بل , الفصحى تأكل الطعام وتمشي في الأسواق

[SIZE=5]الخيار السطحي يتعاطى مع اللغة بوصفها هويةً أولاً وأخيراً، ويسوّق هذا المصير محدداً وجودياً، بل ويلحق جمالياتها بالهوية فقط، حيث يجنّد جاذبيتها الخالبة لهدف آيديولوجية حمايتها فقط , في حتمية المصير الوجودي، ولكن مع موجة الاعتداء على وجود الأمة تعزز حس المقاومة داخل ثنائية (جمال, هوية)، ليطغى عنصر الهوية على الجمال، ويصير الأخير ملحقاً، لتبرز الهوية اللغوية في حالة ثورية واندفاع، وتزيح الجانب الجمالي أوتهمشه، وكأن المعركة ليست معركته، وكأن اللغات الأخرى المعتدية لا تنطوي هي الأخرى على ثنائية الجمال والهوية على نحو منسجم ومتوازن وتكاملي وتضيف إليها شرط الهيمنة والإنتاج، ليبدو حيالنا مثلث الوجود اللغوي (الهوية, الإنتاج, والجمال)، وتهجم اللغة المعتدية بهذه الثلاثية، في حين يواجهها اللاوعي العربي بأحادية (الهوية)، واطّراح (الإنتاج والجمال)، فكانت النتائج كارثية؛ لأن القيادة اللغوية العربية لا تعي حدود المناورة والمعركة، بل ولم تفهم الخصم بثلاثيته، واكتفت بشعار الهوية، وهمشت المقوم الجمالي للغة؛ لذا فشلت القيادة التقليدية في صد الهجمة على الفصحى!.

مدرسة حافظ كانت تتعامل مع اللغة بوصفها حالة خارج الذات التي تبدعها، وليست جزءاً من الجهاز الإبداعي الداخلي، رغم أن الإنسان هو الذي يمارس إنتاجها من لا شيء، ويبدع قواعدها، ويعدّل ويطور ويبتكر التراكيب والنظم، حتى استحالت بضعةً من إنسانيته، ووسيلة لجلب النفع ودفع الشر، وتبلورت مهمتها الوظيفية بوصفها أداةً لا أكثر، شأن العين والأنف والأذن والجوارح التي تعمل بوظيفة محددة ونفعية محضة تخدم إنسانها, تبطش في حال قوته وجبروته، وتتألم في حال ضعفه، فهي عضو طبيعي في جسده، أمشاج من لحم وعظم وعصب.

أسوق هذه الديباجة لأذكّر بحقيقة أن اللغة كائن طبيعي، وقيمة كل طبيعي في طبيعيته التي تمنحه الهوية والجمال والإنتاج، وكلها مقومات طبيعية لا يهيمن فيها أحدهما على الآخر أو يطغى عليه، ولا يكون هذا التطاغي إلا لخللٍ في شخصية هذا الإنسان الذي يحمل العضو اللغوي داخله، إما لضعف أو غرور أو انفعال. والوعي يلعب دوره في ضبط الإيقاع، فليس أحد الثلاثي تبعاً للآخر، ولعل ما وقعت فيه قصيدة ومدرسة حافظ أنها لم تتطرق على نحو وافٍ لجمال اللغة وكشف إثارتها؛ فقصيدة حافظ المقيدة كانت ترثي الهوية، وتطرقت على نحو مخلٍ إلى قدرة اللغة الإنتاجية, أما الجمال فلم تكشف عنه، رغم أنها تقريرية مباشرة، وعندها ينقدح سؤال وجودي مصيري: لماذا سوّقت خطيئة حافظ ومدرسته للهوية أكثر من الجمال؟ ولعل الجواب يكمن في أن هذه المدرسة لم تكن تمثل جمال اللغة ولا تحسن تعريفه إلا بما ينقاد لضوابط وأدبيات المدرسة الكلاسيكية، التي كانت تعيش انفصاماً مع الزمن، وألزمت نفسها بنوع من الفصحى يحتكم على جزالة (فحولة)، كنوعٍ من المتانة، وكلها ليست شروطاً للجمال ولا الهوية ولا الإنتاج، حيث تجاهلوا ضروباً أخرى من الفصحى التزمت بالتركيب والقواعد النحوية التي التزم بها شعراء المعلقات، ولم تغادر القاموس العربي، وكانت ذات ذائقة مميزة في التعامل مع هذا القاموس النثري، فلم تعد المشكلة في الدفاع عن الهوية بقدر ما هو الدفاع عن أنفسهم داخل الهوية؛ لأن هذا الدفاع مسبوق باحتكار لهذه الهوية، وهذا يؤكد ما ذكرته – آنفاً- أنهم يتعاملون من اللغة بوصفها نشاطاً وذاتاً خارج الإنسان، وبالإمكان إدراجها واستدراجها واحتواؤها واستعبادها، كأي ظاهرة ثقافية.

اللغة إنسان في الإنسان، تتنفس وتأكل الطعام وتمشي في الأسواق , ولا يحق عزلها عن ذات الإنسان؛ لأن هذا يضعفها ويعمق من غربتها إزاء الإنسان، الذي يستخدمها ضرورةً ، ومع هذا لا يعدّها أحياناً جزءاً منه! إنه أشبه بالتنصل منها، كائناً يتعرض لفصل سيامي بالغ الخطورة، وتنتهي إلى نتائج سلبية، أو نصف سلبية وإنهاك وتهالك! ولعل أكبر الأدلة على هذا الفصل أن الشاعر حافظ يمارس فحولة شعرية طاغية ضد الخصم النثري في الآن ذاته, وينعى ويرثي ويؤكد ضعف وقزمية اللغة، فكيف يكون فحلاً في كل نصوصه الأخرى ولغته التي هي جزء من كينونته في منتهى الضعف الأنوثي؟ إذاً، العزل والتنصل حدث بالفعل، وهذا ما أكدته، أن هذه المدرسة لم تدرك كينونة اللغة؛ لأن اللغة بطبيعتها ليست بمعزل عن الذات، وتمارس إنتاجها داخل أجهزة الإنسان، ما يعزز الانفصام لدى هذه المدرسة أنهم جعلوها هوية لا أكثر, رغم أنهم عزلوها عن ذاتهم، فهي داخل الهوية خارج الذات… إنها الخطيئة وتناقضاتها!

هذه الغفلة ترفض تطبيع اللغة وإدراجها ضمن البدهيات؛ فهي في عرفهم في خانة (الآخر), أو غير المحدد أو الموات ، في حين تتعاطم مكانة حافظ ومدرسته الأحياء الأقوياء، فلهم مجد الشعر والشهرة، فهذا أمير الشعراء، وذاك شاعر النيل، والثالث شاعر القطرين، وكلها ألقاب الهالة والفخامة والأبهة والتألق والحيوية والسيادة! في حين أن اللغة (الآخر) باهتة شاحبة عجوز، تحتضر، وينعاها أقطاب الشهرة والمكانة والحفاوة؛ فهي ليست أميرة الشعراء، ولا شاعرة النيل، ولم يخلع عليها لقب اجتماعي استحقاقي، بل بالغوا في تغريبها وعزلها عن محضنها الحي، دون وعي نظري، أو شعري، أو لغوي! ولعل هذا ما دشن ثورة مدرسة الديوان والرومانسية، التي مارست تصحيحاً متأخراً، غير مكتمل، لكنه استدراك ما يمكن استدراكه، فكانت ثورة على من ورطوا اللغة، وجعلوا الجمال خادماً للهوية وحسب، وأعادت اللغة إلى الذات الناطقة والشاعرة، وخففوا من الوصاية عليها؛ إذ الوصاية على الشيء يشي باستقلاله عن الذات ، فكانت المدرسة الرومانسية مرحلة ثورية ضد هذه الخطيئة، وأطلق عليها النقاد (المدرسة الوجدانية والذاتية)، أي أن اللغة صارت أقرب للذات، ما يعني أن الجمال سيستعيد حضوره الطبيعي في (ثنائية الجمال والهوية)، بوصفه كاملاً متكاملاً، لا ناقصاً تابعاً لنظرية عسكرة اللغة إزاء المعتدي، الذي لم يتهم اللغة لهويتها، بل لمقوماتها. ولك أن ترصد خطة المعركة والمواجهة؛ فالمعتدي يتهم الإنتاجية والعصرية ، وهم يردون بالهوية والحمية والعصبية القومية، أو الحمية الدينية، وبقيت هذا الحال في الخطوط الأولى للمواجهة، بين معتدٍ يتجنى، لكنه يعي ما يقول ويستهدف، ومُدافع يرثي ويفخر في آن معاً، ويَعْدِل، لكنه لا يكاد يعي طبيعة المعركة. إذاً، الهجوم جاء لسبب، والرد لسبب آخر، ولا ننفي وجود ردود ذات صلة بإنتاجية العربية والفصحى، لكنها مخلوطة بفجاجة بدوافع متهورة تتمحور حول حراسة الأنثى والهوية والمستعمر، ما جعل مدرسة حافظ تتمسك في حالة الاحتدام بمواقفها ومواقعها؛ لأنها حرب عمياء تورطت فيها اللغة المبصرة.

تلقائية اللغة هي الفاعل الوحيد لإبداعها وإنتاجيتها وتفوقها، أما تحويلها حزباً أو مؤسسة مستقلة بذاتها عن منظومتها الحية أشبّهه باستئصال عضو ضروري، وساعتها يحق لنا وصف الفصحى بـ(الآخر) أو الأجنبي، بكل غربته وغرائبيته! والواقع أن الفصحى عضو اجتماعي اعتيادي، وفي قلب الحياة الضاجة بالمادية واللذة ووالطمأنينة الروحية أيضاً.

العفوية هي أن تستمتع باللغة وتنشطها وتفعّل جمالياتها، دون تكلف أو خطط عسكرية، والدفاع عنها يكون بالكفّ عن الزج بها في معارك يكون المدافعون عنها هم من يحتاجون من يدافع عنهم؛ إذ هم يمثلون حالة من الكسل الذهني، وما يمكن وصفه بخدر التراث، الذي لا يحسن الكثير دمجه في النعومة الطبيعية للإنسان العربي الحيّ، بل يتحول التراث نفسه إلى مؤسسة مستقلة بذاتها، وما ينطوي عليه من فكر ولغة خشنة وناعمة، في حين أن التراث عبقري عصري، ينطوي على عمق وحكمة تمشي وتتنفس في كل زمان ومكان، و كل محاضن الفكر الحديث والحياة الصاخبة المادية والتقنية الجديدة.

الغفلة عن إبراز حداثة وعبقرية التراث وأهليته العصرية لفظاً ومعنىً، وجعله ضمن مرجعيات التفكير والإبداع والتنظير، كان بسبب هذا التيار، الذي ارتكب خطيئة النعي والرثاء العلني للغة، حيث حاصره ووأد عرائسه.
لم يكن التراث على عداء مع الجمال والإنتاج، لكنهما غابا بسبب عسكرة الهوية والأدلجة العصابية، التي طوقت مصادر إبداعه، بدعوى صيانتها من المعتدي، حيث جعلوا منه مادةً وحيدةً لفهم هوية اللغة، وطمسوا جوانب جمالها وإنتاجيتها وعصريتها أو كادوا, ولسان حالهم يقول: إنها تصلح للعصر، لكن العصر لا يصلح لها.

مدرسة وتيار حافظ إبراهيم زجت بالفصحى في أتون معارك متعددة الجبهات، جعلت من تحرشات دعاة الأجنبية والعامية خنادق لاهبة لحمايتها وكأنها عجوز شوهاء , مفعولاً بها ,خارجة عن الأنا العربية النامية , حتى صار الجيل الجديد لا يعرف الفصحى إلا بالكائن الثقافي المستقل عن الإنسان العربي، والمستهدف من أعدائه وأبنائه، فتعريفها لا يتجاوز أنها مستهدفة في حالة دفاع، وكيف تكشف لك عن جمالها وهي مقاتلة لا أكثر.
إن افتعال المعركة جرد اللغة من طبيعتها، واختصرها في المعركة وغبارها، ولا تزال، بفضل غفلة حافظ ومدرسته.

*العربية لقيت حرباً من أطراف متربصة , لكن كثيراً من المدافعين عنها كانوا عوناً عليها لا لها .

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/articles.php?action=show&id=278]
[/URL]

[/SIZE]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *