نماذج من حكمة وصبر السعودية على التجاوزات الإيرانية

[SIZE=5]لم تمر العلاقات السعودية الإيرانية من قبل بمثل هذا الدرب المختنق بالتوترات بين البلدين كما نراه في الآونة الأخيرة , ويشير الخبراء والمحللون إلى أسباب كثيرة وراء تردي العلاقات بين الدولتين , والرأي الشائع عند الإيرانيين منهم أن الاختلاف المذهبي هو الذي حدا بالبلدين إلى "خصومة".

ولسنا الآن بصدد البحث عن أسباب الخلافات السياسية بينهما , بل نريد أن نناقش هل حقا اختلاف العقيدة يشكل سببا رئيسيا في تردي العلاقات كما يظن الإيرانيون؟ ولماذا لم يسبب اختلاف المذهب من قبل أي خصومة سياسية بينهما؟

كانت مكة والمدينة – كرمز مشترك للسنة و الشيعة على السواء- حلقة ربط بين الشعبين الإيراني والسعودي ,والآن لم ينقل هذان الحرمان الشريفان إلى مكان آخر , بالإضافة إلى أن السعودية الآن أصبحت دولة مهمة في المنطقة بما لها من تأثير سياسي واقتصادي وأمني وحضاري ,مما يجعل إيران وغيرها تحتاج إلى الحفاظ على علاقاتها بالسعودية. وقبل أن نتحدث عن هذه النقطة بالتفصيل نود أن نعرض عما يعتقده الإيرانيون أن السعوديين يكرهونهم ويعاملونهم بشكل سيئ في أيام الحج وهل هذه الادعاء له دلائل تاريخية ماضية أم لا؟

وشهد العديد من كتّاب أدب الرحلات الإيرانيين في القرون الماضية أن أمراء الحجاز السنة كانوا يحمون الإيرانيين قدر إمكانهم ,ولم يسجل التاريخ قط أن حكام السعودية أساءوا التعامل مع أي إيراني , اللهم إلا ما حدث في أواخر الثمانينات عندما واجهت السعودية شغب الإيرانيين في شوارع مكة.

وكتب الأسفار تذكر ان شريف مكة قد عاقب بعض خدام المسجد الحرام ممن أساءوا التعامل مع بعض الإيرانيين ,حيث يذكر أحد الشخصيات العسكرية الإيرانية في دولة قاجار اسمه عبد الحسين خان أفشار رومي، أنه حج عام 1299هـ ورأى في اليوم الثامن من ذي الحجة أن ستار الكعبة تمزق وحاول بعض الحجاج الإيرانيين أن يقتطعوا جزءا من الستار ليتبركوا به كما يفعلون في عاداتهم الشيعية عند زيارة القبور. ويذكر أن شرطة الحرم واجهت الحجاج الإيرانيين , وجرح بعضهم أثناء المواجهات، وأن شريف مكة عاقب الشرطة بسبب عدم ضبط النفس في المواجهة رغم أن تصرف الإيرانيين يخالف عقيدته (1).

وكاتب آخر يشير في مذكراته عن الحج أن شريف مكة اعتقل 15 من خدام الحرم بسبب سوء معاملة الإيرانيين وأصدر قرارا بالحبس لمدة 15 يوما وغرامة 50 ليرة لكل من يسيء معاملة العجم (2).

ثم جاء العهد السعودي , وكان يجب على حكام إيران أن يدركوا جيدا أن السعودية كانت دوما ذات أهمية كبرى لإيران والآن ازدادت أهميتها أكثر ,ونحن الإيرانيين عندنا مثل يقول إذا أردت أن تفعل شيئا في حي أو قرية يجب عليك أولا أن تزور "كدخدا" ـ وهي كلمة فارسية تعني كبير القوم ـ وتستشيره وتستأذنه. والسعودية بمثابة الـ"كدخدا" للعرب , ولها تأثير فوق العادة في ضمان المصالح الشعبية لإيران شئنا أم أبينا.

ومما لا شك فيه أن السعودية والعرب حاولوا الحفاظ على العلاقة الثنائية مع إيران في العقود الأخيرة , ونستطيع أن نقول إنهم صبروا على إيران خاصة في السنوات العشر الماضية وأنهم بذكائهم الذاتي القديم أدركوا أن إيران والسعودية لا يمكن لهما أن تعيشا في سلام باستغناء أحدهما عن الآخر. حتى إنه بعد أحداث مكة عام 1987 لم يستمر توتر العلاقات طويلا وبعد فترة قصيرة عادت العلاقات إلى مجراها الطبيعي , ودور العرب في إعادتها لم يكن أقل من الايرانيين.

ونريد أن نشير إلى أنه في العقود الأربعة الأخيرة ونعني بعد الثورة الإيرانية لم تتخذ العلاقات بين الجانبين مسارا سلبيا ,كما يرى البعض أن تأسيس دولة دينية في إيران أدى إلى إفساد العلاقات ,بل إن العرب بوجه عام والسعودية خصوصا لم يعبأوا بسقوط الشاة ,وأعربوا عن رجائهم بتأسيس مرحلة من العلاقات أفضل من ذي قبل , حيث بادروا بسرعة بالاعتراف بالنظام الإيراني الجديدة وإرسال التهاني رغم عدم رضا الغرب وخصوصا الولايات المتحدة.

بيد أنه لم يمر وقت طويل حتى بدأ الخميني في إطلاق تصريحات يهاجم فيها الأسرة المالكة السعودية ,وبدأ في التحريض على التظاهرات في الحج , حتى أنه أصدر فتوى بوجوب هذه التظاهرات كجزء من المناسك فيما عرف بـتظاهرات "براءة عن المشركين" وكان لذلك الأثر البالغ في توتر العلاقات في زمن حكم الخميني نتيجة طموحاته في مد الثورة الإيرانية إلى الشعوب الإسلامية كافة.

وبعد وفات الخميني ومجيء هاشمي رفسنجاني إلى كرسي الرئاسة عادت العلاقات من جديد بسبب علاقته الودية الشخصية مع الملك عبد الله وأمراء العائلة المالكة ,حتى إنه من المعروف لدى الرأي العام الإيراني أن الملك عبد الله أثبت حسن نيته تجاه إيران .

ومن دلائل حسن النية السعودية أيضا أنه بعد فتوى الخميني بتحريم ذهاب الإيرانيين للحج , واستمر ذلك لثلاث سنوات , ثم عاد رفسنجاني وسمح بالحج، قامت السلطات السعودية بتقديم كامل التسهيلات للحجاج الإيرانيين.

ومن أسباب تدهور العلاقات بين البلدين موقف كليهما تجاه العراق بسبب ما كانت تفعله إيران من تدخلات موغلة في الشأن العراقي , ودعمها الكامل للشيعة العراقيين في حربهم ضد صدام ماليا وعسكريا ولوجيستيا في بداية لمشروع إيراني للسيطرة الكاملة على العراق خصوصا بعد سقوط صدام وقوة شوكة الشيعة وسيطرتهم على الأحزاب السياسية هناك، ولم يتورع خميني عن تصريحه بأنه يريد تصدير الثورة إلى العراق في الوقت الذي لم تشأ السعودية مواجهة إيران في الميدان العراقي وإشعال حرب طائفية هناك بتأليب الدول السنية على إيران للحد من طموحاتها في العراق.

حتى إنه بعد أحداث تفجير المجمع السكني الأمريكي بالسعودية في سنة 1996وأودى بحياة تسعة عشر أمريكيا اتهمت الولايات المتحدة إيران بضلوعها في الحادث وأعلنت إدانتها رسميا إلا أن الملك عبد الله قام بزيارة إيران لأول مرة بعد الثورة لحضور قمة المؤتمر الإسلامي هناك رغم أنه لم يكن من المتوقع أن يزور طهران في ذاك الوقت ردا على ما فعلته إيران في هذا الحادث.

وقد مرت العلاقات بمرحلة من التنمية والتطور في عهد خاتمي الذي كانت تعتبر سياساته امتدادا لرفسنجاني بوجه عام. وعندما جاء أحمدي نجاد المعروف بتشدده وأصدر تصريحات معادية ,وأن إيران تريد الدفاع عن حقوق الشيعة في المنطقة وتأسيسي ما أسماه الهلال الشيعي في سوريا والعراق والبحرين ولبنان، وفي المقابل لم يكن رد الجانب السعودي إلا أنهم تحفظوا في تصريحاتهم ولم يقابلوا تصريات إيران المستفزة بمثلها , بل صرحوا أن السعودية لا تنتوي تشكيل ائتلاف ضد إيران في المنطقة وأن هذا الأمر خاطئ من الأساس ,وقال الملك عبد الله إنه يمكن تدبر أمر الخلاف العقدي والمذهبي واحتوائه.

وبعد تورط إيران بشكل سافر في فيضان الدماء في سوريا وصل الخلاف بين الدولتين إلى ذروته , ورغم ذلك نرى أن السعودية لا تريد قطع علاقاتها مع إيران رغم اتهام روحاني للسعودية بأنها قامت بتخفيض سعر البترول لإضرار الاقتصاد الإيراني .. كما يعلم الإيرانيون جيدا أن دول الخليج الذين هم شركاؤها اقتصاديا ,ولها ميادين نفطية مشتركة لن يفعلوا شيئا في علاقاتهم مع إيران دون رضا السعودية.

ومن المعروف لدى الشعب الايراني أيضا أن الضغوط الدولية على إيران لا تتم إلا بتنسيق مع دول المنطقة والعرب خصوصا ومن هذا المنطلق يعتبر تحسين العلاقات مع دول الخليج خاصة السعودية حصنا استراتيجيا لإيران.

كل هذه أسباب تؤكد على ضرورة تحسين العلاقات مع العرب وهذا ما أدركه الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني منذ زمن. ونرجو أن تدرك الحكومة الإيرانية الحالية هذا ,وترجح تحسين العلاقات مع دولة مهمة ذات استقرار سياسي مثل السعودية على دول أقل أهمية وبعيدة من إيران.

???????..

[1] . جعفریان، رسول، «سفرنامه م?ه معظمه»، پنجاه سفرنامه حج قاجار، نشر علم، تهران: 1389 شمسی، ج4، ص572.

[2] . همان، « گزارش سفر حج نوشته نویسنده ناشناخته»، ص776.

[3] . همان، « سفرنامه عتبات و حج؛ نوشته مولف ناشناخته»، ج6، 754.

[4] . همان، « سفرنامه تشرف به م?ه معظمه»، ج7، ص390 ـ 394.

[5] . همان، «سفرنامه م?ه»، ج5، ص169-171.

[6] . همان، « گزارش سفر حج نوشته نویسنده ناشناخته»، ص776.

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=477]
[/URL]

[/SIZE]

التعليقات

لا يوجد تعليقات. كن أول المعلقين!
  1. جيري ماهر says:

    المعاملة بالمثل خير جزاء لهؤلا
    يجب التدخل بالشأن الإيراني ويجب انهاء الإحتلال الصفوي الفارسي للأحواز العربية وطرد المستوطنين الصفويين منها
    كذلك البلوشستان والاكراد والاذريين والكثير غيرهم
    ايران ضعيفة جدا من الداخل وبتنظار الشرارة الاولي لتفككها
    يجب على الدول الخليجية التدخل والدعم الإعلامي والعسكري ومدهم بالسلاح والعتاد والمال

  2. سعود الدخيل says:

    السعودية طول عمرها تلتزم بسياسات الحكمة وضبط النفس مع ايران التي تتجاوز كل الخطوط الحمر المحددة لها ..في رأيي الشخصي الحكمة لاتنفع مع هؤلاء لأنهم يعتبرونها ضعف وقد كانت عاصفة الحزم خير رد على إيران المتعدية على دول المنطقة العربية

  3. محمد معروف says:

    في عهد بهلوي كانت إيران متصالحة مع العالم العربي و العالم لكن القوى الدينية التي تولت الحكم حركت الصراع المذهبي للحفاظ على استقرار الحكم وقمع المعارضة بسهولة

  4. برقاوي says:

    المشكلة تكمن في العداء القومي للعرب من الفرس وليس الخلاف المذهبي أو العقدي…أو الخلاف السياسي بين السعودية وإيران. ..الفرس ينظرون للعرب منظر اليهود للعرب عليكم التسليم بذلك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *