كيف يتعامل المذيع مع الضيف الكذاب

قد لا نشعر نحن المتابعين بأن ثمة قلقا وتوجسا يسود بعض اللقاءات التلفزيونية .ويقترب أحدنا من الدائرة الملغومة ما بين المقدم وضيفه وهما يتداولان رصيدا من الدراية بالمحور المطروح..

(المثقف الجديد) يستجلي شيئا من هذه المجاهل الغافلة والمغفول عنها مع الإعلامي د. فهد السنيدي.

يرى البعض أن كذب الضيف نجاح للمقدم والبرنامج؟ وبقدر سقوط الضيف يحلق المذيع ..!

أشكر لكم بداية هذا النمط من الأسئلة وهو جديد يوحي بإسقاط ، أرجو ان لا تكون الرغبة من ورائه كشف الكذب !

الكذب محرم ومن التزمه كتب عند الله كذابا ، وسارت به قوافل الكذب ولم يستطع الخلاص إلا أن يتداركه الله ..ثم إن أهم أسس الإعلام ومواثيقه الشرفية : المصداقية فمن اختلت مصداقيته سقطت مهنيته هذه المقدمة أراها ضرورية قبل الولوج في شراك أسئلتك ..

أما مايتعلق بكذب الضيف وهل يعتبر نجاحا للمقدم والبرنامج فهذا يختلف باختلاف البرامج فإذا اتضح للمشاهد كذب الضيف ولم ينطل عليهم تزييفه صار هذا نجاحاً للبرنامج ، فإذا استطاع استخراج التناقض وبين خلل الكلام صار نجاحاً له ولبرنامجه .

وقد شاهدت بعض مقاطع لبرامج سياسية غربية استطاع المذيع أن يجمع تناقض الضيوف أثناء اللقاء وهو مايعني الكذب ، لذا تجد هذا النوع من البرامج يحضى بمتابعه عالية .فمثلا( جيرمي بيركسون ) له مجموعة من المقاطع وكذلك( جوناثان مان ) وغيرهمها كثير ..

هنا أعود لأقول ان نجاح المذيع والبرنامج في استخراج التناقض وليس الكذب ، لأنه لا يملك جهاز كشف الكذب، وليس الكذب خطاً حدياً ظاهرا في مثل هذه اللقاءات ولكن يكفيه أن يستخرج التناقضات الهائلة ليدلل على الكذب وقد حصل هذا في مناظرات الانتخابات الرئاسية في الغرب ، وبخاصة الولايات المتحدة وفرنسا حيث استطاع بعض المذيعين أن يوجهوا بوصله الانتخاب بمجرد مقدرتهم العالية على استخراج التناقض لدى أحد المرشحين ..

هل يكون كذب الضيف اضطرارا طبيعيا لأسئلة المقدم المستفزة؟
ليس طبيعيا ، لكنه قد يكون أحيانا بسبب الارتباك وعدم التحضير الجيد وهذا غير مقبول بتاتا ..فمثلا الحديث في المناطق الملغومة سواء كانت الدينيه أم السياسية يحتاج إلى حذر شديد من بعض الضيوف وهنا يعمد بعضهم إلى تمييع الحديث وعدم الوضوح والبقاء في المنطقة الضبابية حتى يسلم ويخرج باقل الخسائر لكن المذيع المقتدر هو الذي يطرح أسئلة تسحب هذا الضيف إلى لمناطق الملغومة فلا يخرج منها إلا بكاسحة الألغام وهو الوضوح ، أو انفجار لغم الكذب فيه أيضا قد يكون الضيف قليل الشجاعة أو عديم المروءة فيفزع إلى الكذب مضطراً ، وهذا الاضطرار مزعوم لأنه جزء من شخصية هذا الضيف وليس كما يزعم أنه مضطر إليه ، وفي الغالب لا يرحم المذيع هذا النوع من الضيوف بل يسعى إلى كشفه وفضحه

هل يتوقع المقدم بدءا كذبا من الضيف؟
بعض الضيوف تعرفهم في( لحن القول ) من خلال سلسلة سابقة من التصريحات واللقاءات ، أو بمجرد جلسة التحضير المسبقة التى تكون قبيل الحلقة وهذا غالبا يكون عند أصحاب المناصب الذين يتساءل الناس كثيراً عن انجازاتهم ويظهر تقصيرهم فيما يمس حاجة الناس وشأنهم اليومي فإذا كنت قد جمعت له عشرات الإخفاقات في عمله فانت تتوقع جزماً انه سيكذب أو يعمد إلى التعمية والتعتيم وكلاهما كذب

متى يضطر الضيف للكذب؟
يضطر الضيف للكذب لعدة اعتبارات منها :

– اعتبارات أمنية ، وهذه تكون في المجتمعات التى تضايق فيها كلمة النقد ويطارد اصحاب الرأي فتجد الضيف لاعتبارات أمنية يعمد إلى الكذب الصريح الذي يعرفه أقل المتابعين

– اعتبارا ت مصلحية وهي تقديم مصلحته ومنصبه على الحق وهذا هو الأكثر ، فكم من مسؤول نستضيفه تجده يجعل الكرسي أهم الناظرين اليه ، فهو يوالي ويعادي من أجل الكرسي فلا يتحدث إلا فيمايحقق بقاءه على الكرسي ، ولعلك تطالع تصريحات بعض المسؤلين حيث يعرف القاصي والداني أنه كذاب لكن المنصب (عاوز كذا )

– اعتبارات اجتماعية ، فبعض القضايا يعمد الضيف إلى إخفاء قناعته فيها ، أو اللف والدوران خوفاً من اعتباراته اجتماعية معينة ، فضغط المجتمع والجمهور قاهر وهذا هو الاعتبار الآخر وهو الاعتبار الجماهيري وهو اوسع من الاجتماعي فالجمهور يشكلون عائقا أمام بعض الضيوف عن قول الحق ، فيضطر إلى اخفاء الحق وتمييع الصواب خوفاً من جماهيريته

.. أذكر أن ضيفا قال لي أنا مقتنع بكذا لكن لاتسألني أرجوك لأن الناس لاتقبل مني هذا الرأي ولا أريد أن أخسرهم ؟!

– اعتبارت شخصية وهو سلوك يطغى على شخصية هذا الضيف حيث يكون من الأشخاص غير الواضحين ، كثيري الكذب واللف والدوران في حياته وعندما يخرج إعلاميا فهو يخرج في شخصيته المذكورة .

متى تجامل كذب الضيف ومتى تحاصره؟
-محاصرته هي الأفضل بلا شك لكن لايعني هذا أن تزج به إلى السجن في حالات ، ولا أن تقوده إلى الويلات .. وبخاصة إذا كانت المسألة تقبل هذا التنوع في الإجابة ولو كان يكذب (كذب مخالفة رأيه) فقد يرى رأياً لكن يقول بخلافه لمصلحة أنت تتفق معه فيها، وسأوضح هذا لمثال مر علي أحد الضيوف الذين دربتهم إعلاميا .و ذكر لي أنه عُرض عليه سؤال بشع لأشياء خاصة ، حيث كان ضمن تنظيم معين وتركه وليس له أي علاقة به ، بل ولا تاريخ معه ، لكن المذيع كان يعرفه معرفه خاصة فسأله عن دخوله هذا التنظيم ، هنا ليس لك الحق أن يستدرج ضيفه ، ولو كذب الضيف لمصلحة يراها هو فليس من حق المذيع التمادي بل يجب عليه أن يجامل لأن معرفة المذيع بالموضوع أو جهله لايؤثر أصلا في اللقاء لا سلبا ولا إيجابا

هل ثمة نوعية محددة من الضيوف تمارس الكذب؟ وما محدداتها؟
اسمح لي هنا أن أسهب قليلا ، سأذكر لك بعض المحددات وطرق التعامل معها وسأبدأ بذكر بعض من يمارسون الكذب وهم :

_ المسؤول الذي يخاف على منصبه ومنهم السياسي الذي يتشبث بالمنصب أو يسعى لإقناع الناخب بأحقيته في الترشح وهذا أكثر الضيوف كذبا ، وقد ذكرت لك أن البرامج في القنوات الغربية تعمد إلى جمع تناقضاتهم .

_ المذنب ، لأن ثقافة الاعتذار عندنا معدومة .. انظر إلى مقطع جمعه بعض الشباب في الإنترنت يتحدث عن التصاريح العشرة الأكثر كذبا ، لترى أن بعضها لم يكن صاحبه بحاجة إليه بل كان يكفيه لو خرج واعترف بالخطأ لانتهى الامر …ونحن من خلال دورة (التأهيل للتعامل مع وسائل الإعلام ) نركز على جانب المقدرة العالية في الاعتذار ، أو صدق التبرير وهذا غائب عند المذنبين من المسؤولين والمقصرين في عملهم منهم

_ المتنصل من المسؤولية ، وهؤلاء يرمون دائما باللائمة عى الآخرين ويتنصلون من المسؤولية ولكن هذا يدفع البعض من المتابعين إلى اعتقاد انهم يكذبون ومع كثره هذا النوع يسقط هذا المسؤول من الأذهان حتى يكتب عند الناس كذابا لايصدق له تصريح.

– من النوعيات التى ترتبط بالكذب ؛ النفي السياسي الكثير حتى عرف الناس أن النفي يعني الإثبات ، وهذا يحصل ويترعرع في ظل غياب المصداقية ، فالمساحة الفارغة من التصريح إذا لم تبادر بملئها بالحق وطالت المدة ، جاءت الفراغات الكثيرة بالإشاعات التى يصعب إزالتها.

-قد يكذب الشرعي الذي يُرضي غيره وهذا أقبح أنواع الكذب لأنه يكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وربما مارس بعضهم نوعا آخر ينطلي على الناس ويقنع نفسه هو أنه ليس كذبا وهو التمييع فلا يكون واضحا ، ولا يبين الحق، بينما لو اُنتقص حقه أو ضاع له من شؤون الحياة شيئا رأيته فارساً مغوارا متحدثا .. هذا النوع يعرف الناس كذبه ..

والشرعي الذي يغيب عن القضايا الكبرى ويتلمسه الناس فلا يجدونه ، هذا النوع وإن كان صادقا في قوله الأول لكنه كاذب في غيابه ، والناس يعرفونه ويجزمون أنه يتحدث بالعملة ، وهذا خطير جدا على المتلقي

– قد يكذب أصحاب القضايا الشخصية ، وهؤلاء لا أنصح الإعلاميين باستضافتهم إلا في النادر ومع الاحتراز ، مثل من يكون له قضيه شخصية مع احد ، مثل إدارته ، أقاربه ، مساهمات مالية أو نحو ذلك هؤلاء بسبب سطوة الإعلام يضطرون لتزييف الحقائق وهنا نقول للإعلامي احرص على اكتمال حلقة الحوار مع جميع الأطراف ، أو انتظر حكم الجهة المعنية .

هل رهبة الجماهير تدفعه للكذب؟
مع الاسف نعم وقد ذكرت لك بعض النماذج ، ولذا فإني أنصح دائما ألا تفتح المجال للضغط الجماهيري ، فمثلا إذا كانت لديك حلقة معينة (ضيف ) استفد من أراء الناس لكن لاتجعلهم هم من يشحنونك ويسلطونك حتى تقع فريسه رهبتهم ، فأنت هنا تتحدث باسم عشرات أو مئات الاتصالات التى وردت إليك ، بينما نسيت آلافا مؤلفة لم يتصلوا ربما يكونوا على النقيض ..

هل يتجرأ الضيف أحيانا على الكذب على مقدم بعينه في حين يتهيب مقدما آخر؟
نعم وهذا كثير ، وأهم ملامحه ضعف المقدم وقد شاهدنا ضيوفا يهربون من مذيعين معينين لما يجدونه من الحرج في الخروج معهم بينما يخرج مع مذيعين آخرين ويمررون رسائلهم وأجندتهم المختلفة بكل سهولة ، والسبب ضعف هذا المذيع وعدم قدرته على إدارة الحوار .

هل تستضيف من مارس الكذب أكثر من مرة؟
إذا جهزت ما يظهر تناقضه ، فلا مانع ، وأحيانا تكون المبادرة منه ، ليبين وجهة نظره وأنه أخطأ في إيصال المعلومة واعتقد الناس تناقضه ، وهذا حق مكفول له ، يجب على المذيع أن يسهم في تصحيح صورته وبيان الحق.

متى يكذب المقدم ؟
الأصل في الإعلامي : المصداقية والأصل في المذيع أنه يطرح أسئلة ويعرض حقائق ، فإذا عرض أو طرح حقيقة غير مبنية على مصداقية تحولت إلى كذب وليس حقيقة ووقع فريسة الرفض وأساء إلى نفسه ومهنته .

لكن لابد أن نعترف وبكل اسى وأسف أن هناك من الإعلاميين من هم مؤدلجون ويمارسون مهنة التقديم من خلال حسابات الكذب السياسية البحتة وهذا ظاهر بين في إعلامي ينصر فكرته وسياسته بأي طريقة ، فهو مؤدلج يكذب في صياغة الخبر والتقرير والصورة والعبارة لخدمة أجنده معينة وبعضهم (مع الخيل ياشقراء ) يقدم المثل القائل (الخيبة ولا المرحوم )فهو يختار أن يكون خائبا مرفوضا أفضل عنده من أن يدخل سجناً او يموت …ولك ان تعود بالذاكرة الى بعض المذيعين في الثورات العربية كيف كانوا أبواقا للظلم والبطش ، ثم سرعان ماتحولوا بعد سقوط الظلمة لينقلب إعلامهم وتخرج من أفواههم عبارات التعنيف على حقبة الظلم والظلمة وكأن الناس نسوا ماضيهم ، هؤلاء أستغرب نفسياتهم وتكذيبهم لما كانوا يقولون ، فهم مثل من يتطاول على الدين وأهله ثم ينفي ويكذب ما شاهده الناس وشهدوا به .

مانصيحتك للمقدمين ..؟
سأذكر لهم بعض الامور التي يتعاملون من خلالها مع -الضيف الكاذب .

– اسأله سؤلاً لا يستطيع إلا أن يجيب عنه بإجابة مسبقة للناس فإذا كذب فُضح ، مثلا الناس تعرف أن عدد خريجي ملف معين عشرات الآلاف لم يوظفوا ، فإذا كذب ونفى عرفه الناس

– اسهم بتصوير تقارير مع الناس تزعزع لديه بعض الأمور التي جهزها للنفى ، واطرح على الناس كل سؤال مهم تتوقع أنه سيكذب فيه

– من خلال الأسئلة السهلة التى من المفترض أن تكون حاضرة في ذهن الضيف ، هنا يتبين للعامة أن الضيف يكذب …فإذا كان الضيف لا يعرف خططا مستقبلية وعد بها ، ولا أرقاما ولا أسماء جهات تتبع له هذه أمور سهلة تكشف كذبه .

– مما يكشف الكذب وجود ضيفين متضادين أو مداخلات مركزة تنسف كذب الضيف .

– الإعداد الجيد يقي الأداء الضعيف ، عليك أن تقرأ جيدا عن الضيف وخلفيته الفكرية أو السياسية أو تعامله مع جهته لتستطيع معرفة تناقضاته بكل سهولة .

– الحوار العميق جداً تتضارب فيه المعلومات ووجهات النظر وهنا يكتشف النخبة هذا التضارب ، فهو اكثر أشكال التضارب التي تمر بي في برامجي باعتبار الموضوعات النخبوية من خلال تضارب أقوال الضيف أو تجاوزه التعليق على قضايا معينة أو تمييعه للإجابة هنا يتضح ضعف إعداده أو تمييعه للقضايا ..

– انتبه فيما يخص العامة فهم يعظمون أشخاصا ويرون أنهم لا ينطقون إلا بالحق : وهذه من مشاكل العامة أمام الشاشة ، فلا يحبون أحدا يمس جناب محبوبهم ، ولا يرضون بطرح الأسئلة الشديدة عليه : أنت هنا بين نارين أنصحك بالإعداد الجيد المتقن الذي يضعف الضيف أمام الجميع .

– من الممكن أن تستعين بالخبراء والمحللين المتمكنين الذين يدرسون بعض اللقاءات ويعطونك أساليب التعامل مع الشخصيات …

مثلا بعض المناظرات السياسية يستطيع المحلل المتمكن أن يبين لك أن حركة اليد بهذا الاتجاه تعني كذا ، حركة العين تدل على كذا ..هنا الضيف مضطرب إلى غيرها ..

– وأخيرا عليك أن تختار الضيف الجيد ، فالعتب كل العتب على المذيع في برامج المعلومة إذا أحضر ضيفا وهو يعرف أنه كذاب .

التعليقات

تعليق واحد
  1. أبو سالم says:

    جزالك الله خيراً . مع أنني لست اعلامياً لكنني استفدت .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *