الخطيئة والوعي

[SIZE=5]
العبء الأثقل على كاهلي هو أن أكون كما أراد الله لي أن أكون.
من المتعذر أن تولد من جديد, إنّ هذا يكسر قوانين الله في الطبيعة، ولا أحد بوسعه تبديل هذه القوانين إلا الله الذي سنّها.
هذا القلق يساور وعيي ويستبدّ بأعصابي، ليرهق مواقع التلقي والإنتاج في شتى القوى الفاعلة في جسدي.
أين يقع الوعي؟!… هل هو انعكاس حسي محض، أو عقلي محض/، أو بينهما، أو شراكة ظالمة، أو عادلة بينهما؟ والإمساك به، أو الإشارة إلى موقعه، أو طبيعته، أو تحديد كنهه مسألة بالغة الصعوبة، لا كما يدّعيها المتحذلقون من أرباب القلم والتأمل، ولو كان أحد يعرفه، أو يحدد مكانه لمضينا جميعاً إليه منقادين بفطرتنا، نحف به ونبايعه على السمع والطاعة. وهل كلمة (الوعي) محايدة، أو متحيزة تبعاً لما تنطوي عليه من شحنات دلالية سطحية وعميقة؟! وتبعاً لاشتقاقاتها واستخداماتها في قاموسنا العربي؟! بدءاً بِجَدّ البلاغة العربية قُس بن ساعدة، ساعة انتفض قائلاً: "اسمعوا وعوا" في قلق بالغ؛ بسبب وعيه بالغيب الذي يغفل عنه المرتهنون إلى عالم الشاهدة الوثنية وألوهية الحجر؟! وهل وقوفه على منصة التوعية كان من غرور الوعي، أو تواضعه؟ وهل الوعي جدير بأن يكون فوقياً؛ لتستمر الحياة بكامل بهجتها؟.

وهل من الوعي أن يستخدم قُس بن ساعدة السجع الفاخر المموسق؛ ليبلغ حقائق خطيرة عن الغيب والموت إلى جموع احتشدت؛ لتستمتع ببلاغته الساحرة ووعظه المترنم، الذي يدمج لذتهم الحسية، فيما كانوا يغشونه في حفلات النغم والجواري الحسان، وبجرأة أوضح هل يحتاج الوعي إلى وعي؟.

الوعي بالشيء هداية مكتملة، والهداية حيّة حاضرة في سلوك الناس واختياراتهم؛ فهي ترادف النباهة والحذر والفهم، وكلها لا تغادر شرط استيفاء المعلومة الدقيقة، التي يتأسس عليها استنتاج عميق، يستحيل إلى معلومةٍ حال ثباته إزاء أي محاولة إزاحة معلومات، أو آراء مناكفة، وعندها يتحول إلى نظرية تدافع عن نفسها لإفشال كل محاولات اختراقها، وحالما تنجح نجاحها الأخير تتحول إلى مسلمة قائمة بذاتها، وتمثل المستوى الأعلى والأصلي للوعي. فالوعي الفطري يبنى على معلومة صائبة، وهذا أول ضرورات تشكله ونموه، ولذا يأتي الإسلام طليعة الوعي الإنساني؛ لأنه يستمد حضوره الواعي من المعلومة الصحيحة، الصادرة عن وحي يتكلم بصوت وجهة وثقة وله اسم ( جبريل عليه السلام)، وكان الهدف من تحقيق هذه الشروط هو تأكيد صحة المعلومة من صحة مصدرها؛ لأن هذه المعلومة تفضي إلى مواقف واثقة تحدد معالم الشريعة التي تتصف بالحكمة، والحكمة هي فاعلية الوعي واستثماره لتصويب الخطأ، ولم يُعرف أن حكيماً تساهل في قبول معلومة مخدوشة الصدقية، على عكس العوام المبتذلين الذين يزداد جهلهم، بقبولهم المعلومات المبتذلة، التي تعمق ضمور الوعي، ويتم إدراجهم في قائمة الجهلة، أو الأغبياء.

الجهل مظنة ابتذال وانحدار في الذوق، الذي هو الآخر نافذة على التلقي، والحكم على مستوى جودة ما يقع على الحس والعقل، لا سيما أن كل الموارد على الحس والعقل هي معلومات في ذاتها، ويتم التعامل معها على هذا المستوى، كالصوت الجميل والقبيح، فهما يعبُران إلى الحاسة؛ ليحققا هويةً مستقلةً عبر التلقي داخل الذوق، وعندما يحكم الذوق على الصوت بأنه جميل فهو يحدده بمعلومة(صوت جميل)، وكذلك القبيح، وكذلك المشارب والمآكل والملابس والمركب… وعليه فالوعي تراكم معلومات، يحكم على الصحاح منها بالانسجام، وعندها يكون الوعي ناصعاً راقياً منتجاً، ويحكم عليه بالضعف إذا كانت هذه المعلومات متجاورة مع تنافرها, وتكذيب إحداها الأخرى، وساعتها يلزم الفصل بين الصحيح والباطل؛ ليكون الوعي طبيعياً فطرياً متفاعلاً بإيجابية مع محيطه، وليس متناقضاً عييّاً يؤسس علاقة مخلّة، تبعاً للخلل الذي انطوى عليه ورضي به دونما تطهير، ليكون الوعي جزءاً من الجسد الذي يحوي جراثيم لا تعيق استمرارية الحياة، لكنها تُبقي الجراثيم، ويبقى الجسد حياً.

[COLOR=#FF5C00]المعلومة تستعبد الذوق[/COLOR]
الذوق تفاعل مع الطبيعة بشتى تمظهراتها وحركيتها وجمودها، إذ الجمود والجماد يبقيان فعلاً جمالياً؛ لأن لهما حيزاً ووزناً، وكل شيء يعبر عن وجوده في المكان يفرض نفسه بلون، أو صوت، ويمارس تأثيره الضروري بوجوده، ولإجبار الآخر على الاعتراف به؛ وعندها يدمج نفسه باقتدار في المشهد، حالةً قدريةً نافذةً، تتحدى إرادة الإنسان، وتتفاهم مع مزاجه، فيقبلها الذوق مرحّباً؛ لتحقيق متعة وإضافة معلومة جديدة، تتمثل في الحكم والتحديد والمقارنة والتمييز؛ فلهذا الكائن الجمالي اسم ومكان وزمان وتفاصيل، وخانة حاسمة، بين الجميل والأجمل والقبيح والأقبح.

المعلومة تتدخل تدخلاً عسكرياً في تشكيل الذوق، ويبدو هذا ناصعاً في النشأة الأولى للإنسان وذوقه؛ حيث يتحكم بسلوك الطفل ما يرد إليه من (سواليف)، أو توجيهات تصادم وعياً خالياً، فتتمكن كقواعد يقينية. وهكذا تكون التربية الأولى نقشاً على حجر، بمعنى أن وعيه بحاجة إلى جملة من القواعد؛ لأنه يحتاج نظاماً سلوكياً لا بد منه ليكون إنساناً، أو في الأقل كائناً حياً. والسلوك هنا انعكاس تراكم المعلومات على الذوق، وعندئذ يكون الذوق واجهة الشخصية، والمنصة التي تفصح عن إيمان هذا الإنسان بما ورد إليه من المعلومات وتراكم المعلومات؛ ليبدع نسقاً وسياقاً وموقفاً ومنظومة مشاعر وذاكرة. وتترسخ المواقف حسب كثافة المعلومات وانسجامها وتناغمها. والعقل آلة يمكن تطويعها حسب القناعة، والقناعة وئام بين موجودات الذاكرة التي آمن بها حامل هذه الذاكرة. وإذا انسجم العقل مع المعلومات المتسقة? حتى الباطنة منها ? وانعكس على الموقف الكلي المتجانس، يبلغ قبول العاطفة وانعكاسها على السلوك والحالة العصابية، وتستطيع حينها أن تقول: إن مشروع الذوق قد تم إنجازه ونضجت مفاعيله، ولن يختل أبداً إلا بنقض أساسه، وهو تبديل كلي، أو جزئي في المعلومات، ويمر بحالة من التشويش تنتهي إلى حسم جديد مغاير وثائر على ما سبقه، يبني انسجاماً جديداً وسياقا وعقلاً وذوقاً وعاطفة واعية، أو غافلة.

المحصلة أن الذائقة تنقاد إلى الموقف العقلي والشعوري العام، الذي ينقاد بدوره إلى مدى إيمان الذاكرة بما ورد إليها من معلومات، وبدرجة انسجام هذه المعلومات، بحيث يصدّق بعضها بعضاً. ويطّرد هذا في شتى المناشط العقلية والشعورية, ويأتي في طليعتها العمل الأدبي الإبداعي والفكري.

العمل الأدبي إبداعي بامتياز، ويلح على ركن الجمال ضرورةً وشرطاً أولياً, والجمال تقدير يخضع للمزاج والذوق، الذي يتأثر بما سبق من مؤثرات، والقبح تقدير تتناوله الأدوات ذاتها التي تحكم على الجمال، والفرز بينها هو تصحيح خطأ داخل المقارنة، أو أهليتها للوجود.

[COLOR=#FF8A00]القبح أقل درجات الجمال[/COLOR]
أبذل هذه المقارنات تمهيداً للتوغل في الموضوع الأهم: (خطيئة حافظ إبراهيم)، ولزاماً أن أطرح ثنائية القبح والجمال، بوصفهما ظاهرتين مدرجتين في سلم واحد، وإن كانتا متباعدتين، إلا أنهما لا يغادران المنظومة عينها؛ حيث يقبح الجميل ويجمل القبيح، حسب تأثر الذوق بالمتغيرات والمستجدات، وهنا يكمن الارتباك وضعف الثقة؛ حيث وهت مرجعية الحكم وأدواتها؛ لأنها تزعم أنها فطرية بدهية، وهي ليست كذلك.
المقارنات تكشف الفروقات، وبضدها تتميز الأشياء، والضد يظهر حسنه وقبحه الضد, والمقارنة والمقاربة استقبال آلي لكل ما يرد إلى الحس والعقل، ويتلوه تصنيف هذا الوارد تصنيفاً مباشراً في سلم الجمال، سواء كان مرئياً، أم مسموعاً، أم ملموساً، أم مذاقاً، أم مشموماً. ولن يغادر هذا السلم إلا إلى العدم، وليس هذا بوسع الإنسان، فليس له إلا أن يُدرج في أعلى، أو منتصف، أو أدنى سلم الجمال والقبول وما يلازمه من استمتاع قليلا كان أو كثيرا. ولن يكون الجميل قبيحاً، أو القبيح جميلاً، إلا بإثارة تشويش حول معايير المقارنات، ولا بد من قوة خارجية جبارة تزعزع معيار المقارنة، وهذه القوة هي المعلومة الجديدة البدهية المقنعة، التي تزاحم المعلومة الباطلة وتزيحها، وتنصّب المعلومة الجديدة مرجعية للعقل والذوق وإدارة المقارنات، التي تؤدي دور جهاز التحكم وتعديل درجات سلم الذوق، الذي بدوره يعيد الهيكلة السيكولوجية، وتحديد المواقف من جديد، وتنقية المزاج وتلويثه.

المجتمعات المغلقة ذات ذوق عام يدير سلوكها ونزعاتها، وهرمية الجمال والقبح؛ لأنها فرضت على نفسها طوقاً اختيارياً، يعزلها عن استقبال معلومات جديدة، تكسر الطوق، وتعيد ترتيب منظوماتها الشعورية والعقلية؛ فكل ما نسمعه عن بشاعة الأخلاق في هذه المجتمعات مرتهن أولاً بحالة الذوق الذي يتلقى هويته من مرجعية ذات تراكم معلوماتي, وتتحسن الأخلاقيات بورود معلومات جديدة يؤمن بها الإنسان البدائي.
إذاً، أزمتنا مع الوعي أزمة مع الذوق والمعلومة وآلية التلقي وأجهزة الاستقبال، وهي أزمتنا مع (خطيئة حافظ إبراهيم) رحمه الله، وأيقونته الشهيرة في (نعي اللغة العربية)، وكيف حدث الخلط الفاحش بين في الفهم والتلقين والاستقبال بين مستويات (الرثاء, الفخر, الدفاع)، وسنتفاجأ في الحديث الآتي عن الفوضى في فهم الحالة المرضية للقصيدة، و اللغة والعشوائية في كتابة الوصفة العلاجية، وكلّ ذو صلة كاملة بالوعي والذوق، اللذينِ لم يحتكما إلى معلومة صحية، أو مرجعية مؤهلة، لتوجيه أديب منبري كان محل ثقة جمهوره وأمته، وعياً وذوقاً ومعلومةً.[/SIZE]

[COLOR=#FF1700][SIZE=7]*الحلقة القادمة : (ارتباك في ثلاثية (الفخر والرثاء والدفاع))[/SIZE][/COLOR]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *