[JUSTIFY][SIZE=5][COLOR=#4CA39F]محمد عبد الله الهويمل:[/COLOR]

معاوية رضي الله عنه ليس اسماً فحسب ,بل حالة رمزية تحولية اكتنزت دلالات ثرة ومتنوعة ومتضادة في بعض الأحيان ,وإذ من السهل على فئة كرهه فمن السهل للكثيرين حبه أيضاً لطبيعة السهل الممتنع في شخصيته ,حيث تلتقي في ساحته المتناقضات بحسب الروايات التاريخية وليس الحديثية ,مصداقا لمقولة الإمام ابن المبارك:"معاوية عندنا محنة".
معاوية رضي الله عنه ضحية النزعات الإنسانية داخل الرواية التاريخية ,هذا هو باختصار غير مخل ,شأنه شأن من أسسوا دولة أو مرحلة سياسية حاسمة, فهو متورط بتاريخية التحول بموجبها وسالبها كأبي جعفر المنصور .

حاصرت معاوية رضي الله عنه تصورات شعبية سفلى أسس لمعايير ثقافية عليا ذات صلة بالعدل والزهد ,و تراكمت ضده إحراجات استحالت إلى تهم ناضجة ,ولا سيما أن التهمة كانت ضرورية في تلك السياقات المتوترة ,ولإعطاء قيمة إنسانية للتوتر لا بد من مساحة أموية مناسبة لإنزال هذه الوساوس حيزها في الوجود. إذاً الوسواس مخلوق من حقه أن يعيش هكذا اتجه التاريخ وهكذا توقف.
بقي معاوية رضي الله عنه مادة محورية مغذية من قبيل (الحاجة تبرر الخرافة), حيث لا يجدي رجم المبادئ المبغضة دون أن تتجسد في ذوات محددة الملامح والحضور تمكّن من واقعها مبدأ من لحم وشحم, يختصر موقفاً أخلاقياً ذميماً ومتكاملاً ,وبهذه الطريقة يسهل على الغبي أو الكسول قراءة التاريخ والمشاركة في كتابته لاحقاً.

معاوية رضي الله عنه لم يكتب التاريخ لأنه كان مشغولاً بصناعته وبالمحافظة الشفافة على شعرته التي صارت نظرية طبقت الآفاق حتى عند خصومه العقائديين. وللحق أن التاريخ لم يستطع أن يدخل قصر معاوية بسهولة حيث كان مضطرباً متناقضاً في وصفه وما يدور فيه, ربما لأن دخوله محرج , إذ سيكتب خلاف ما يرى.ما بلغنا عن أمير المؤمنين معاوية مرتبك ,ولكن هذا الارتباك يطّرد في من هم أكثر تقوى منه فالمرويات الشيعية توجه ضد الصحابة روايات لا تقل سوءاً عن معاوية ,وتحيطها بتصورات منسجمة , لتفعيل معطياتها ,ولإعطاء مصداقية لمسانيدها بوصفها رصداً تاريخياً دقيقاً ومنضبطاً.
الشيعة أشد خصوم معاوية بقوا مئات السنين بمعزل عن الفعل التاريخي ,لكنهم كانوا يتابعونه من خلال إيديولوجيا المظلومية .وهو شعور طبيعي ولا إرادي وعصّي على السيطرة .وإذا كان شعورك لا إراديًا فإن كتابتك لا إرادية على عكس مسار التاريخ الذي يمكن وصفه دون إرادة واعية لله والإنسان وهنا تكمن إشكالية كبرى مؤداها تاريخ إرادي تكتبه ذاكرة وقريحة غير إرادية.

معاوية رضي الله عنه زاخر بالمفاجآت في حياته ,وطبيعة المفاجأة تستعصي على التفسير اللحظي ,وتبلغ مبلغ الصدمة في بعض السيكولوجيات ,وتتخذ القرائح المفسرة سبلاً في التعامل معها .لكن كيف يتعامل الوعي الشعبي الاختزالي مع مفاجآت معاوية إزاء محاور خطيرة كموقفه من مقتل عثمان رضي الله عنه وحرب علي رضي الله عنه واستخلاف ولده ,وفي الآن ذاته محبته لعلي وموقفه الصادق النزيه لمقتل عثمان والبعد الثقافي الخفي خلف استخلافه ولده.
ما تتجه إليه الدراسات الأكاديمية الحديثة بشأن هذه الجوانب المشوشة بطروحاتها التحقيقية التحليلية لا يتجاوز تنزيه معاوية عن مطاعن الروايات من تناقض أو أسانيد مهلهلة اصطلحت نخب تاريخية بدءاً بوليد الأعظمي في كتابه (الحسام اليماني في نحر الأصفهاني) ,فكان فاتحة إلى ضرورة التفريق بين تلقينا للحقيقة والإبداع الأدبي وكيف كانت لذة الإبداع تفسر لذة الحقيقة.سيكولوجيا العصر الحديث تفرق بين إثارة الحقيقة والفن وهذا سرّ فتح ملف معاوية من جديد وكم كان هذا خطراً على أعداء معاوية لأن الإبداع الفني هو الذي صاغ معاوية تاريخياً, وجاءت الحداثة لتفتش عن ملامح معاوية بعيداً عن إضافات المبدعين فلا حيز هنا إلا للعلم.
أعداء معاوية أدركوا هذا المتطلب العصري فكثفوا التشنيع عليه بعد أن اتجهت الأمة في بحوثها إلى تقدير معاوية للحس الفطري والشرط العصري وفض التناقضات في شخصيته ووضعوا عقولهم أمام سؤال حاسم: إما أن يكون معاوية فاجراً أو صالحاً ولا تصيف ثالث له. وأقبل المسلمون على محبة أمير المؤمنين معاوية ولاسيما بعد صعود الإعلام والشعائر الشيعية التي تدمج معاوية ذماً مع أبي بكر وعمر وعائشة رضي الله عنهم جميعا فكان الغباء الشيعي أن دفع بمعاوية إلى الطابور الطاهر ليكون واحداً منه ووحدة طهورية فيه.

هذه الصدمات ضربت من جديد في وعي الأمة ككل لا سيما بعد انحسار المد الثوري اليساري وكتّابه الذي مكّن لمزيد من سب معاوية بوصفه ملكياً وأيضاً لصعود الحس السلفي عند الإخوان وتصحيح مفاهيمهم العقدية والتاريخية وكذلك صعود حدة المواجهة بين السنة والشيعة حول قضايا كلية أفشلت من محاولات الشيعة بتحييد السنة بشأن معاوية وعزله عن جملة الصحابة فما لبث إلا أن عاد معاوية صحابياً جليلاً عادلاً محباً لعلي ومختلفاً معه لتنتهي التناقضات عند هذا الجلاء المنطقي ولم يكن هذا إلا بالجدل والبحث الذي دافع بعلمية رفيعة عن الصحابة وشملت هذه الحجج معاوية كمتورط في مظلوميتهم.
الليبراليون خدموا الموقف الشيعي ضد معاوية وأثاروا شبها حوله خدمة للإيديولوجيا والمشروع الليبرالي وكان الهدف الطعن في التجربة الأموية بوصفها حاضنة لمشروع تدوين السنة وللجرأة على الصحابة بدءاً بصحابي من الدرجة الثانية (معاوية) ليمتد لمن فوقه .إذاً اتفق الشيعة والليبراليون واليسار الثوري ضد معاوية وكلهم لا يمثلون الأمة .وهجومهم هو جاء ضمن الهجوم على التراث الإسلامي والسني تحديداً.
المحصلة أنضجت معادلة تنتهي إلى أن الأمة تعيد قراءة معاوية بعد أن تلبست به تشويهات أشبه بعملية جراحية .والتصحيح التاريخي يقول بعدالة معاوية ,وأنه كان أهلاً للخلافة بعد علي وولده و(شعرة معاوية) دليل على الحنكة العادلة.ويمضي في هذا المسار إقرار شبه مجمع عليه أن الأنظمة الثورية في هذا القرن أسفرت عن دموية وتخلف وانحراف عن الدين في حين كانت الملكيات أكثر رحمة والتزاما بالشريعة.
الأمة تجدد بيعتها لأمير المؤمنين معاوية وأنا أبايعه محبة له ولعلي.
[/SIZE][/JUSTIFY]

التعليقات

9 تعليقات
  1. أحمد وصل الله says:

    ما اروع ان يكون الشاب مستقلا في فكره وجريئافي رأيهمتنبها للعبة الاعلام حيث التطبيل للعصرنة او الزندقة والتنفير من كل ما هو قديم وديني , نعم كل الحملة على معاوية اساسها الكره للدين واهله , نحن يا سادة لا نتكلم عن فيزيا ولا عن غيبيات حتى ياتينا عدنان ابراهيم ويشككنا في ديننا ان كل شيء في الدين اخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى الاشياء التي لم تقع في عهده اخبرنا بما فيها خروج عائشة رضي الله عنهاوقتل عمار (تقتلك الفئة الباغية ) و موقعة الجمل ذكرت في السيرة فلا مجال للحيرة ولا مجال للتهويل

  2. محبة معاوية وعلي says:

    وأنا أيضاً أبايعه محبة له ولعلي !

  3. محمد الحسن says:

    من شنع على معاوية كان بسبب منازعته وقتاله علي رضي الله عنه محبة بمن قال ( من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والي من والاه وعادي من عاده )
    لكن السؤال لو ان معاوية نازع وقاتل عمر رضي الله عنه هل ستسطر هذه المقالة بحقه ارجوا الرد بصدق

  4. kyoho says:

    "وكم كان هذا خطراً على أعداء معاوية لأن الإبداع الفني هو الذي صاغ معاوية تاريخياً, وجاءت الحداثة لتفتش عن ملامح معاوية بعيداً عن إضافات المبدعين فلا حيز هنا إلا للعلم."

    استوقفتني هذه العبارة كثيراً , فهل حقا يظن الكاتب إن الابداع الفني لم يعد يصيغ تاريخ أي شخصية ؟
    فربما الكاتب كان يقصد الإبداع الفني الكتابي ولم ينتبه إن الإبداع الفني السينمائي قادر على أن يصيغ تاريخ وهوية أشخاص وجتمعات بأكملها أيضا
    لو كتبت 100 مقالة تناقش ماكتب في معاوية رضي الله عنه بكل حيادية وتحرت الحقيقة في ذلك , وأنتج فلم سينمائي واحد مشكوك في معلوماته لكان الفلم أكثر تأثيرا على عقول الناس , إذا كان ما يهمنا هنا هو تثقيف الناس كلهم وليس فئة مثقفة مخملية

  5. ابوعبدالاله says:

    لقد تم اختصار خبرة معاوية رضي الله عنه في حكم بلاد الشام 20 سنة واليا و20 سنة خليفة : كيف ابقى بلاد الشام مصونة من الروم قادرة على الجهاد رغم محنة اغتيالات الخلفاء اختصار كل ذلك في انه اول من حول الخلافة الشورى ال ملكية وظلم علي بن ابي طالب رضي الله عنه وابنه ظلم الحسين ابن علي رضي الله عنهما ! وبنفس الوقت اختصر تاريخ علي والحسن بن علي رضي الله عنهم انهم مظلومين فشلوا في مشروعهم !
    لم يكن هذا الاختصار يتم لولا غباء وانتكاس في العقل السياسي لبعض من اتهموا في التاريخ انهم علماء !
    فاول ابن تبع اباه في الخلافة هو الحسن بن علي وليس يزيد بن معاوية ! لماذا بقيت هذه تائهة عن مغفلي علماء التاريخ السنة وشيوخهم ؟؟؟؟
    وثم فان الحديث الصحيح حديث ام حرام رضي الله عنها في البخاري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم فال : اول جيش من انتي يغزوا مدينة قيصر مغفور لهم ! وكان ذلك الجيش جيش معاوية بقيادة ابنه يزيد ومن جنود يزيد الحسين بن علي وابو ايوب الانصاري رضي الله عن الجميع ! اي انهم كلهم في الجنة نزع الله ما صدورهم من غل اخوانا على سرر متقابلين ! ثم ياتي من يقوا اته سلفيا ليقول انه لا يحب يزيد ولا يسبه ! الهذه الدرجة ذهب العقل عند المسلمين ؟؟؟؟؟ !

  6. rooz102010 says:

    الللهم اعز الاسلام والمسلمين

  7. أبو فراس says:

    لله درك يا أستاذ محمد!

    أنا من المتابعين لمقالاتك في المجلة الثقافية بصحيفة الجزيرة ومن المعجبين بطرحك وبأسلوبك

    سر بارك الله فيك

  8. ام خالد says:

    على مر العصور نرى كره الشيعه لمعاويه والتشكيك بالصحابه وهذا ليس بغرىب عليهم وفي عصر التكنلوجيا اصبحت المعلومه سريعه وميسره للاطلاع والبحث والكشف على اكاذيبهم

  9. سعد بن ظافر الدوسري says:

    بارك الله وجعلها في موازيين حسانك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *