العودة للكنيسة في السينما الأمريكية

[JUSTIFY][SIZE=5] [COLOR=#57A09F]طارق خواجي : [/COLOR]

قال جيمس سبيجل ذات مرة :"هوليوود ليست المكان الأمثل للبحث عن الاستبصار اللاهوتي". وسبيجل بروفسور يدرس الفلسفة في إحدى الجامعات الأمريكية، كما أنه له العديد من الكتب التي تنحو المنحى العقدي الأخلاقي من وجهة نظر مسيحية خالصة، أشهرها "كيف تكون طيباً في عالم أصبح شريراً".ما يجعلني أستخدم عبارة سبيجل السابقة كمدخل، يقع في صلب الموضوع الذي أناقشه في هذا المقال، فهذه العبارة تؤسس لما أعتبره حقيقتين تخصان هوليوود والسينما حول العالم، إذ إن عدداً من الأفلام كثر عددها أو نقص, لا تخلو من الترميزات والدلالات العقدية، لا يلزم من ذلك أن يكون مرتبطاً بالمسيحية أو اليهودية فقط، بل مرتبطاً بأفكار ومفاهيم القائمين على الفيلم من منتجين ومخرجين وكتاب سيناريو، في المقابل فإن هناك كثير من الأفلام تبدو متخففة بل ومتخلية بالمطلق عن أي ارتباط مع أي أيديولوجية كانت، وهي في ذلك تأتي متسقة مع المفهوم العلماني العام في مجتمع يمارسها منذ عقود، ومع فلسفات إلحادية لطالما وجدت لها رواجاً كبيراً في ظل الخواء الروحي الذي يعانيه المجتمع الغربي خصوصاً، بعد الحروب العالمية الأولى والثانية، وهناك أيضاً في مسار ثالث تلك الأفلام التي تستثمر في الفن والفن فقط، في محاولة لتطبيق نظريات مثل الفن للفن، ومحاولة الانعتاق من عالم ملوث بالغرق في الجمال وتجلياته.من المهم لنا في محاولة تجازف بحبنا للسينما، أن نتوقف قليلاً، نلتقط أنفاسنا بهدوء، فما قررناه بالسابق، سيجعل البعض ينطلق بسعادة بالغة، ليصِم الأفلام بالانتهاك العقدي والاستهداف القيمي في محاولة لتأكيد مفهوم المؤامرة المتسع مثل ثقب الأوزون، فكثير من الدلالات التي ذكرتها لا تجد لها أصولاً فكرية سوى في عقول المرتبطين بالمسيحية المتمسكين بها، كما أن كثيراً من تلك الدلالات تأتي بهدوء وضمن سياق تعبيري متسق مع ثقافة المخرج واطلاعه وليست محاولة لتأكيد صحة أو بطلان لأي معتقد، لذا وهذا ما يحدث في الغالب تمر كثير من تلك الرموز والدلالات بهدوء ودون تمحيص من قبل الثقافات الأخرى في مجموعاتها البشرية البسيطة، وهو ما يبدو صحيحاً في نظري، إذا اعتبرنا أن المعرفة مرتبطة ببعضها، وأن لا قيمة لمعرفة في إسقاط أخرى إلا إذا كان الفرد غير مقتنع بها في الأساس، أو أن ارتباطها به يكون في أقل عناصرها وأضعفها. كما أننا يجب أن ندرك أن الأفلام الأمريكية والأوروبية تحقق أرباحها الكبرى في بلادها ومن خلال دور العرض وشباك التذاكر، ومبيعات الأقراص الرقمية والنسخ المؤجرة على الانترنت وقنوات الكيبل وغيرها، وهذا يؤكد بأن فكرة الاستهداف ومحاولة تغريب مجتمعات أخرى بالسينما وأفلامها تهمة تحتاج إلى إعادة قراءة في معطياتها، وهذا لا ينفي أن الحكومات الغربية تعتقد أن إغراق الأسواق ذات الثقافة المضادة بالسينما والمسلسلات التلفزيونية المتخمة بالثقافة الغربية له آثار جيدة في التأثير على الثقافة المضادة والرافضة لمشروعاتها التوسعية الاستعمارية، لكن تلك الآمال لا تنفذ على هوى الحكومات بالإطلاق، فالسينما تجارة رابحة وهي تخضع للفكر الرأسمالي الذي يعتبر أحد العناصر الكبرى للفكر الغربي جملة.إن الأفلام التي يستهدفها المقال في أفكاره، ليست تلك الأفلام التي تمارس التبشير العقدي بتلك الفجاجة والوضوح، وتحاول استدرار العواطف من خلال عرض التاريخ الكنسي أو العقدي لطوائف مورس ضدها التعذيب والتفكيك، بل هي أفلام تحاول أن تستمد قوتها من بعض القضايا الكبرى في العقائد التي يؤمن بها أصحابها أو كانوا من المؤمنين بها في مرحلة ما من حياتهم، مثل الخطيئة الأصلية والكفارة والخلاص والفداء في النصرانية، والشتات والامتياز عند اليهود، المختار والتناسخ والعدل والبداء والرجعة والقدر فيهما وغيرهما، الوجود والعدم والروح والعقل والحياة والموت والقوى الكبرى والعود الأبدي والإنسان الأرقى في النظريات الفلسفية الحديثة، تلك الأفكار وغيرها شكلت بنية محورية في العديد من الأفلام دون أن تجعلها ظاهرة ومكشوفة ودون أن تجعلها الأساس دون بنية أخرى محكمة من الأحداث والتفاصيل والمسارات المتشابكة في سرد حكاية مدهشة لها حضورها المعاصر للجمهور.

بعض تلك الأفلام ينطلق من إحدى تلك الأفكار مثل فيلم "الحاسة السادسة" لـ إم. نايت شايملان عام 1999م، الجمال الأمريكي لسام مينديز عام 1999م، نادي القتال لديفيد فينشر عام 1999م، وغيرها. هناك أفلام تستمد قوتها من مجموعة متشابكة من الأفكار، وهي جرأة ومغامرة محفوفة بالمخاطر، أفلام مثل "المصفوفة ? الماتريكس" للأخوين واتشوسكي عام 1999م، "مدينة الظلام" لأليكس بورياس عام 1998م، وغيرهما. ولعلنا لو أعدنا النظر مرة أخرى للأفلام السابقة يمكننا أن نتوقف عند تكرار التاريخ المريب، وهو في استقراء أول ومبدئي مستهدف ولي فيه مقصد واضح سيأتي لاحقاً، لكن هذا لا يلغي أن تلك الأفلام حوت شيئاً من تلك العناصر والأفكار التي سبق الحديث، لكن المدهش أن تلك الأفلام وغيرها جاءت قبل تاريخ نهاية الألفية الثانية وعلى مشارفها، وهو ما يؤكد النزعة الرؤيوية العامة التي ظهرت في كثير من أجناس الأدب والفن، ويعكس الهوس الفكري بنهاية العالم، الذي أصبح فاسداً وشريراً ومتجهاً للانحطاط بقوة وثبات، ليست كل الأفلام تعالج الفساد الظاهر في البر والبحر والبشر والحياة ككل، فهناك أفلام تأتي متسائلة بعد ذلك التاريخ الطويل من حياة البشر وبعد تبدل الإيمان من معتقد إلى آخر، عن حقيقة الكون والحياة وجدوى الوجود وعدمه، وهي أسئلة فلسفية كبرى، تأتي في الأفلام ضمن سياق قصة يمكن فهمها ومحاولة معالجتها بأبسط ما يمكن.

هذه مقدمة لمشاريع قراءة أخرى أكثر عمقاً وسبراً لسينما الدلالات العقدية والرموز اللاهوتية، تلك الأفلام التي تحاول الاعتماد على فكرة كبرى مطعمة بعناصر جانبية ذات حضور كثيف في وجدان الجمهور، دون أن تمارس التبشير المباشر والواضح الذي يمارس كفعل متدين ,وليس كفن يحاول أن يتعاطى مع الإنسان من الإنسان.
[/SIZE][/JUSTIFY]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *