نشرة الأخبار ليست ما يطلبه المشاهدون

[JUSTIFY][SIZE=5][COLOR=#2FA1A3]د.عبدالرحمن الحبيب :[/COLOR]

قبل الثورات العربية كانت قناتا "الجزيرة" و"العربية" تتصدران القنوات الإخبارية في العالم العربي، بينما كان وضع الفضائيات الإخبارية الأجنبية الناطقة بالعربية مثيراً للشفقة، فالمؤشرات الإحصائية توضح أنها فشلت في جذب الجمهور العربي.. لكن الوضع تغير بعد "الربيع العربي"، وبدأت تلوح بوادر ربيع فضائي!
قناة الجزيرة ترى في نفسها أنها منحازة لخط الشعوب وللربيع العربي، وكذلك ترى قناة "العربية"، تقول الإعلامية القديرة منتهى الرمحي: "طرحتُ سؤالاً عما يريده المواطن العربي من الوسيلة الإعلامية التي يتابعها، وفيما إذا كان يفضل أن تكون محايدة أو أنه يتابع محطة ذات لون يتفق معه.
فأكّدت مداخلات الجمهور أنهم يفضلون متابعة الوسائل التي لها لون أو توجه معين.. فالواضح أن الحيادية لم تعد بالضرورة سمة يطلبها المشاهد من الإعلام العربي، وهذا ربما كان انعكاساً للثورات العربية والمواقف التي اتخذت من قبل بعض القنوات تجاه هذه الثورات، من حيث الوقوف إلى جانب الشعب في التعبير عن معاناته وآلامه وآماله".الانحياز لحقوق الإنسان عمل إعلامي نبيل، بل واجب إذا كان عن كشف جرائم أنظمة مثلما يحدث في سوريا، لكن الانحياز لحقوق الإنسان يختلف عن الانحياز في تقديم المادة الإعلامية لإرضاء المشاهدين! الانحياز للشعوب ليس باسترضائها بل بنقل الوقائع كما هي وبالحياد الإعلامي والثقة بالشعوب باعتبارها قادرة على الحكم دون وصاية إعلامية أو استعطاف. هناك العديد من المؤشرات التي تلمح إلى أن المتلقي عندما يريد التأكد من الخبر في الأحداث المهمة صار يتوجه إلى مصادر أخرى غير تلك القناتين.

ليس فقط ضغط "الربيع العربي" أو شعبويته على القنوات العربية، بل أيضا ضغط الحكومات.. فيبدو أن الفضائيات الأجنبية المتحدثة بالعربية قد تحررت من الخوف أو المجاملة للأنظمة العربية، ولم تعد تواجه ضغطاً كالسابق، فالأنظمة منشغلة بشعوبها وملتفتة لفضائياتها العربية، وصارت أقل اكتراثا بالفضائيات الأجنبية. وهنا أصبحت الفضائيات العربية تحت ضغط كبير أكثر من السابق في بعض الملفات الساخنة، بينما تحرر المتلقي العربي الذي بدأ وعيه السياسي يتقدم وصار أكثر انتقائية في اختيار الفضائيات، وفي اختيار البرامج داخل الفضائيات.وثمة عامل ثالث يضغط على الفضائيات العربية التي تتوجه لعموم الجماهير العربية، وهي المحلية. فنظراً لارتفاع سقف الحريات في العالم العربي أصبحت القنوات المحلية قادرة على طرح كثير من القضايا المحلية التي كانت محرمة، ومن ثم أصبحت قادرة على جذب جمهورها المحلي أكثر من القنوات الموجهة لعموم المنطقة العربية. كما أن الجرأة التي كانت ميزة خاصة لقناة الجزيرة أصبحت متاحة لكثير من القنوات المحلية.

الفضائيات العربية تتفرخ شهرياً حتى وصلت قرابة 700 محطة، عشرات منها إخبارية إلا أن قنوات التأثير السياسي على الرأي العام العربي لا تزيد عن أصابع اليد الواحدة، وهي القنوات التي يرى كثيرون أنها ساهمت في صنع الربيع العربي، ففي استفتاء على صفحة قناة العربية على الفيسبوك حول مدى مساهمة القنوات الإخبارية في صنع الربيع العربي، أجاب ٧٢٪ بأن لها دور، بينما رفض ذلك حوالي ٢٢٪.

ثمة مؤشرات على تقدم كبير لقناتي "بي بي سي" و "الفرنسية". قناة الفرنسية 24 تدعي أن موقعها أصبح في الصدارة، وفقا لشركة TNS لأبحاث نسبة المشاهدة، إذ كانت الأولى الأكثر مشاهدة في تونس بنسبة (78%) من التونسيين الذين تابعوا الأخبار السياسية خلال ثورة الياسمين، يليها الجزيرة (75%) ثم قناة نسمة (49%) وقناة الوطنية (42%). وادعت قناة فرنسا 24 وفقا لهذا الاستطلاع، أنها القناة الثانية (14%) الأكثر مشاهدة من قبل قادة الرأي بعد الجزيرة (17%)، والثالث الأكثر مشاهدة بين السكان بعد قناة الجزيرة والعربية.وتشير إحصائيات IPSOS منتصف العام الماضي أن مشاهدي فرانس 24 العربية فاق ستة ملايين شخص وأصبحت تحتل المركز الثاني بعد الجزيرة. ويقول رئيس المجموعة ألان دو بوزياك:" منهج القناة يتوخى تعدُّد وجهات النظر عبر إفساح المجال لكل الآراء على نحو متوازن. وهذه نقطة تمايز أساسية بيننا وبين «الجزيرة» مثلاً، التي تملك مشروعاً دينياً وسياسياً واضحاً". وتقول قناتي بي بي سي وفرانس 24 أنهما تتميزان عن القنوات الأجنبية الأخرى بأنهما لا تمثلان وجهة النظر الرسمية، وفي ذلك يقول بوزياك: "بخلاف «الحرة» أو «روسيا اليوم»، ليست «فرانس 24» صوت فرنسا الرسمي، بل تعكس النظرة الفرنسية إلى العالم.. وهي نظرة عمادها الدفاع عن التعددية والحريات وحقوق الإنسان..".

يبدو لي ألان أن المتصدر هي أربع قنوات: "العربية"، "الجزيرة"، "الفرنسية"، "بي بي سي" إلا أن الأخيرتان تتقدمان تدريجياً، ولا استبعد ان تنافسان على المقدمة. لكن الوضع في حالة سيولة ويتغير؛ فمن المتوقع ظهور فضائيات بمصداقية جديدة في البلدان التي ظهرت بها الأنظمة الجديدة، وليس من المستبعد أن نرى فضائية أو فضائيتين تنافسان الفضائيات الأربع المتقدمة، فضلا عن فضائية ستظهر قريباً لتنافس بقوة وهي قناة "العرب" التي سمعنا عنها كثيراً قبل أن تأتي!
أن يضغط "الربيع العربي" على نشرة الأخبار لتتحول إلى سماع ما ترغب به الشعوب وليس سماع ما حدث بالفعل، فسوف يتحول الناس تدريجياً إلى قنوات آخرى أكثر مصداقية. المطلوب في نشرة الأخبار هو الحدث: كيف وقع وأين ومتى وما المحتوى، ليس المطلوب تلبية رغبة المتلقي، فنشرة الأخبار ليست ما يطلبه المشاهدون.[/SIZE][/JUSTIFY]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *