تفكيك الأيقونة الأم

[SIZE=5]أخوض في النص (الأيقونة الأم)، والنواة الأولى، التي نظّرت لشلل الإرادة العربية، وراوحت بجهل فاقع بين وظائف ردّات الفعل، وتبليغها للتلقي العربي؛ ليكون الفخر مرادفاً للنعي، والرثاء معبراً عن الدفاع، فغلب الشعور الأكثف (الرثاء)، لتوفر شروطه في النص؛ وليكون هو الغرض الأوحد من النص، والبقية (الدفاع والفخر) من خداع اللاوعي

القصيدة الشهيرة تُفتتح ببيت:
رجعتُ لنفسي فاتهمتُ حصاتي وناديتُ قومي فاحتسبتُ حياتي

جاءت القصيدة على البحر الطويل والقافية التائية المكسورة. وللبحر الطويل إيحاءاته الرمزية الموغلة في التراث، فقد كان وزناً فخماً، وربما كان واجهة الشعر الجاهلي، وجاء كثير من المعلقات ذات الجزالة على إيقاعه، ثم تخفف منه الذوق العربي لاحقاً, وصار كأي وزن آخر، بل يقل في زمننا هذا من ينظم عليه، ربما بسبب خلفيته الأدبية، أو ثقله، أو طوله، أو عدم تناغمه مع الإيقاع العصري الذي يستهوي الشعراء الجدد، ولكنه بقي حاضراً في زمن حافظ إبراهيم , يؤدي دوراً معنوياً خاصاً، ولعل قصيدته هذه تندرج ضمن هذا الدور، لاسيما إذا لازمته قافية مكسورة؛ فالكسرة تعطي انكساراً فعلياً، إذا كان المناخ سوداوياً، و دوراً مضاعفاً في تعميق الفقد والهزيمة.

وتفكيك اللغة هنا يتجه إلى فضح التباس الوظيفة الشعورية بالوظيفة الشعرية، لاسيما أن القصيدة عُنونت كما في الديوان بـ(اللغة العربية تنعى حظها بين أهلها)،ويا له من عنوان! . قد يكون من اختيار الشاعر، أو من اهتموا بأثره، فإن كان مِن وضعه فهي النواة، وإن كان مِن وضع مريديه , فتلك هي المدارات التي تنداح إلى مدارات أبعد، فطالتنا وطالت إعلامَنَا وتعليمَنَا ووعَيَنا.

تأتي كلمة ( تنعى) في مطلع العنوان الذي يمارس مهمة تفسيرية وليس تسمية فحسب, لاسيما إذا كان طويلاً اكتملت فيه أركان الجملة، من فعل وفاعل وتوابعها من مفعول وجار ومجرور وصفة، وهي قلما تتوفر في عنوان لرواية، أو قصة، فكيف بقصيدة؟! فما السر وراء هذا العنوان الرثائي الممتد، الذي يلعب دوراً خطابياً، لاسيما أنها صيغت صياغة خبرية، والخبر صحيح و ذو طبيعة حاسمة _بحسب ناقله_ والمطلوب من المتلقي المشاركة في مراسم تشييع الجنازة.

العنوان جنائزي، والروح مهزومة، والقصيدة قبورية. وعشاق الحياة والمستقبل هم الأحياء، من عرب وغير عرب، سيتعاملون مع هذا الميت كأي ميت آخر، من تشييع ودفن، وبكاء تقل حدّته تدريجياً، حتى كأن شيئاً لم يكن، وكأن ميتاً لم يمت.
هذا هو الانطباع الذي ولّدته هذه البكائية الخبرية، وهذا النعي المباشر من شاعر تقليدي ,كثير الشعر قليل الابداع. وكثيراً ما تنعقد مقارنة صحيحة بين قوة الإبداع وقوة الوعي بالحالة الشعرية ذاتها؛ فالذي لا يفهم الإلهام الشعري ويصفه بدقة يتعذر عليه فهم نتاجه، وهو الإبداع، وهنا يبدو الضعف والقوة عند الشعراء بحسب الضعف والقوة في استشعار واستيعاب الإلهام الشعري وعلاقة الشاعر به، وعندها تعود (المعلومة) التي أُلّح عليها لتتدخل في تحديد هذه العلاقة، وتضيف النتاج، ولحظتها تكون أزمة المعلومة أزمة ملحة ومتجذرة لدى كثير من مثقفي وشعراء تلك المرحلة، ومراحل أخرى.

حافظ إبراهيم شاعر منبري لا أكثر، والمنبر أداة لتوجيه الرأي، أي أنه زخم من المؤثرات اللغوية العلمية، تتجه إلى المستهدف الذي لا يكاد يحدد مصدر هذا التأثير، إن كان من ذاكرة، أو قريحة؛ فالبكاء ?مثلاً – استجابة لصوت صدر عن المنبر، فالذي يبكي بسبب أخبار نثرية هو نفسه الذي يبكي بسبب أخبار شعرية، فهو مهيّأ للاستجابة فحسب, ولن يفتش كثيراً في أي ملابسات قد تكون ضرورية في هندسة الوعي، الذي بواسطته يستطيع تحديد الصواب والخطأ، ومن ثم تأسيس موقف منتج، يدرك المشكلة، ويطرح الحل. والمشكلة أن القريحة هنا استبدت بدور الذاكرة والحواس الطبيعية في تحديد الخطر المحدق باللغة؛ لأن القريحة محدودة الشاعرية لا تحدد الخطر على اللغة، بل ولا تعي اللغة ذاتها، وهذا هو حافظ إبراهيم ومدرسته، التي امتد منها وامتدت منه، وصبغ هذا في هوية الجيل الجديد.

قصيدة حافظ إبراهيم (رَجَعْتُ لنفْسِي فاتَّهمتُ حَصاتِي):
رَجَعْتُ لنفْسِي فاتَّهمتُ حَصاتِي
وناديْتُ قَوْمِي فاحْتَسَبْتُ حياتِي

رَمَوني بعُقمٍ في الشَّبابِ وليتَني
عَقِمتُ فلم أجزَعْ لقَولِ عِداتي

وَلَدتُ ولمَّا لم أجِدْ لعرائسي
رِجالاً وأَكفاءً وَأَدْتُ بناتِي

وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظاً وغاية
وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ

فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلة
وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ

أنا البحر في أحشائه الدر كامنٌ
فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي

فيا وَيحَكُم أبلى وتَبلى مَحاسِني
ومنْكمْ وإنْ عَزَّ الدّواءُ أُساتِي

فلا تَكِلُوني للزّمانِ فإنّني
أخافُ عليكم أن تَحينَ وَفاتي

أرى لرِجالِ الغَربِ عِزّاً ومَنعَة
وكم عَزَّ أقوامٌ بعِزِّ لُغاتِ

أتَوْا أهلَهُم بالمُعجِزاتِ تَفَنُّناً
فيا ليتَكُمْ تأتونَ بالكلِمَاتِ

أيُطرِبُكُم من جانِبِ الغَربِ ناعِبٌ
يُنادي بِوَأدي في رَبيعِ حَياتي

ولو تَزْجُرونَ الطَّيرَ يوماً عَلِمتُمُ
بما تحتَه مِنْ عَثْرَةٍ وشَتاتِ

سقَى اللهُ في بَطْنِ الجزِيرة أَعْظُماً
يَعِزُّ عليها أن تلينَ قَناتِي

حَفِظْنَ وِدادِي في البِلى وحَفِظْتُه
لهُنّ بقلبٍ دائمِ الحَسَراتِ

وفاخَرْتُ أَهلَ الغَرْبِ والشرقُ مُطْرِقٌ
حَياءً بتلكَ الأَعْظُمِ النَّخِراتِ

أرى كلَّ يومٍ بالجَرائِدِ مَزْلَقاً
مِنَ القبرِ يدنينِي بغيرِ أناة

وأسمَعُ للكُتّابِ في مِصرَ ضَجّة
فأعلَمُ أنّ الصَّائحِين نُعاتي

أَيهجُرنِي قومِي-عفا الله عنهمُ-
إلى لغة لمْ تتّصلِ برواة

سَرَتْ لُوثَة الافْرَنجِ فيها كمَا سَرَى
لُعابُ الأفاعي في مَسيلِ فُراتِ

فجاءَتْ كثَوْبٍ ضَمَّ سبعين رُقْعة
مشكَّلة الأَلوانِ مُختلفاتِ

إلى مَعشَرِ الكُتّابِ والجَمعُ حافِلٌ
بَسَطْتُ رجائِي بَعدَ بَسْطِ شَكاتِي

فإمّا حَياة تبعثُ المَيْتَ في البِلى
وتُنبِتُ في تلك الرُّمُوسِ رُفاتي

وإمّا مَماتٌ لا قيامَةَ بَعدَهُ
مماتٌ لَعَمْرِي لمْ يُقَسْ بمماتِ

الأنا المتكلمة بوصفها المحامي
الشاعر استخدم ضمير المتكلم نيابة عن صاحب أو صاحبة الشأن، دون استئذان، وهذا في كثير من الحالات اعتداء فحولي، ومصادرة لحق المعنيّ، وتعبير قسري عنه وعن حاله وموقفه، بل فرض وصاية على ماهيته ورأيه ومصيره، وهنا تغيب شخصية اللغة العربية؛ فهي غائبة خلف محامٍ يطلق مرافعات عزاء باسمها، ومن دون أن يدقق في ملف القضية، ومرد هذا الاحتكار إلى الذات الثورية* العصابية، التي تتوجس نيابة عن الهوية والأمة، وتشخّص الداء وتطرح الحل الثوري. هذا الاحتكار ممكن منه ومن غيره , لكن الإخفاق في هذا التمثيل جعل الوصاية ظالمة , انتهت إلى مظلومية كبرى ألحقها حافظ بالعربية .

اختزال الآخر في الأنا شبه إلغاء لوجوده، ما يدعم فرضية أن اللغة ماتت واقعاً، أو هو موت ثانٍ، وقد يقول قائل: إنها هي التي تتكلم وتنعى نفسها، لكن سلطة الضمير المتكلم بإملاء خارج اللغة، والنص يصرف الانطباع التقليدي عن أن اللغة تتحدث عن نفسها، حيث تكون أبلغ درجات التفسير عن الآخر وأكثرها خطابية أن تستلب أحد مقومات حضوره ، وهو ذاته المتكلمة، والتكلم لا يكون إلا بضمير وجداني ولغوي، وغير هذا يكون افتئاتاً، أو ترجمة غير أمينة أو واعية.

وهذا الافتئات أخذ مداه الرحب في مدار اللغة والفكر والثقافة، وأخذت الأجيال الغيورة على اللغة تردد هذه الشعارات التي ضربت في أعماق إرادة اللغة والأمة، وكرست لانسجام ثنائية متناقضة، وتعزيز أهلية العنوان المريض (اللغة العربية, المرأة المريضة)، قياساً على الدولة العثمانية (الرجل المريض)، وهو وصفيّ محض، أطلقه من تنبؤوا بزوالها التدريجي أو نهوضها الممكن.
*أنا أنتقد الثورية التي ليست في سياقها الصحيح .

الضمير المتكلم هنا يعبر عن مؤنث, فاللغة كما يبدو معطىً وطرف أنثوي لغةً ودلالةً.

استلاب شخصية الأنثى :
قدرُ مفردةِ ( اللغة ) أن تكون مؤنثةً في قاموس اللغة العربية، وتحاصرها أفعال وضمائر وأسماء إشارة وموصولة… وكلها لا تشي إلا بأنثويتها المطلقة في التصنيف المعجمي، ولعل عنوان نص حافظ إبراهيم (اللغة العربية تنعى حظها بين أهلها) كثف وطوقها بالضمائر :(ت)، (ها)، (ها)، وفي سياق رثائي بحت.

الأنثى في النسق الثقافي واللغوي ذات خصوصية وطبيعة تنفرد بها عن الذكر بحسب تكوينها الجسدي والنفسي والعاطفي، جعل منها كائناً مختلفاً عنه اختلافاً تكاملياً لا تنافرياً، لكن غوغائية النسق والثقافة الشعبية فسرت هذا الاختلاف تفسيراً طبقياً، صبغ أجزاء كثيرة من الوعي العام بهذا التفسير المتجاوز، حيث صارت الرقة والحنان ضعفاً؛ لتتدخل الطبيعة الشعورية في تحديد مركزية الأنثى داخل هذه الثنائية.

حافظ إبراهيم ارتهن آلياً إلى هذا التصنيف، واختزل اللغة في ضمير مؤنث، ولا سبيل له غير هذا؛ وهو بهذا يكرس التعاطي التقليدي الشعبي مع الأنثى كمعطى لغوي ومن ثمّ إنساني؛ لأن اللغة – تذكيراً وتأنيثاً – تعطي وظيفة نسقية للطرف الذي تم تصنيفه، وهي عملية تلقائية لا تَكَلّف فيها؛ فعرب الجاهلية قالوا: إن الملائكة بنات الله، أي التلقائية التصنيفية فعلت فعلتها في الحواس؛ لأن هذا انطباع أولي وحاد، يفرضه الانقياد للقاموس وبلاغته ودقته التي عُرفت عن العرب.

إذاً، حضور الأنثى بكل استلاباتها هو الحضور الذي مثّل شخصية اللغة العربية في القصيدة وتداعياته في تيار حافظ ؛ فعبّرت عن نفسها بالصوت الناعم (الضعيف) المتهدج؛ إذ هي ترثي نفسها، وتكون عندها أقل مقاومة لدواعي الموت ( الاحتضار)؛ بسبب أنوثتها التي تم تصنيفها نسقياً وشعرياً، وهذا ما أكد عليه حافظ إبراهيم فهو حكم عليها بالأنوثة والضعف تبعاً للقاموس، فكان مشهداً جنائزياً فريداً، يبعث على التسليم بالواقع الحتمي.

الأنثى طرف مختلف، وكلٌّ يدرجه نسقياً حسبما تمليه عليه خلفيته وعقده وإيمانه الراسخ بثقافته، فهل تلك المرحلة نسقية بالمعنى السلبي للتصور العام؟ وهي التي دشنت لمشروع قاسم أمين، الذي لقي قبولاً ورفضاً من المجتمع المصري، وصادف تأييداً من لدن حافظ إبراهيم، لكن حقوق المرأة المطروحة في المشروع القاسمي قضية قانونية لا تتماس مع كينونتها مباشرة، ولن تضيف إليها بعداً بيولوجياً، أو عاطفياً، ولن تعدل في بنيتها الأنوثية؛ فهي تنطوي على شروط حواء بالدقة الأولى للنشأة الأولى، من رقة بنائها وضعفها الجذّاب.

إذاً، القاموس فرض على حافظ ومن قبله وبعده أن يقدم اللغة العربية في النص طرفاً مؤنثاً، إزاء مذكر متوثب متربص، يهاجمها نثراً، لترد هي شعراً، في بكائية من بكائيات الخنساء، التي تبدع في تقديم أنوثتها، في رثائيات اختزلت مصيرها ومكانتها الشعرية والوجودية.

ياء المتكلم = التاء المكسورة
القافية المتحركة تنفس موسيقى ثائر، أو حزين، أو محايد مطمئن… وهذا النفس يعمق الدلالة الكلية للبيت والنص؛ فالقوافي المتحركة و الساكنة تمارس وظيفة محددة, فالقافية المضمومة والمكسورة والمفتوحة تؤدي دوراً تبليغياً عفوياً متماثلاً، فليس ثمة حركة حزينة وأخرى ثائرة، فكلٌّ محكومٌ بالصوت العام، ويصبغها به، ويوجه النغمة، ويملؤها باتجاه عاطفي محدد,؛ لأن حاسة النغمة ونبض النبرة محايدان في تبليغ الدلالة الشعورية. ومن ثمّ فالقافية التائية المكسورة في ذيل البحر الطويل، تم توجيهها طوعاً إلى الدلالة السلبية؛ لأن عاطفة الشاعر تفرض سلطتها على اللغة؛ إذ اللغة أنثى مطواعة بحركاتها ونبراتها. وتأتي تلقائية التاء المكسورة لتبذل وساطة قانونية لمشاركة ياء المتكلم، لتماثل المُخْرَج الصوتي وامتداد الياء للكسرة، وليسهل ممارسة الياء دورها دونما عناء؛ لأن حضورها محوري، فـ( اللغة العربية في النص تنعى حظها بين أهلها) كما قال الشاعر، ولا بد من ياء متكلم تنقذ الشاعر من ضمائر المخاطبة.

وياء المتكلم تحكي الإفراد والانفراد، وليس التفرد- أي الأنا – بكل ضمورها المنتبذة مكاناً قصياً في مواجهة الجمع: (رَموني). واو الجماعة التي تعطي معنى الكثافة في النص إزاء الطرف الوحيد الأعزل المختزل والمتكور على نفسه في ضمائر المفرد وقافيته (المكسورة)، لاسيما أنها استغاثت بأنصارها: (وناديت قومي).

خطيئة لغوية صوتية فاضحة يرتكبها حافظ، ساعة يزج بها إلى التلقي العفوي. هل كان يعي حافظ هذه العشوائيات وما تفعله في إرادة أبناء اللغة، الذين ستذهب طاقاتها في رفع النبذ والعزلة المرضية عنها، كما شاء لها حافظ ورفاقه، بدلاً من تصعيدها للعالمية ؟.. لا بد أولاً من علاج الوهم، ثم نشتغل لاحقاً لعالميتها… خطايا النسق بددت الجهد والوقت.
تكثيف الآخر
إن كلَّ خطاب كلامي محمول على شبكة صوتية، تتسرب في مسامات النسيج العصبي والجوارحي، وتصادف تفسيراً لحظياً، يتمظهر في التوتر الداخلي سلباً وإيجاباً، وللنبرة المموسقة والجافة دالتها إلى ثغرات التلقي العفوي، درجة أن النبرة ذاتها تستحيل إلى معلومة موازية، تعطي تأويلاً إضافياً للحروف التي اتحدت في كلمة , و( الاتحاد قوة )، ومضت باتجاه التأثير، سواء كان تثقيفياً، أو إمتاعياً.

يذهب رأي حكيم إلى أن النغمة تباشر الأذن، لكنها لا تأخذ قيمتها الفنية والتأثيرية إلا من الذاكرة، أي أن الصوت يتناغم مع خلفية ثقافية خاصة بفرد أو مجموعة، ويفتعل صخباً في الجزء المهمل من الذاكرة، أو يتكامل مع الجزء النشط منها، ليصطف ضمن الموجودات، أو يمارس حركة تدفع بهذا الأرشيف المطمئن إلى الحس والعصب، ثم يأخذ مداه السالب والموجب، وكلاهما مقبول ومستحسن، يتجلى في الاستمتاع بالفرح والحزن، وظلالهما في الذاكرة. إنها جملة من المصادفات تصطف عشوائياً، لذا كانت تلك النغمة أو النبرة محببة لذوق وذاكرة، وليست كذلك في أخرى.

تبقى هناك الذاكرة الجمعية التي يشترك في معظمها أفراد مجتمع أو أمة , تلقت المؤثر من المرجعية الثقافية، وأسست لها موجودات في الذاكرة، وانتظمت بكيفية ما، وصار تَلَقّيها وتأويلُها جمعياً إجماعياً، أو شبه إجماعي.
الأسماء والأفعال حروف، اتحدت لتحدث دوياً صوتياً يدفع باللفظ ومعناه إلى فراغ وصدى، ويمضي تجاه الأذن والذاكرة والعصب والجوارح، وهذه التراتبية الشفافة ضرورة لندرك حساسية الصوت ونبرته، في تأكيد صحة المعلومة، وإحداث التأثير وتوجيه الموقف؛ لذا اعتمد الشاعر على لغة ووزن وقافية كان لها دور في ترسيخ الخطأ والصورة المزيفة، تبعاً لملابسات النص قصيدةً وأيقونةً, ليتجلى مجدداً رأي الحكيم السالف في ممارسة النغمة والنبرة دورهما الفيزيائي في الذاكرة لتشكيل الرأي العقلي أو العصابي.

تفكيك الشبكة الصوتية للغة النص
النص كما هو في ديوانه ومناهجنا وإعلامنا يُفتتح ببيت تطغى عليه الأفعال الماضية، فهو ماضوي إعراباً: (رجعتُ, اتهمتُ, ناديتُ, احتسبتُ)، فهذه الأفعال الأربعة لها فواعل مضمرة، أي أن الفاعل يبادر بالتواري المبكر، وهكذا هو المتهم الذي هو مهين ولا يكاد يبين، أو هكذا أراد له الشاعر، إنما لن تجد في النص الفاعل (اللغة العربية) يصرح بنفسه لفظاً منتصباً في منصة الظهور والتمكين، بل هو موزع بين (تاء الفاعل, ياء المتكلم, ضمير مستتر)، ويبدو هذا الضعف المطل بجزء من رأسه – أو المتواري كلياً ? إزاء طرف مهاجم يفخمه الشاعر في ضمير الجمع (و)، ما يعني أن المواجهة بين مقاومة ضعيفة، إزاء جمّ غفير من المهاجمين الفحول، ما يعطي انطباعاً يشي بأن دورنا كما توحي به نبرة النص أن نبقى متفرجين مشيّعين, ندعو للعربية بالرحمة، وبعدها يتعزز افتراض ألاّ نتعامل معها إلا كضريح يقطن فيه ميت، لا يعطي ولا يأخذ، أي أنه خارج الزمان والمكان، لا خارج الزمان وحده.

فتأمل، كيف مارست الضمائر الممثلة للعربية المنعيّة وواو الجماعة للمنتصر الفحل دورها في الإيحاء السالب، وكل هذا نتاج طبيعي لجهل تشخيص الحالة والهوية اللغوية، الذي روّج لها كثير من رواد مرحلة (الإحياء) ومدرستها، على صعيد الذوق والوعي والأزمة، إنهم – كمنصة شعرية عملاقة – سوقوا لمفاهيم جعلت منهم قادة رأي، وليس فقط محترفي كلمات وأوزان وقواف.

الفعل الماضي الذي فرض نفسه على قطاع من خريطة النص فرض حالة إلزامية من الالتفات للوراء، أثناء مواجهة مع خصم لا يحدّق إلا في الأمام، والملاحظ أن الأفعال الماضية تزدهر حضوراً في الشطر الأول من القصيدة، ثم تتراجع أمام حضور الأفعال المضارعة الضارعة، التي تبرز لتعميق حال الاحتضار؛ لأن المحتضر يستخدم المضارع الدامع، وهكذا حال المحارب الضعيف، يبقى متردداً مرتبكاً في استراق النظر المرتعب، بين الخلف والأمام.

وإليك هذا القاموس الجنائزي الذي نخدع فيه أنفسنا حين نصفه بقصيدة ( فخر)، أو ( دفاع)، والذي جعل الرثاء حالة فخرية ودفاعية، ما كرس الهزيمة بوصفها انتصاراً. وما يلي التعبيرات السلبية في سياق عام أو خاص: (رجعتُ, اتهمتُ, ناديتُ, احتسبتُ, رموني بعظم, ليت, عقمتُ, أجزع, عداتي, لم أجد, وأدتُ, كيف, أضيق, الغواص, أحشائه, يا ويحكم, أبلى, تبلى, الدواء, أساتي, لا تكلوني, أخاف, وفاتي, لرجال الغرب عزاً ومنعةً, يا ليتكم, ناعب, وأدي, تزجرون الطير, عثرة, شتات, أعظماً, تلين قناتي, البلى, دائم الحسرات, الأعظم النخرات, مزلقاً, القبر, نعاتي, يهجرني قومي, لوثة, لعاب الأفاعي, رقعة, رجائي, شكاتي, البلى, الرموس, رفاتي).

زهاء خمسين كلمة، أو تعبيراً انهزامياً في اثنين وعشرين بيتاً فقط، تدّعي أنها دفاعية أو مفاخِرة! هذا فضلاً عن ضعف في الدفاع، وعدم استيعاب طبيعة الهجمة. فضلاً عن عدم القدرة على استكشاف عناصر الجمال والقوة والإنتاج، حيث يسرد حججاً دفاعية لا علاقة لها بالهجمة ودواعيها، بل ربما لا يريد أن يشير إلى أن الهجمة لا تخلو من بُعد آيديولوجي، وكثير منها ذات ارتباط بالهوية الكبرى، التي تبنّتها أسماء بارزة، أحاطها حافظ إبراهيم بهالةٍ من التبجيل، كأحمد لطفي السيد وزينب حفني, وقاسم أمين… كما يتجلى هذا في ديوانه.

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=531]
[/URL]

[/SIZE]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *