خطيئة الرد الشعري على الهجوم النثري

[SIZE=5]الشعر تلبّسٌ منبري استثنائي، ينهض بدور شخصي وثقافي وخطابي تأثيري، أو تبليغي في حال النظم الخالي من الشاعرية، واعتادت العرب على هكذا منبرية، فكانت نقائض جرير والفرزدق بين منبرين إبداعيين، أكثر من شاعرين، حيث يتحالف كل منهما مع قوى عظمى (الوزن والقافية) تعدّل من موازين القوى؛ إذ الشعر يعد الدرجة الأعلى في البلاغة الإنسانية، فكان الرد بالشعر على الشعر حالة من الاستقواء، أو التحالف مع القوي ضد القوي، والذائقة تقيّم القوي والأقوى، ولا ترحم الضعف والضعيف، إذ كان تحالفه العسكري مع الوزن والقافية في أدنى مستوياته، ما يعني أن الوزن والقافية لم يهباه ما يريد من المعنى لخلل في شخصية، أو ظروف هذا الشاعر، لتكون الغلبة لأحدهما حسب الاستثمار الحاذق للمنبرية ومنصة التأثير. ولعل الوعي بالذات والآخر يفرض نفسه في الإبداع والحكم ، لاسيما أن الشاعر المقيد بوزن وقافية في مواجهة شاعر هو الآخر مقيد بذات الوزن والقافية، فيكون اللجوء متكافئاً، وتتفوق القريحة والشاعرية، وهي الذكاء في التفاهم مع إمكانات الوزن والقافية .

النثر هو الآخر خندق وطاقة وفعالية، لكنه ليس بذات المنبرية الأدبية للشعر من حيث الأهبة والتلبس والانفعال، حيث تؤدي موسيقا الوزن والقافية دورها الإيقاعي في إنتاج الانفعال وموسقته وتوجيهه تلقاء الذوق والرأي؛ وعليه فالنثر يخاطب المعلومة والحس والاستنتاج والموقف. والشعر حالة من التكلف الفني والعاطفي، وساعة يتحاور الشعر والنثر فإن ثمة اختلافاً في طبيعة المحضن وصياغة الموقف والإبداع، وتحرر النثر من القيود إتاحة واسعة للقول الذي يتضمن كل محمولات المقول، وتصبح المواجهة بينهما في مضمار التهم والحجج، بين حرية وقيد، ومتحدث طلق مرسل ومتلعثم بوزن وقافية، ليرتكب الشاعر لحظتها خطيئة الاندفاع إلى نزال غير متكافئ، إذ قد يكون الشاعر أكثر وأوعى وأقدر على المحاججة, لكنه معاق بفروض القيد الشعري، أو ضعف شاعريته، أو بهما معاً.

إذاً، الشاعر متحفظ امتثالاً لنظام فنّه الذي اختاره للتعبير، أو الردّ على حرّ، أو مقيد، وهنا تتبدّى الخطيئة.
وتأتي مجازفة الشاعر المحامي, الذي يحمل الحجة على وزن قافية، ويدلي بردود الناثر لا الشاعر, أمام الملأ المحتشد لاستماع رد لا شعر, فإذا هو يتقن عرض النقد ولا يحسن الرد عليه، وتنبري في هذا المساق المقولة التاريخية في نقد العالم الرازي حين عرض آراء خصومه ولم يفلح في الرد: "يأتي بالشبه نقداً ويردها نسيئة"، والرازي ناثر، فكيف بشاعر يقول الشعر من أجل الشعر لا العلم؟! إذاً سيفشل في الشعر والعلم معاً؛ لأن العلم لا ينازعه في حضوره منازع إلا أرهقه، فكانت القصيدة مرهقة، فلا شعراً طالت ولا علماً أبقت.

حين نصف الشعر بالمنبرية فإننا نقصد معنى جدّ خطير، يشترط حضور الذات أكثر من الموضوع، التي نوجزها في (مجد الشاعر)؛ فالشعراء يقولون ما لا يفعلون؛ لأن هذا التناقض هو فنهم ومجدهم وسيادتهم، خصوصاً بعد المتنبي، حيث تضخمت الأنا الشاعرة، وصار الشاعر أكبر من الموضوع، والمادح أفخم من الممدوح، والشاعر العاشق أجمل من المعشوقة الحسناء، والشاعر المتسول أكثر ثراءً من الممدوح الباذخ، وهذه الهيمنة للشاعر في هذه الثنائية متجذرة ومتحدرة من النموذج الجاهلي، وبلغت نضجها مع المتنبي، الذي تحول من شاعر في الذاكرة إلى نزعة وغريزة داخل الشعرية العربية، وتتفخم المنبرية بفخامة الشاعرية وإنجازها في الشاعر والموضوع؛ فالممدوح عظيم؛ لأن المادح عظيم، إذ المعنى يبلغ تأثيره مبلغ الحجة والمعلومة التي بسطت الحديث منها؛ فالمعنى الشعري فعل إعلامي مركب من لغة وجمل اسمية وفعلية، ويصاغ صياغة خبرية بحتة؛ لأنه لغة.
النقد الموجه للعربية جاد من ناثر مباشر لا يتعامل مع غير الواقع, والرد الشعري يستنجد بالخيال والمجاز والقيد، وتضعف صحته العلمية داخل الشعر ولزومه ما لا يلزم بضعف مخيلته ومجازه ومفاوضاته مع القيد، لكن النزال قائم، والمحكمة انعقدت، والملفات فُتحت، والشبه والتهم تم تداولها في أروقة العدل بصوت مدوٍ سمعه الجميع، والناس لا يقبلون إلا بقرار القاضي، والقاضي لا يصدر قراره إلا بعد سماع التهمة واقعاً والرد عليها واقعاً، وليس البلاغيات والمجازات، وإن كان لها دور في تعديل الموقف الشعوري، إلا أن الحكم سيكون لصاحب الحجة، لا البلاغة.
ربما حافظ – رحمه الله- كان يراهن على ريادته وتفوقه الشعري، إذ بوسعه أن يرد نثراً على نثر، فلماذا كلّ هذه الفروسية الباذخة الاستعراض بحصان هزيل وسيف مثلوم الحد؟.
الشعر أحد نجاحات اللغة العربية ومجدها، لكن الشعر غير الماجد لن يزيد اللغة إلا ذلاًّ، لاسيما إذا ادعى أنه معبّر عنها , وقائد لها في أي مواجهة تُستدرج إليها.
حافظ في أكثر شعره ينزع إلى الضعف والتقريرية والمباشرة، شأن أكثر مجايليه، فدافعوا بحجة وشاعرية ضعيفة؛ ليعززوا التهمة ضدها بالضعف، وما أسهم في تراجع العربية عالمياً والفصحى عربياً هو هذه الارتجالية التي لا تنطوي على إستراتيجية، أو عفوية ناجعة.

ما القيمة في أن تعتلي المنصة الكونية ,وأنت لا تملك مقومات التقويم والتفسير والقيادة باتجاه التشخيص والحل؟ فكيف بمن هو جزء من المشكلة.
نص حافظ يدرج ضمن (الإبداع من أجل الإبداع أولاً)، في حين أن المعتدين على الفصحى كتبوا نثراً و(موضوعاً من أجل الموضوع)، وبطلاقة ورشاقة النثر وانسيابيته وحجيته، بل وسفسطائية المراوغة، التي تمارس خداعاً خلاباً، وتحقق فتوحات، وتحرز مكاسب ضد ضعفاء الشعر، الذين يبقون ضعفاء حتى لو كتبوا نثراً في هذا الموضوع، متكئين على شعرنة النسق.

الشعرنة( ) هنا تدير المواجهة، وهي تحكم الضمير الشعري، أو الكائن الموزون والمقفى، الذي يقبع في لاوعي الشاعر، والمحكوم بالشعر في أدوات التفكير والسلوك الثقافي، وإدارة النص الصغير (الشعري) للنص الكبير (الإنساني)، وسيطرة المجاز على الواقع، بتحريض من الذاكرة العصية على الرقيب، في حالة الانفعال الصاخب والساكن، ما يسفر عن خطاب متعال عن كل ما تباشره الحواس وتحكم عليه من حيث واقعيته, وعليه؛ فالشعرنة حزب معارض للمعقول والمتاح، وتتضخم في خيارات الشاعر والفرد العربي بحسب تماهيه الثقافي مع المعنى الشعري وتوجيهاته الإنسانية، وعندها تمارس الشعرنة محاولة تزوير وحرف وكسر عبثي لدلالة الآية القرآنية: (يقولون ما لا يفعلون)، إلى (يقولون ما يفعلون)! ويخرج المجاز المتطرف إلى فعل سبّب ملازمة لذة المجاز للممكن المتطرف، الذي يعصف بالمستهلك العربي بمواده المسمومة، التي تناولها للأسد الفحل لحماً مفضلاً، ليكون المجاز طعاماً شهياً لتغذية وحش لا وظيفة له إلا الافتراس.

الشعر فحولة؛ لأن الشاعر يمارس سيطرة قسرية على الوزن والقافية وترويضها بليّ أعناق الألفاظ والمعاني، في حين أن النثر حالة من التفاهم الناعم من اللغة، رغم أن الشعرنة مارست هيمنةً على النثر إلا أن النثر بقي – رغم استقلاله ? متورطاً بالمجاز الثقافي؛ لأنه هو الآخر لغة وانفعال، ويتحرر منها بقربه من الواقع، بوصفه نقيضاً وخصماً للبلاغة المتحايلة، التي تفشل في حالة حافظ إبراهيم وشعرنته، التي كانت سبباً مباشراً في الخلط السلبي بين الدفاع والفخر والرثاء، وعشوائية البلاغة، التي أحدثت إرباكاً وفوضى داخل القيم، بحيث فقدت محدداتها وأسماءها؛ لأن السلطان الشعري لا يقبل إلا بفرض الذاكرة على الواقع دونما تبصر أو نظام؛ ولأن المجاز يَكْذب (أعذبه أكذبه)، و(يقولون ما لا يفعلون)، أما العلم فـ(أعذبه أصدقه)، والعلماء يقولون ما يفعلون، ومن أسفٍ أن أيقونة حافظ جعلت الشعر مقابلاً للعلم، والمجاز إزاء الحقيقة، والبلاغة أمام الواقع، لتلعب الشعرنة المنبرية الغاشّة دورها في تراجع موقف اللغة العربية أمام العامية و الأجنبية؛ لتكون العربية لغة شعراء، أو بعض الشعراء فقط. أما العامية أو الأجنبية فهي خارج الشعرنة وتهوراتها، على صعيد اللفظ والمعنى والدلالة والثغرات الفاغرة التي وضحتُها في الحلقة السابقة.

إنتاج الشعرنة على نحو غير واع داخل حلقات الجدل يحسم الموقف للواقع إزاء المجاز، وكيف وقع حافظ في شركها، وأسس مدرسة ثقافية عريضة كان لها نفوذها الإعلامي والتعليمي في العالم العربي، حيث نشروا هذه الشعرنة والتفحيل والمجاز بوصفها الحقيقة والواقع والعلم؛ فكانت هذه الخطيئة سبباً رئيساً لتراجع العربية، فلم تكن مدرسة حافظ على وعي بالمشكلة ولغة العلاج، ولا تزال المشكلة قائمة حتى كتابة هذه السطور، بل جعلوها مشكلة كونية؛ لأنهم أفقدوا اللغة بدهيتها , وأنها مخلوق عفوي طبيعي، والحل هو في عفويتها، أو استعادة عفويتها من مرتكبي الخطيئة، الذين جردوها من كونها نشاطاً اجتماعياً بدهياً إلى ممارسة غريبة تتنافر والطبيعة العربية .

[/SIZE]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *