحاً للتخفيف من حالة الإقصاء بين الأنا والآخر * التي يحركها اللاوعي المتأثر بمقولة الإعلام والتعليم التي تفيد بأن الانتصار يحتاج سيفاً دامياً والتفوق يحتاج هندية قضباً وسطوةً على رغم أن الرسائل والتنسيق الخطب . تفعل فعلها المدني السلمي في التأثير نحو الأفضل.. إذاً يا لها من ورطة أوقعنا فيها التعليم والإعلام الرسمي والشعبي كانت ظلماً لأخلاق الملك عبدالعزيز وأخلاقنا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ارجع إلى كتابات د. عبدالله الغذامي عن الشعرنة وتشكيلها للوعي.[/SIZE][/B][/COLOR]

التعليقات

لا يوجد تعليقات. كن أول المعلقين!
  1. خالد العثمان says:

    فعلا فجوانب شخصية المؤسس متعددة وليست محصورة في الجانب العسكوي فقط.
    فانا اقوم ببحث عن علاقته ببعض طلبة العلم داخل قصره واكتشفت جوانب انسانية تدل على مدى حبه للخير ورغبته فيه

  2. مدلول الشمري says:

    استاذي الهويمل ابدعت وأصبت فالصورة الرمزية التي تعلق بالذاكرة كما تعلمناها وتناقلها الناس هي : السيف !!

    أذكر في أحد الكتب قرأت عن الملك عبدالعزيز "وأعتقد انه كتاب الحداثة في السعودية للدكتور الغذامي" عندما تكلم عن تسكين البدو في الهجر وهو يتحدث عن نسق الحداثة في المملكة و ذكر البيت الذي عدله الملك انذاك

    نبني كما كانت أوائلنا ** تبني ونفعل (فوق) ما فعلوا

    للاسف يا سيدي هذه لم نجدها تدرس في الكتب فالذي تعلمناه عن حروبه شكلت لنا صورة رمزية شديدة وربما كان إختيارهم لهذه الصورة لترتيب الفوضى أو لنقل القوة التي يتمتع بها الملك

    شكرا لك

  3. الرميكية says:

    مقال جميييل المهم نستفيد ونفكر صح

  4. بندر الحمدان says:

    أستاذي الكريم، أليس هذا جزءاً من الموروث التقليدي الذي ما يزال يمجّد القوة والبطش والفتك بالخصوم؟

    هذا زهير بن أبي سلمى يجسّد هذا بقوله:
    ومن لم يُذدْ عن حوضه بسلاحه ** يهدم ومن لا يظلم الناس يُظْلمِ

    وهذا حميدان الشاعر بأتي بعد قرون طويلة ليؤكد هذا الموروث:
    ولا تليَّن جنابك لمن هو ضديد ** أو عدو يداهن، بقلبه بلاه
    والحريب انحره قبل يقبل علي ** وان تنيته يزورك بدارك تراه
    معلّق مخلبه والطمع بك يصير ** اضربه غارة لين تقلع مداه
    من جبن عن عدوه يصلط عليه ** البخل والجبن للمعادي مناه

    لا ننكر أن قسوة المعيشة وشظف العيش ساهم في تلك الروح التنافسية التي تميل إلى العنف والتعامل الصارم مع الآخرين والاكتفاء برمزية السيف إلا أننا بحاجة ماسة إلى الطرح المتوازن الذي يؤكد على الكثير من الجوانب الجميلة -التي تفضلتَ بذكرها- وهي بلا شك حاضرة في حياة الملك عبدالعزيز رحمه الله ولكن تأبى الثقافة ذاتها إلا أن تغفلها أو تتغافل عنها..

    نعم أوافقك الرأي في أن "اختصار الملك عبدالعزيز في السيف ظلم له ولنا"!

  5. عبدالله ناصر الهويمل says:

    أشكرك أخي عبدالله على هذا الموضوع ولكن الذي يسمع من القصص عند العامة ويطلع على الأماكن ويجتمع بأولئك الذين اجتمعوا بالملك عبد العزيز أو حتى بعض أبنائهم يتعرف على جوانب كثيرة من حياة الملك عبد العزيز ويتعرف على الملك عبد العزيز الإنسان كما أن التعليم ليس كما وصفته في مقالك وبآرائك التي أحترمها كثيرا فهناك في التعليم ما يثبت الملك عبد العزيز الإنسان وجوانب من تاريخه الإنساني بعيدا عن السيف وحمله والعلاقة التي وصفت بها التعليم مع شكري وتقديري لكم

  6. ياسر says:

    استاذي الإجتماعي الفريد،،، لا تزال خواطرك تغذي فينا الحس الأخلاقي الفذ، وتعيد لنا الثقة في تلمس الحقيقة وراء الموروث الجمعي الذي بالفعل يحتاج إلى إعادة النظر في وجهة السهم العالق بمحرك البوصلة إلى الأمام أبا عبدالله

  7. سمير نحيلي says:

    المرحلة التي سبقت ظهور الملك عبد العزيز كانت مرحلة حرجة في تاريخ الجزيرة لعربية ارتبط فيها مناخ التغيير بالقوة والفروسية التي كانت تبشر بقدوم القائد المخلص والذي لايمكن فصله عن السيف ومهماكانت الإنجازات التي تلت التأسيس تبقى متضائلة مقارنة بشخصية الفارس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *