ارتباك في ثلاثية (الفخر والرثاء والدفاع)

[SIZE=5]جهاز التلقي لدينا ليس شبكة معدنية معقدة، إنما يقظة شعور وإدراك باتجاه معين يديرها الإرادي واللاإرادي، والتباس هذه الشبكة وانتظامها مشروط بالشخصية وتراكماتها وتلقيها للمؤثر البيئي، فثمة معلومة تمعن في التجهيل حتى يفقد إنسان وعيه وما يترتب عليه، من تشكل ذائقة جديدة تصدر أحكاماً حاسمة، تأخذ قالب الخبر والمعلومة كما أسلفت.

وأُرهص إلى القصيدة الأيقونة للمرحوم الشاعر حافظ إبراهيم، الذي يعدّ ثاني اثنين في الحركة الشعرية في مصر، منذ مطلع القرن الماضي حتى منتصفه، وأحرز جماهيريته العريضة من هذه الثنائية، ومن مدائحه ومراثيه لذوي الجاه والسلطان، فضلاً عن جودة سبكه وفخامة مفرداته وتراكيبه، غير أنه لم يكن من المبدعين، ولكن المرحلة كانت مرحلة المتانة والجزالة، وليس الإبداع والجدّة.

حافظ أقنع السائد آنذاك بأهليته وصدارته الشعرية، التي لا تكتفي بتوجيه بوصلة الذائقة صوب الإبداع وتصنيفه الصارم، كما ينتسب الولد لأبيه وعائلته انتساباً بيولوجياً، وحين أطعن في أهلية هذه البوصلة والذائقة، فإني أطعن في الوعي ومرجعيته، وما يفرزان من كوارث على التصور العام وصياغة القناعات المجتمعية، حيث تعصف بقوم يشقى بهم جليسهم.

حافظ ليس بدعاً من فريق المرحلة، فهو على تراكمهم ووعيهم وذائقتهم، لكنه تصدى إلى ما أنا بصدده، وإلى أيقونته التاريخية، التي (ينعى فيها اللغة العربية) وتداعياتها على الوجدان الثوري العربي، لاسيما أنها أخذت نصيبها في مناهج التعليم العربية، وتم تلقيها على أنها (نعي)، كما أراد لها الشاعر نفسه، في حين كابر البعض ووصفها بـ(الدفاع)، وآخرون نعتوها بـ(الفخر)، وأنا هنا أفحص هذا الخلط الاعتباطي، بين هذه المستويات من التلقي والتأويل؛ لأبلّغ المعطى الكارثي.

الفخر هو ذكر محاسن (الأنا) و(النحن)، والرثاء ذكر محاسن الميت، والدفاع ذكر محاسن الميت والحي, وفي هذه التعريفات للثلاثية الانفعالية باتجاه الـ(أنا) والـ(نحن) والآخر، تطّرد مفردة (محاسن)، وهي تعبير قاموسي، وليس من ادعائي؛ فأنا أرتهن للمعجم العربي؛ لأتمحور عليه في سبيل تفكيك هذه المعادلة الثلاثية المتداخلة, ويأتي في طرف المعادلة كلمة ( نعي)، بوصفها متكاملة مع الرثاء، الذي يشكّل طرفاً مهماً, والنعي هو الإخبار عن وفاة إخباراً جافاً، أو مشفوعاً بمشاعر الحزن.
النعي أشد وقعاً على النفس من الرثاء؛ لأن النعي خبر، ومن طبيعة الخبر أنه وظيفي غير إبداعي، أي أن ثمة وضوحاً ودعوة للتفاعل بتلقي الخبر وتصديقه والمشاركة في نشره؛ لتحقيق فائدة، وما يترتب عليه من تداعيات تباشر التراكم المعلوماتي، الذي يدفع بظله على الوعي، ويعدّل من صيغته تعديلاً طفيفاً، أو كثيفاً؛ فخبر الوفاة يدخل في الذاكرة، ويأخذ موضعه من مركزها ونواتها ومداراتها، ويفرض نفسه معلومةً على الوعي، ويتم هذا على نحو آلي انسيابي, وساعتها يكون خبر الموت معلومة لا أكثر، ولا يفعل أو يفتعل أي صخب للذاكرة، ولا يتنافى وطبيعة الوعي، ويتكرس أكثر، ويكون طبيعياً إذا جاء في صيغة (نعي)، محفوفاً بملابساته الاعتيادية، من الحزن والفجيعة، التي تضفي تأكيداً وصدقية قدرية على فحوى خبر النعي.

في ديوان حافظ إبراهيم عُنْونَت القصيدة الأيقونة بـ(اللغة العربية تنعى نفسها)* ومطلعها (رجعت لنفسي…).
ولست أحاكم العنوان فحسب، بل إن المرحلة كان لها ملابساتها التي صنعها عقول ورجالٌ؛ لأننا ( نعيب زماننا والعيب فينا)، ولكن ما طبيعة المرحلة؟ وما حكاية اللاوعي الجمعي الذي فرض نفسه على الأفراد، وفرضوه على إبداعهم؟.

التلقي الثوري للنعي والفخر والدفاع
زمن حافظ إبراهيم هو زمن ثورية الهوية العربية الناهضة والمتوجسة، واسترداد الأنا العربية ممن اختطفها، وما يصاحب هذا الاسترداد الثائر من انفعال، يعطل أو يفرض وصاية – ولو مؤقتة – على نظام الاستقبال الثقافي، حيث تلعب الأعصاب دور العقل؛ لأن التراكم المعلوماتي الذي تم تلقيه في هذه الفترة لم يكن ذا مصدرية سليمة على إطلاقها؛ لأن فورة استرداد الهوية تجاوز إدراكنا لفهم الهوية ذاتها بأبعادها الثلاثية (الوطني, العربي, الإسلامي)، حيث تعرضت هذه الثلاثية إلى استلاب بالغ، فكان أن تعمق الارتباك،لاسيما أن الوعي الثوري كان يميز بينها، ويتيح حيناً حالة من الانسجام، وحيناً يفتعل تنافراً عزز من اضطراب تعريف الهوية وطبيعتها، فطرح الوعي الثوري على نفسه أسئلة وجودية… هل مصر مثلاً وطن للمصريين؟ أو قلعة عروبة؟ أو حصن إسلام؟ واطّرد هذا السؤال الثقافي الملح على اللغة… هل اللغة العربية لغة الوطن، أو لغة العرب، أو لغة الإسلام؟

الحساسية المفرطة دفعت بالوعي الجمعي إلى وساوس لم تكن لتطرح لولا الاندفاع نحو الهدف دون أن نجيب على هذه الأسئلة، أو نطرحها من الأساس.
الرثاء والفخر هم دفاع اللاوعي عن متهم، بل المدح برمته هو محاولة لسد المساحة الفارغة بين الممدوح والكمال؛ لذا يبدع الشعراء في مدح المخلوق لنقصه وتسديد النقص بالمجاز والبلاغة، ولا يبدعون في مدح الله وتمجيده؛ لأن الله بلغ الكمال، فليس ثمة فراغ بين جلال الله والكمال يبدع فيه الشاعر.

الرثاء والفخر هما تصدّ لا واع ? في بعض حالاتهما- لتهمة موهومة منزوية في اللاوعي أيضاً، وهذا سر يفصح عنه الناقد الثقافي النابه , وإن لم يجد الشاعر تهمة افتعلها في لا وعيه، أو وعيه؛ لتكون خلفية ثورية للدفاع بشقيه الرثائي والفخري.
إذاً, الدفاع هو الموقف الذي يدير الانفعال اتجاه الآخر، الذي يتحرش بالهوية الثلاثية (الوطن, العروبة, الإسلام)؛ فكلها مستهدفةٌ استعمارياً، فكان أن تقولبت الثقافة العربية والمصرية ضمن خط الدفاع وحماية الخط الأحمر، بعد أن كانت يوماً ما مهاجِمة، أو نداً في أقل الأحوال.

التراجع عن خانة المهاجم والند إلى المدافع يكلف الشخصية الشيء الكثير، ويوهمها أن الدفاع سيادة وندّية، وليس الأمر كذلك. قد يكون هذا صحيحاً إذا كانت المواجهة بين خصمين حديثي عهد بمواجهة غير مسبوقة ، لكن الواقع يؤكد أن أمة العرب والإسلام دخلت في ثنائية ملتهبة مع الغرب الأعجمي الكافر، والتاريخ المباشر يشهد هذه المراوحة بين الخانات الثلاث: الهجوم, الندية, الدفاع. وأن مرحلتنا الآن هي الدفاع، الذي يعبّر عن حالة ضعف تدّعي القوة، لاسيما أن الدفاع لا ينطوي على أي مشروع معنوي ناهض؛ فدفاع حافظ إبراهيم والثوريين ليس كدفاع المسلمين في معركة الخندق، حيث كان هجوم العدو أثناء عملية بناء أمة إسلامية تبدأ من الصفر وتنهض إلى أرقام متقدمة، وقطعت شوطاً عقدياً وتربوياً ونفسياً وعمرانياً وسياسياً، فما زادها الخندق والدفاع إلا قوة في كل هذه المجالات، وهذا ما حدث، فقد كانت الحالة الدفاعية هي آخر دفاع، وما بعدها كان الهجوم والسيادة على مدى قرون.

وقصارى القول: إن ثقافة الدفاع بعد الهجوم يجب أن تصاغ على نحو يراعي حساسية الهوية، والطموح الثوري، ولتجلية المقارنة مع المثال السابق، نجد المسلمين في الخندق لم تقع معنوياتهم نهباً لفوضى انشطار الهوية والشعارات، من بين وطني وعروبي وإسلامي؛ إذ كانت إسلاميتهم هي هويتهم الوحيدة، التي أدارت صفاً واحداً وعاطفة واحدة، و لم يتعرضوا لاضطراب حزبي، أو فئوي وقع فيه ثوار المرحلة الاستعمارية، التي احتضنت ثقافة ومشروع الدفاع عن الهوية، الذي انعكس – بكل ثغراته وتشويشه- على توجس، زاد من ضعف وشعور عشوائي بالمؤامرة ضد الوجود وشروطه كاللغة، بوصفها أداة لفرض الوجود هجوماً وندية بين طرفين يطمح أحدهما في سحق الآخر، أو إقصائه.
التوجس شعور يتحول إلى أداة فهم ,لاسيما إذا كان محمولاً على قناعة تقليدية.

التوجس والقلق السيكيولوجيين من الخطر درجة متقدمة من الوعي، لكنه شعور عصابي، والأعصاب جهاز في كل جسد عالم وجاهل؛ وعليه فالقلق نشاط عصبي يتفاعل مع هجوم خارجي، والعصبية ردة فعل استثنائية، تكون طبيعية بتكرار الاستفزاز، حتى تدخل في النسق والعادة، و تتحول من العملي إلى النظري، وآنئذٍ يكون القلق من مقومات الشخصية، ويديره إدراك جاهل، أو وعي عاقل. أما في حالة الجهل، فهو أداة تفكير جاهلة، وفي حالة العقل أداة إنتاج وفعل جمالي.
(العلم لا يفكر)، تعبير أطلقه الفيلسوف الوجودي مارتن هايدغر، يُفهم منه أن الإنتاج العلمي أثبت حضوره وإنجازاته وتقدمه، دون تفكير فلسفي، أي أن العلم يفتقر للوعي الفلسفي.
إذاً، التراكم المعرفي والمعلوماتي مادي محض، لا يبدع أدواته الفكرية المستقلة، ولا يؤسس أيديولوجيا تعي الواقع كما هو، وتتوقع الخطر والمستقبل، وكم ذا وقع علماء في هنات كارثية؛ بسبب تعطيل البعد النظري، وما أسفر عنه من تداعيات سلبية، خلّفت ضرراً في الثقافة والتفكير والأمة واللغة.

اللغة العربية هي محوري الذي أرهصت له، وبذلت هذه التوطئة لأدفع بالقارئ والمتابع العربي إلى ساحة إدراك أزمة خفية، خلّفها وعي وذوق تأسسا على خطأ معرفي سافر؟ وكيف كان للثقافة التقليدية دورها السالب المنهزم في تحديد الهوية والذات ومقوماتها، كاللغة، التي تعد مفهوماً وعنصراً رئيساً في تكريس النزعة التقدمية، أو الرجعية الانهزامية. وكيف تحول الغيور على اللغة إلى محام يبحث عن مقابل وأتعاب لهذا الدفاع. وكيف جعل منها متهماً فقط، ربما ليبدع في هذا الدفاع الانهزامي المقيت.

وكيف جَعَلَنا الوعي الانهزامي نتوقف بين متناقضات داخل الذات، من دفاع عن اللغة، وهجوم على الثقافة التي تستوعبها هذه اللغة في رحب نظامها وممكناتها وإنتاجها وإبداعها.
حافظ إبراهيم يمثل أنموذجاً وأيقونة ينطوي على كل هذه السلبيات؛ فهو ممن افتعلوا تداخلاً فوضوياً بين الثلاثية؛ فلا هو فاخر ولا رثى ولا دافع! والأخطر أن تتحايل وتنتحل إحداهن طبيعة الأخرى في التلقي. وكل العواطف المحمولة على هذه الوظائف الثلاث عرضة للالتباس لضرب المخرج الشعوري، حيث تفسر أحداهما الأخرى كما أسلفت؛ لأن ثلاثية (الرثاء والدفاع والفخر) تتمحور حول ذكر مناقب الطرف المعني في النص. وبقي أن تتعرف عن كثب كيف فعلت خدعة اللاوعي فعلها الجارح والمكين في التلقي الشعوري المسطح، حتى بدا النعي شكلاً من أشكال الفخر، وما عزز لفرضية بطولة النعي واختصار الوجود البطولي في الدفاع وخط الدفاع. ويا لها من كارثة في الفهم والتفسير العصابي، ساعة يكون النعي فخراً، والموت الذليل بطولة! والأشقى أن شيئاً من هذا لم يحدث، لكنها الغيبوبة التي فرضت تأويلها على الخريطة الذهنية للأمة، ودفعت بها إلى خانة الدفاع غير الاضطراري، وكل الهزائم التي تلحق باللغة العربية هي تأويل الدفاع وتلقينه، مع بكائية كرست لمسلّمة رجعية اللغة. ولنا أن نبحث في خطيئة حافظ إبراهيم وأنصاره عبر الأجيال القادمة.

*ازدهرت هذه القصيدة في ذات السياق الانهزامي في الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية 2015 م كماهو جليّ في مواقع التواصل الاجتماعي .

[COLOR=#FF2600][SIZE=6]_ الحلقة القادمة ( تفكيك الأيقونة الأم)[/SIZE][/COLOR]

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=528]
[/URL]
[/SIZE]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *