الفخر الانهزامي والقصيدة القبورية

[SIZE=5]لكي نشرع في معالجة تفاصيل النص الانهزامي يجدر بنا الخوض في الدلالة الخادعة لوهم الدفاع الرثائي.
(رجعتُ): أول كلمات النص، وتشي بالالتفات إلى الوراء، أي تعديل حالة الجسم بعد توقف، ولا يكون إلا بعد اختلال وتردد، وهو لفظ محايد محكوم بالسياق السالب والموجب، وهو هنا سلبي، ينفّذ معنى (الحور بعد الكور) رجوعاً، وضعف في الإرادة والثقة في النفس، والرجوع هنا متبوع بحرف الجر (لام)، ينمّ عن انكسار في المسير باتجاه مضاد, وسياق البيت يوحي بأن الرجوع في المنتصف، وليس بعد بلوغ النهاية، فلم يقدم الفعل (رجع) هنا إلا إيحاء خيبة، لاسيما أنه يقع في النفس بنبرة متهدجة، فلا أتخيله يلقى بنبرة خطابية دفاعية, خصوصاً أن اتهاماً يعقبه , لتكتمل معادلة الذنب والخطيئة.

(ناديتُ): النداء يحتمل الفقد، والفقد نقصان وضعف، والنداء هنا لاستكمال النقص وطلب الكمال والنجدة، سيما إذا أُلحق بـ(قومي)؛ حيث تبلغ الاستعانة مداها؛ لأنهم الأجدر بالنصرة، والنداء يشي غالباً بالوحدة والعزلة القسرية، وربما النبذ الذي يستحق الرثاء لا الفخر.

(احتسبتُ): كلمة إيجابية في غير هذا المساق، حيث الاحتساب يكون مع الفقد الاختياري والقسري، والاحتساب هنا قسري لضرورة قسرية، بل هو يمضي أبعد إلى السخرية من تقاعس ( قومي) عن الغوث، وعندها يكون الاحتساب استعطافياً لا أكثر، ولا يمت لطلب الأجر بأي صلة، حيث يندمج في حالة احتضار، وبالتالي (احتسبتُ) فعل سالب ومشوه على وجه تمامه ، يضاف إلى الطابور الجنائزي، ومتبوع بـ( حياتي)، التي هي طرف مقابل للموت.

(رموني): ثمة مساحة بياض تسبق هذه الكلمة، تَسَعُ كلاماً مضمراً يقع سوداوياً في وعي القارئ على خلفية البيت الأول. والرمي مبادرة سيادية من قِبَل واو الجماعة (جمع فحول)، إلى ياء المخاطبة (المؤنث)، والرمي يشي بالقذف أيضاً، وهو قذف حاد لا يقبل الصد من طرف قوي إلى ضعيف، والمشهد يعطي صورة لمواجهة خاسرة ونزال غير متكافئ، أو هكذا يصوره الشاعر لنا، والرمي غير محدد الجهة، ما يشي بكثافته.

(عقم ): داء أنثوي يكرس هوية أنوثة اللغة العربية ، وكما ذكرت، فـ(الأنثى) في ذاكرة الرجل تقابل ثنائية النعومة والضعف، ولم يفلح الشاعر – وربما هو هذا هو النسق التقليدي ? في أن يقنع قارئه بأن ثمة جانب قوة للعربية، بعد أن أحاطها بالتهم التي تتجاوز حجج الدفاع، فحافظ إبراهيم لم يكن مستعداً للمرافعة، وملفه غير مكتمل، لكنه خاض المرافعة التاريخية وانتهى الأمر.
(ليت): في اللغة تكون للتمني، أي رجاء المستحيل، وتأتي في أدق استعمالاتها للاستغاثة بغير قادر، فهي أداة لغوية لبث اليأس والاستسلام للأمر الواقع الخانع، لا سيما إذا وظفت في مناخ قبوري قاتم كما هي حال قصيدة حافظ، لتنضم إلى جوقة العزاء, ويستخدمها الضعفاء الذين انقادوا لضعفهم المرادف، للتعبير عن استجداء الصدفة: ( يا ليت لنا مثل ما أوتي…)، وتنتهي ( ليت) إلى تبلدٍ خلوٍ من أي حيوية ورغبة في الممكن. والعقم متعذر مع التمني، ولكن الرغبة الملحة فيه تجعله في حكم المفترض.
(عقمتُ): العقم يؤكد فرضية التأنيث اللاواعي للغة العربية، ويحمل كل متلازمات النقص في تكوين الأنثى، حيث تؤكد اللغة على لسان الشاعر في مواضع أخرى، والتهمة هنا ليست لعقمها بل لأن ( واو) الجماعة اتهمت (ي) المفردة المؤنثة بالعقم، بمعنى أن الرأي العام يتّحد في تأييد فرضية العقم، وقد صاغها الشاعر صياغة دفاعية رثائية، متبوعة ومسبوقة بنهي، تؤكد فرضية العقم التي تلقتها أجيال العرب لاحقاً بالتسليم لهذه الفرضية، ولا سيما الحجة الفردية لاحقاً التي لا ترقي إلى مستوى التهم الجماعية.
(لم أجزع ): فعل يؤكد الجزع؛ لأنه مدفوع بـ( ليت) ، وهو انهيار في الإيمان بحقها في الوجود نفسه، وهذا التعبير من أعتى التعبيرات الجنائزية في البيت؛ لأنها الأنثى المفردة تجزع لـ( قول) منطوق أي لغة ( لغة في مواجهة لغة) وهو منطوق (عداتي) ليعود الجمع من جديد، لكنه مضافاً إلى (قول) لغة = لغة جماعة أمام لغة المفرد.

(عرائسي): امتداد أنوثي يكثف من ثنائية الذكر والأنثى، يتمثل في (عرائس) التي تزف لتكمل نقصها، كما هو يكمّل نقصه، دلالة ًعلى حاجتها إلى طرف. ونضجها كعروس زاد من حاجتها إلى تكامل لتتفادى النقص، لكنها بقيت على نقصها ? بحسب الشاعر ?؛ لأن الزواج لم يتم، لعدم الكفاءة، ومن ثمّ ستبقى دون إنجاب وامتداد؛ لتعثر فرصة الزواج، ليحكم بالعدم على إنتاج وامتداد اللغة.

(وأدتُ): الوأد دفن الحي بمبرر جاهلي، وتم بالفعل كما يؤكد الشاعر، وتم إرسال الموءودات إلى الغيب النقيض للشهادة، حيث العزلة الكلية عن الزمان والمكان وحركة الحياة، والوأد الجاهلي لا يكون إلا بعد حزن ويأس من ضعف إنتاجية الموءودة بلغ درجة اليقين، لكنه تصور يصدر عن نسق يظنه الإنسان طبيعياً وواقعياً وفق الحسابات المطروحة آنذاك، والشاعر هنا يعيد الفرضية القبورية الأولى، ويدفعنا دفعاً إلى أجواء الموت والتراب والدفن، كما هو الجو العام للنص.
(بناتي): العروس استحالت إلى بنت في البيت ذاته، ولا يفصلها إلا ثلاث كلمات، كفيلة بإحداث تحول وظيفي في الغفلة من (عروس) إلى (بنت).

البنت كلمة تؤدي دوراً عمرياً وحسب، وأنوثةً مقيدةً، وتصنيف حدي يقابل (الولد)؛ فهي نوع لا أكثر، وعلى ضحالتها الدلالية، إلا أنها اختزلت وعبّرت عن (عرائس) بكل فخامتها، وكانت بديلاً لغوياً ورمزياً، والخلط هنا بين مستويين دلاليين يعطي انطباعاً بحالة من الفوضى، أو الارتباك، أو عدم وعي بهوية اللغة ذاتها، التي اضطلع حافظ بنعيها ورثائها.

(فكيف): استفهام استعطافي، بدر من الشاعر كما يبدر من المتهمين في غرف التحقيق المظلمة، ساعة يدافع المتهم عن نفسه في مناخ رعب وإرهاب؛ لتكون نبرة دفاعه متهجدة واطئة مستكينة, فاللغة هنا مشبه بها، وتخضع لتحقيق من ( واو) الفحول، لقيامها بنشاط سلبي يضر الصالح العام.

(أنا البحر): البحر رمزية شعرية مستهلكة لدى الشعراء ، حيث امتصوا الرمزيات الممكنة منه، وبات على الشاعر الذي يطمح في التجديد أن يفجّر جانباً دلالياً مغفولاً عنه، وقد حاول حافظ هذا، لكن استفتاح البيت كان ضمن النمط والحس الجاهلي ، ما عزز الشعور بالهرم الذي يصفه التقليديون بال(أصالة). وتشبيه اللغة العربية بالبحر ليس ثناءً عليها، إنما مفاخرة بالكم لا الكيف والكثافة لا النوع، وهذه عقدة طالت أبناء العربية وأدلجتهم، وكانت سبباً في نجاح مشروع رثاء اللغة العربية.
(أحشائه): إحالة إلى رحم الأنثى، بتعبير أكثر حيطة، والأحشاء في علوم الأحياء تشير إلى ما يحويه البطن، والمنطوي على أسماء وتصنيفات واضحة، أما الأدباء فيحددونها بالمنطقة المظلمة الخفية التجريدية العصية على التصور، أو مشوشة في الأقل، وفي أعماقها السحيقة تكمن الدرر النفيسة، ويالها من قتامة ساعة يعود الشاعر إلى التصوير القبوري مجدداً، حيث دفن الموءودة (الدرر) التي تقبع في الأسفلين، وتحتاج إلى غواص ماهر حاذق يخاطر بحياته في سبيل الظفر بها وحملها إلى العرب، ليطلعهم على درّة شاردة في البحر العربي، وهذه الدرة تحتاج إلى دليل ومرشد سري، ما يعني أنها نادرة ومعتقلة في صَدَفة رخيصة، ودونها بذل المستحيل في عمق البحر الخطِر، وتحتاج إلى غواص محترف في الغوص والتجارة؛ فالحصول على هذه الدرة اليتيمة مغامرة لهدف التجارة في حيز تداول ضيق، وهكذا الدرر.

حافظ إبراهيم يرتكب خطيئته بصياغة مشهد متحرك، ينتهي إلى أن اللغة العربية ذات نتاج نادر وبعيد عن بيئة البشر وصعب المنال، وكل هذا تهور اعتباطي، يدمج اللغة العربية في مشروع الغرابة والغربة، الممتد من مشروع الرثاء والنفي، المتحايل على الوعي.
(يا ويحكم): زجر حاد، يصدر عن طرف مصدوم بخبر فاجع، ويتجه إلى مجموعة فجعت بالخبر وأيقنت بصحته أسهمت في تبليغه إلى جيل الأبناء و الأحفاد؛ لأنهم في رتبة تلقي الزجر، أما الأم والجدة العجوز ففي رتبة توجيهه بحدية وزمجرة، وهنا تتضح التراتبية، التي تكشف الطرف الشاب الضاج بالحياة، والطرف الهرم المودع، والذي ليس له من الحياة إلا حق التنفس، والمتقشف من الطعام والشراب. والقصيدة كلها تعزز من هذه التراتبية؛ فاللغة العربية عند حافظ إبراهيم عجوز تدافع عن شبابها.

(أبلى وتبلى): اعتراف مباشر بالبلى والدنو من الفناء، ويدعم هذه القتامة استغاثتها بالدواء والأُساة، وهذا الدواء عزيز نادر، وتأكيد لندرة (الدرّ)، وتكريس للفقد: (عقمت)، و(الوأد)، و(النداء)، و(لم أجد)، وطابور غياب الجدوى الذي افتعله الشاعر أو خطيئة الشاعر. والبيت لا يخلو من لهجة استجداء دونية، وضمن سياق مرتبك , حيث قال: إنها البحر الزاخر، ليكشف عن خلط متعسف بين الفخر المنكسر الذي يفسر الرثاء بالثناء، وتجاور هذا الهدفان الباطنيان في الوعي والذوق؛ لتلعب البنية الصوتية والمعنى العام دورهما في تعميق غربة اللغة, إذ التسول حالة تبدو من الغريب وعابر السبيل الذي لا يحسن التعريف بنفسه، خوفاً من أن يكذبه الناس ولا يستجيبون لاستجدائه. هذه هي الشخصية الرثة التي عرضها حافظ ممثلةً وحيدةً للغة العربية: عجوز, عقيم بـ( ليت), متهمة, جازعة, موءودة , بالية, متسولة, عابرة سبيل….

(لا تكِلوني): طلب منكسر، لا يحمل أي نبرة للنهي الآمر الفوقي، إنما تضرع ضمن وصيته محتضر، يسدي نصائح مستكينة لا أكثر ، ولا سيما أنها محمولة على مفردة هزيلة إلى جمع فحول، حيث تختفي كل مظاهر السيادة أو الندية، على الأخص بعد أن أوسع الشاعر جسد اللغة تجريحاً ورضّاً، وأرداه صريعاً هزيلاً، لتكون لهجة (لا تكِلوني) متهدجة برجاءٍ أخيرٍ من المحكوم عليه بالإعدام، وهو طلب لا أكثر، قابل للتنفيذ وعدمه؛ إذ من الممتنع عقلاً أن تطلب لنفسها الحياة بعد أن اختارت الموت، وهذا ضرب من الهذيان والتناقض الذي فرضته خطيئة حافظ إبراهيم.

(للزمان): يحضر الزمان ويغيب المكان؛ لأن الشاعر قدّم اللغة ظاهرةً زمانية لا مكانية، والجمع بينهما يضعها في القديم والحديث والمستقبل، وازدهار النصف الأول من القصيدة بالأفعال الماضية ينتظمها في سياق ماضوي: (وسعتُ, ضقتُ, ولدت, اتهمتُ, رجعتُ, ناديتُ, احتسبتُ…)؛ فهي وسعت وولدت عبر زمن ممتد، وللزمن فاعليته في تأسيس هويتها، وبات الزمن بالغ الحساسية في التماس مع هذه الهوية التي أدرجتها خطيئة حافظ ضمن الأجسام الحساسة. أما (لا تكلوني) فهو لا يحمل الطلب، بقدر ما يحمل عتاباً مبكراً لفعل مؤكد التحقق، من نفر من الجفاة، تواطؤوا بحسب الشاعر على اللغة التي اتخذت شخصية العجوز الحيزبون، التي توغلت في الشيخوخة! وما الشيخوخة؟! إنها الزمان ذاته، أو انسحاب الإنسان من المكان إلى الزمان، بل هو يؤكد ضمناً في تضاعيف القصيدة دون أن يدرك؛ لأن الحالة الرثائية كلها خارج الإدراك والوعي.

(ينادي بوأدي): ينادي هنا مختلفة عن نداء العربية "المنكوبة" كما في البيت الأول؛ فالنداء هنا منبري فحولي ذو نبرة مدوية واثقة، فهو تحريضي للقتل مع سبق الإصرار دون الترصد، فهو أكثر ثقة وعنفواناً من أن يتربص ويتلصص ويترصد، وهذا ما جعل النبرة منتصرة كما أراد لها الشاعر ، في حين أن (ناديت) في البيت الأول يشي بفقد وضعف واستغاثة، ولا سيما أنها طلبت النجدة من ( قومي)، ما أمعن في محزونيتها، ولك أن تفرق ملياً بين نداء المنتصر المحرض على القتل: (وأد)، ونداء اليائس المستكين: (فاحتسبت حياتي).

(في ربيع حياتي): هذا من التناقض الفج؛ فالشيخوخة والعجائزية هي التي تدب في أوصال القصيدة، من ضعف أنوثي موغل في عنصر الزمان، فهي حيناً (أم العرائس)، وحيناً في ربيع الحياة . إنه من تناقض المجازات التي قد تقبل في ضمير هذا السياق الممزوج بين الرثاء والدفاع، أو كما وصفها الشاعر بـ( النعي). أما هذا الذي ينادي بوأد العربية فهو جاهلي كما يبدو، ما يعني أن دراما المشهد الجاهلي تسود في صياغة الوأد والوأد المضاد. ولكن ما السبيل إلى دفع هذا الصائل الذي ينادي ويحرض على الوأد في هذا المناخ الجاهلي المحموم مع قلة الناصر؟ إن الاستغاثة بالموتى لاحقاً: (سقى الله في…)، (لو تزجرون الطير) قيم جاهلية خارج العقل والعصر، وتأتي بطلب من الشاعر لبني قومه الذين يستنصرهم، مستعرضاً ثقافته العربية والجاهلية؛ لأنها قصيدة منبرية لها علويتها الثقافية، وهذا امتداد للدفاع الجاهلي عن التهم العصرية، ويزج بناكرهاً إلى إمكانية الأساطير الجاهلية ومحضنها الزمني الذي رعى النشأة الأولى للفصحى، ليقع ربط تلازمي، أو هكذا يبدو للناقد الفاحص، بين الوسط الخرافي، ببعده المتخلف عقلياً مكاناً وزماناً، وبين الحالة النسقية التي تربت فيها العربية وبلغت أشدها ومجدها، وأن ثمة تآخياً وتكاملاً ثقافياً بين العربية في أوجها والجهل في أوجه! وهل كان حافظ إبراهيم يعي أن الدفع بقيم ما قبل العقل سيكون عنواناً لعلاقة حميمية بينها وبين العربية التي يدافع عنها؟ فإذا هو يصمها بالجهل والجاهلية دون أن يشعر… إنها خطيئة حافظ إبراهيم.

(سقى الله في بطن الجزيرة أعظماً): ثناء ثقيل، ينطوي على احتماء وجودي بالموتى والعظام… إنه يربط رمزية وجود اللغة العربية وحيوتها بالعظام المدفونة منذ مئات السنين، وهذا تأكيد تهمة جفاة اللغة بأنها في عداد المدفونين، ثم إن هذه العظام في الجزيرة العربية، ما يعني أنها مؤطرة في مكان يعمق تهمة محدوديتها، فضلاً عن تأطيرها بمجدها الزمني، وهي (العظام)، أو الهيكل، الذي لا يرمز إلا لشكل هامشي الدور، لكن ذو وجود مادي وحسب، يمكن تحريكه ودفعه، بل والتحلق عليه للعبرة، التندر من هيئته. ثم ما قيمة هذا الاحتماء بالقبور إلا تعزيز للافتراض القبوري، بوصفه المحامي الأوحد للغة، لتتجذر واقعية المعادلة، التي مؤداها لغة قبورية تقابل لغة عصرية، إذا وصفت مجدها أشارت بأصبعها إلى كل ما هو حي حولها، في حين حافظ يسوقنا كرهاً, ويسوق لغتنا إلى المقابر والعظام النخرة؛ ليقنعنا لا وعيه بأن لغتنا نخرة في (بطن)، وليست فوق الأرض، والمجد لا يكون للغائبين تحت التراب، فهل وعى حافظ شرط المجد والسيادة؟!

(فاخرت.. بتلك الأعظم النخرات): العظام تحضر مجدداً ضمن ضرورات إثبات الوجود فوق الأرض، مسبوقة بـ( تلك)، وهي هنا ليست للإشارة للبعيد، بل للضعيف الذي اتجه للعدم ، وكأن المعادلة تفضي إلى (أن الشيء في حال مفاخرة مع اللاشيء) أو بين ما فوق التراب وما تحته، بل إن تلك العظام نخرة، أي لم يعد لها وجود مادي تحت التراب؛ ليقحم حافظ نفسه في مقاربة فرضتها حالته الثقافية وما تمليه من أدوات حكم على الأشياء وعلى الجمال ذاته، فحكمه على جمال النص الشعري رمي بظلاله على حكمه على ما هو خارج النص، ليورط اللغة والأمة ككل في معركة خاسرة، جعلت العظام تفاخر الأجساد الحية، ولو كان حافظ يعرف أن اللغة العربية جسد حي لما لاذ بالعظام والقبور… إنها حالة من التشويش المستبد في نسق المرحلة، حيث يتعذّر عليه أن يمايز بين الجمال وغيره، لا داخل النص ولا خارجه، فكانت الخطيئة ساعة تعذّر عليه ضعفه الإبداعي شعراً وفكراً، ومحامياً عن الأحياء الموتى.

(بالجرائد مزلقاً من القبر يدنيني): حافظ يصور اللغة العربية كائناً هشاً تقصمه قشة ,لا توقعه أرضاً ,بل قبراً، ليعود اختزال العربية في عجوز متهالكة بينها والقبر (مزلق إملائي)، ليدفنها حافظ فور ما تنزلق، غير أن القوي المتماسك لا يزيده الانزلاق إلا قوة (الضربة التي لا تكسر ظهرك تقويه)، أما عجوز حافظ إبراهيم فلها رسم كاريكتوري مختلف، تم نسخه وتوزيعه على العرب؛ ليتأملوا لغتهم الهالكة الشمطاء، التي تُحتضر واقفةً، دون أن يعي أن اللغة لا تحيا بصحة الإملاء فقط، إنما بقوة الشخصية أدبياً وفكرياً وكتابياً وتنموياً، أما ربط مصيرها بالهمزة التي زل فيها جاهل أو عجول أو آلة طباعية …إن عفواً أو قصداً. إن افتعال جو جنائزي من أجل همزة كان نكبة على لغة تفاخر برسوخها، ولكن لماذا تعمّد حافظ ورفاقه هذا الصخب الذي صنف العربية عاجزة عجوزاً؟!

(وأسمع للكتّاب…): الكتّاب هنا هم خصوم العربية – حسب تحديد حافظ – و يستخدم الجمع مرة أخرى و(أل) التعريف لمضاعفة الكمّ، ويمكّن للجمع القوي في نهاية البيت.
(الصائحين نعاتي): تكرار لما سبقه عويلاً ونياحةً، تتماثل صوتاً ونبرة وحساً ولغة في مناسبات العزاء. والشاعر هنا لا يجرّ المؤمن بالعربية إلى ساحة مواجهة مع الخصوم، حيث لا يجعل المقابلة بين قوي وضعيف فقط، بل بين قاتل وقتيل؛ ليضاعف من ألفاظ الحسم لصالح المنتصر، الذي اختاره ليكون كذلك. و(الصائحين) تعبير محايد، فقد تكون الصيحة للنصر، أو الهزيمة, للحث على الهجوم أو الفرار. وإذا فتشنا في اللغة نجدها تستخدم للقوة والانتصار المدوي الجبّار الذي لا يلحقه هزيمة، كـ( الصيحة) التي كانت عقاباً لقوم كافرين، أو (الصيحة) التي تؤذن بالقيامة، وحافظ دفع الدلالة باتجاه تعميق هوية المنتصر ضد العربية، وتلك خطيئة أخرى.

(أيهجرني قومي): مرة أخرى المهجور (المفعول به) مفردة مؤنثة، والهاجر الفاعل جمع مذكر الفحول، والاستفهام تقريري تأكيدي، يضمر العتاب الذي لا يكون إلا للتعليق على فعل حدث وانقضى وصار قدراً مقدوراً وواقعاً عينياً حاسماً، مؤكداً أن الهجرة تمت جماعيةً علنية لا سبيل إلى صدها أو ثنيها؛ ليفعل هذا الخبر (النعي) فعله في المشاعر، ويعمق روح التخاذل لدى القارئ العربي، سيما إذا كان مقتديً بحافظ شعراً وفكراً وناقلاً للخبر ومعلقاً عليه.
(عفا الله عنهم): تُقال كثيرا ًعند الخذلان مع العجز عن الاعتراض المُجدي، وهو امتداد للعتاب، وتأكيد لحدوث فعل الهجر، وطلب العفو لهم من الله جاء لحشو لغوي معترض يقيم الوزن، أو لإظهار الضعف والعجائزية، حيث العجوز لا تملك إلا الدعاء، فليس لها مع الدعاء إرادة دفع أو تحدٍ أو حتى سخرية من هذا المعتدي والمغرر بهم، ونبرة الشيخوخة المتهدجة تتحكم في انفعال هذا البيت، ولاسيما أنها بررت الدعاء لهم والعتاب بأن مردّه خطأ وضلال وقعوا فيه، وهو: (إلى لغة لم تتصل برواةِ)، ما يعني أنها تبحث لهم عن الكمال، وهو الأصالة والحسب والنسب ,الذي لا يستهوي الذوق العام والشبابي النازع لفتنة الجمال أولاّ , فذات النسب قد تكون شلاء، أو عمياء، أو شوهاء…

حافظ لم يهتم بجمال اللغة، بل بتاريخهاوحسبها وعظامها، وهذا امتداد لخطيئة هذه الأيقونة، فكانت الدعاية مضادة ووبالاً.
(فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة): خطيئة حافظ لا تحسن إيقاع العيب والمثلبة في خصم الفصحى، ساعة يصف الثوب بأنه مرقع، وهو هجوم متهور، وتأتي (سبعين)* كرقم حدّي، فلا هو أقل كسراً ولا أكثر، والأصل أن يزيدها إمعاناً في العيب، ولو كان العدد (تسعين) لبقي الوزن مستقيماً، مع مزيد من الثلب والانتقاص، ولكنها العشوائية والهجوم الفوضوي. ثم ماذا يعني بـ( رقعة)؟! هل هو ثوب بالٍ شأن لبس الفقراء المرقعين؟ ولو كانت كذلك فلماذا انصرف إليها الشباب والجيل وأعرضوا عن (عرائس) حافظ إبراهيم؟ فكيف يجتمع قبح وابتذال في هذه اللغة وإقبال شبابي عليها؟ ويختم بـ( مشكلة الألوان مختلفات).. وهل تشكل الألوان عيب, بل ربما يكون بهاءً أخّاذاً موغلاً في فتنته، والحكم على الترقيع والتلون يعبر خلال الذائقة التي تختلف باختلاف الزمان والمكان والسن، ثم يحشو حافظ بقوله: (مُشَكَّلة, مختلفات)، فما الفارق بينهما إلا الحشو والضعف والتبذير اللفظي لـ(ترقيع) الوزن؟!
كيف لحافظ أن يهاجم الضعفاء بالضعف؟ إنه محام لم يدرس القضية جيداً، أو لم يفهمها، ولم يحسن صياغة المرافعة؛ فكان أن أرهق الفصحى أكثر، وقزّمها، وغرّبها، وأثبت التهمة عليها.
*يستخدم العرب الرقم (سبعين) للمبالغة في العدد وصار أشبه بالاصطلاح

(إلى معشر الكتاب والجمع حافل): من الواضح أن مرافعة حافظ موجهة إلى نفر قليل من أفراد الأمة وهم (الكتّاب)، الذين شاركوه ( أو كثير منهم) في الخطيئة
الرثائية، ولا بد للجمع أن يكون حافلاً؛ لأنها وصية محتضر، ليبلّغ الحاضر الغائب، ومن الممكن – بل الأكيد – أن في هذا الحفل من هو أعمق وعياً بحالة الفصحى من حافظ، ولكنهم لم يكتبوا، أو كتبوا بإدراك وتفصيل أدق، لكن كتاباتهم لم تبلغ المنبر الإعلامي والتعليمي، فكان أن ذهبت مع الريح؛ لأن المرحلة الانتفاضية ضد المستعمر كانت تتطلب هذا الانفعال الذي يخلّف الوبال، خصوصاً أن الإعلام والتعليم يصوغان الرأي العام دائماً، ويقولبان النصر هزيمة، والهزيمة نصراً، والرثاء فخراً، والفخر رثاءً، ولكن هكذا قضي الأمر، وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم.

(بسطت رجائي بعد بسط شكاتي): التوسل جاء صريحاً (رجائي)، حيث لا يكون الرجاء إلا بعد فقد وضعف وانكسار وعجز عن تحقيق مرغوب، وهو الآن يتجه للحشد الحافل، أي الاحتماء بالكم إزاء الكيف، وهو احتماء هابط الإرادة، متهالك الجأش، هزيل الشخصية، لا يثق بالمستقبل ولا الحضور الأشاوس، حيث يخيرهم في نهاية النص بين النجدة بـ( حياة تبعث الميت في البلى)، و(تنبت في تلك الرموس رفاتي)، وهو اعتراف بالحالة القبورية للغة، أو (ممات لا قيامة بعده), (ممات لعمري لم يُقس بممات). وتتكثف الجنائزية في الخيارين؛ فالنجدة ستكون من مقبرة، والخذلان سيكون إلى مقبرة، حيث يختم قصيدته ببيت زاخر بكلمة (ممات) المتكررة ثلاثاً! تلعب فيها الموسيقا المفتعلة دوراً في تكثيف التشييع الأخير للغة العربية، من الشاعر الحانوتي، وحفار القبور.

وفي البيتين الأخيرين تتكثف بجلاء طبيعة وهوية النص، ويحسم الصراع الثلاثي (فخر, رثاء, دفاع) إلى درك النعي الحاد، وأن الدفاع والفخر ما كانا إلا مراوغة من الذين يعبثون بعنوانات القصيدة، ساعة يصعّدون الغرض من (نفي) في الأسفلين إلى (فخر) في العليّين، وعلى القارئ والمهموم بلغته أن ينقاد للعنوان للتماهي مع الدلالة الفخرية الرثائية، فإن كان العنوان رثائياً فلزاماً عليك تلقيه رثاءً، وإن كان فخرياً فعليك استقباله باحتفال الأبطال، ويقع المرض الثقافي وانشطار الوعي ساعة نفخر بالرثاء دون أن نفرق بينهما، ليلعب أحدهما دور الآخر، وتبلغ اللغة غاية ضعفها, مدفوعين بهذا التناقض للمحافظة على هذا الضعف على نحو غير واع، وتتجلى معاني البطولة في أن اللغة محاطة بالحراس والحماة الذين يكرسون هوية اللغة المحمية والمحروسة. ويا لها من تحديدات وتصنيفات دهورت معنويات أبناء العربية! إذ مهمتهم الحراسة لا غير؛ فاحتقروا هذا الكائن الذي يأخذ ولا يعطي. إنها خطيئة حافظ والذين أنقذوا السمكة من الغرق .

وإذا قمنا بإحصاء لمفردات الموت والقبر والنعي، فستشكل ما يربو على نصف القصيدة، وكلها تنطوي على إبلاغ خبر مؤكد بنعي اللغة العربية، والأمر أن حافظ قتلها ويريد أن يستنجد بنا لإحيائها، فضلاً عن أن موتها موت شيخوخة، وليس فجائياً أو اغتيال أو جلطة دماغية، ولعل هذه الشيخوخة التي وصمها بها تقلل من جدوى الإنقاذ؛ حيث إن وفاتها مسألة وقت، تبعاً للأعراض التي حددتها خطيئة حافظ، ولعل هذه الكوارث المتلاحقة هي من خطيئة الرد الشعري على الهجوم النثري.

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=533]
[/URL]

[/SIZE]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *