عشاق اللغة وحرّاس اللغة

[SIZE=5]الذين افتعلوا المعركة بين الفصحى والآخر غيورون وقعوا في خلل في الوعي، لخلل في جس الثغرات وإدراك الواقع، أو نفر زجوا بها في هذه المعركة، لتكون لهم القيادة وحمل اللواء في الدفاع، ولا أحسب أن ثمة فريقاً ثالثاً يمكن إدراجه مُتهَماً بهذه الخطيئة.

وهم كما أسلفت تعاملوا مع العربية, غايةً لا وسيلة، وهوية لا فناً ومنجزاً، بل وعزلوا هويتها عن فنها، وبقوا في دوائرهم التي تعزلهم عن اللغة ذاتها، وجعلوها حالة طارئة في مجتمع غير طارئ، وأمة ذات حضور وجذور وذات وجود طبيعي تلقائي، تاريخاً وجغرافيا، لينقدح محور ملتهب في مفصل الثقافة: (هل الفصحى حالة طبيعية أو طارئة، أو شاذة ؟) (وما حدود الفصحى ومرونتها وتفاهمها مع الآخر)؟. إن هذه الأسئلة لم تكن مطروحة على تيار حافظ إبراهيم، بل ربما كان طرحها ضرباً من الاعتداء على وقار العربية ومشاغبة الهوية والتحرش باللغة الأنثى.

والواضح أنهم يطرحونها؛ لأن الجواب يشاغب السؤال ذاته، فهي وفق أيديولوجيتهم حالة شاذة وطارئة عن الحراك الثقافي والاجتماعي، والفصحى ? بحسبهم – ليست فقط علامات إعرابية دقيقة تنتظم فن واستقامة الكلام، بل منظومة آيديولوجية مترامية ومتعسكرة ضد النصف الآخر من القاموس العربي ورشاقته ونعومته وعفويته النافذة في الذوق والحضور.

وخاضت مدرسة حافظ إبراهيم معارك في جبهات داخل القاموس وخارجه، واستخدمت أسلحتها الخفيفة إزاء خصوم يلجؤون للخيار النووي، ودخلت العربية في كوارث أحرجت حتى عشاقها ومناصريها؛ فالمعركة حيناً ضد العامية، وحيناَ ضد الشعر الشعبي، وتلك جبهة أخرى مستقلة وثالثة مع الأجنبية (الغازية)، والغزو سيادة وتفوق، وحيناً ضد حلفائها في خندق الفصحى، وهي القصيدة الحديثة، أو الحداثية والتفعيلة، وربما تحالفوا مع العامية ضدها، أو جاملوا الشعر الشعبي، أو كتبوه، لكنهم لم يتسامحوا مع فصحى التفعيلة! فصارت المعركة حزبيةً أكثر منا غيرةً، وهنا يهتز الموقف والمبدأ للخلل ذاته ودعوى الهوية اللغوية، وتتشتت التحالفات، وتتداخل الخنادق، وكل هذا بسبب اللاوعي بطبيعة المعركة هويةً وجمالاً وإنتاجاً، وانتهت هذه المواجهات إلى تراجع الفصحى في مختلف الجبهات، لكنها بقيت ذات حضور بفضل دعاة العفوية اللغوية، التي لا تفتعل معارك فارغة وخاسرة، إنما تفعّل إمكانيات العربية في المجالات كافة، ومن بينها الإعلامي والفني، الذي تتجه له الأذواق والحاجات الإنسانية، لتطفو الفصحى على السطح بوصفها صوتاً راقياً معبراً عن حس بدهي، يمارس تطبيعاً بدهياً مع الذوق العام والأذن العربية، ليتسرب عفواً إلى اللسان، متجاوراً بوداعة اعتيادية مع المنطوق نصف الفصيح، ومع العامي، ليحدث تفاهماً حول الحقوق والمهمات، وعندها تسجل الفصحى انتصاراً مقبولاً، فقط لأنها مكّنت لجمالها وإنتاجيتها، بعيداً عن العسكرة والعصابية .

ولنتأمل هذه العفوية والانسيابية المتحررة من رقابة الهوية والتاريخ المفتعلة، لنؤكد أن هذه العفوية أحرزت مكاسب للعربية والفصحى، إذ تماست مع العقل والرغبة واللذة والحس إذ الإنسان العربي كغيره يتعامل مع اللغة بوصفها وسيلة، والمدرسة العفوية تستشعر هذه الحساسية وتتفاعل معها، فكان التواصل مع المتعة والحس تواصل وسائل لا غايات. ولعبت الفصحى دوراً بالغ الأهمية في التماهي الحرّ وبعشوائية جذابة، لتقول: (أنا هنا)، بصوت وصورة وخبر وفن، واستدراج للأذن والعين واللسان إلى القاموس الفصيح، دون اقتياد إجباري، لتختفي كل مظاهر العسكرة وتسليح الفصحى ضد خصومها، الذين هم (الآخر) و(الآخرون) والعوام،الذين دُفعوا إلى الخندق المقابل للفصحى دون وعي، فكان منهم الإعراض والسخرية والاستصغار، وهاهم أولاء يعودون إلى القاموس الفصيح دون وعي منهم، وذلك بعملية تطبيع استبطانية يستلذها كل من وقع في شَرَكِها المخملي. الثقافة المخملية واعية ذكية وناجحة، وتعطي الفصحى نعومة شعبية، تجعلها فعلاً وممارسةً طبيعيةً وقاموساً ممكناً واختياراً يدخل في حالة تجاور ومنافسة ودية تحقق فوقية طبيعية للفصحى، حيث لا مكان لسوء التقدير الكارثي ، الذي يطلب السيادة للفصحى وينعاها في الوقت ذاته.

مدرسة حافظ ? رحمه الله – لم تحدد لها ولأتباعها ما تريد, هل تريد السيادة والملك للفصحى، أو تدافع عن وجودها وحقها في الحضور الثقافي فقط ودرء شبح الموت عنها؟
غياب الإستراتيجية كان خللاً، فضلاً عن الإجراءات العملية والتنظير لاستيعابها داخل الفعل العلمي والثقافي، التي اتسمت بطابع ثوري واندرجت ضمن البرنامج الثوري العربي العام، الذي أخذ النظرية من الشعار، وأخذ التطبيق من النظرية، حيث انعكس الخطأ الشعاراتي في معركة الميدان القتالي على الميدان الثقافي، وكأن مدرسة حافظ مجموعة من مقاتلي الحمية العربية، ليتبلور مشروع عسكري لغوي، جرّد اللغة من جمالها وإنتاجيتها إلى عصابية فجّة، لا تحسن إلا القصف المتبادل مع خصم حقيقي ووهمي.

في هذا الصدد يجدر أن نفرق بين (عشاق اللغة) و(حرّاس اللغة)؛ فالعشق شعور فطري يبعث على رخاء النفس والطمأنينة, والحراسة حالة من الترقب والتربص والمبالغة في الشك في الآخر، بل ربما الشك في الذات وزملاء الحراسة، وإذا طال زمن العشق فالمعشوق ذو جمال وأبهة طبيعية, أما إذا إذا انقلاب العشق حراسةً فالمحروس قد يكون ضريحاً مقدساً عند الجهلة، أو هكذا أرادت آيديولوجيا الجهل أن تجعله.

نحن إذاً إزاء قطبي العشق والحراسة, وكلاهما موقف شعوري أو نظري يترجم إلى إجراء عملي؛ فالعشق يستشعر الجمال الخاص حيال الطرف المعشوق، الذي اكتسب الجمال فطرة وطبعا،ً لا تكلفاً وتطبّعاً، وكما شاءت معاجم العربية فاللغة تصنف اسماً مؤنثاً، لكنها تكتسب فحولتها في اللحظة الملكية التي تهيمن فيها على الموجودات من حولها، وتتردى في أنوثتها ساعة تفقد مكتسبها وقدرتها وتستحيل عجوزاً عاجزة استبدّ بها الخرف، فلا يعتد بما تمليه من توجيه أو أمر، فتكون في أول منازل الضريح الذي يتطلب حراسة، فقط لإثبات وجود بقايا كائن (كان) له قوة وحضور، وتزدهر (كان) في اختيارات التعبير عن الفصحى؛ لأن الضريح ينطوي على (كان)، أو هكذا أراد لها حراسها.

العشق تفاعل حيّ مع حيّ، يبدع إنتاجاً لغوياً متجدداً وينجز إبداعاً وإعجازاً داخل وخارج اللغة في سبيل هذا المعشوق، فحدائق بابل المعلقة إعجاز غير لغوي عن حالة عشق للجمال والتقرب إليه، ولا يتوقف عند هذا الحد، بل يتضاعف بتضاعف تقدير قيمة هذه الحيّ الجميل، وهي الأميرة التركية، لتكون هذه الحدائق المعلقة معادلاً ثقافياً لحراسة الأميرة، لتحصَّن وتُحرس بالجمال، ويكون الجمال حارساً للجمال المتحرك، وعندها تكون الحالة الطبيعية لتصدير الجمال الطبيعي نشاطاً منتجاً على أكثر من مستوى، فضلاً عن أن تأثير الجمال على من حوله تأثير إنتاج واستشعار اللحظة المخملية الممتدة بامتداد فكرة أن (الجمال يبدع لحراسة الجمال).

وفي المقابل نقف إزاء حالة مقاربة مفتوحة الدلالة لحماية القيمة، وهي حماية وصيانة الضريح، بوصفه إنجازاً رمزياً فوق قبر لإيقاع الهيبة لا الجمال؛ لأن العشق اعتراف طوعي بالجمال والجلال، والضريح إحالة مهيبة فاخرة، بُذل لها الطائل المادي، فقط لإكساب الميت قيمة جمالية خادعة وبعداً صوفياً لا يكتسب قيمته إلا مع نشاط الذاكرة؛ لأن الفعل (كان) هو تفعيل أجزاء الذاكرة النشطة والخاملة، فنحن إزاء مشهد انفصامي فاخر فوق القبر يغالي بالحفاوة بموؤودة تسبب في وأدها من شيد ضريحاً , يصطنع الفخامة غفلةً أوتحايلاً وابتذالاً للعقل والوعي والمشاعر، وكل هذه المشاهد تحيلنا عفواً إلى قصيدة حافظ إبراهيم، حيث اللغة الموزونة الفخمة التي تقبع فوق قبر العربية ( كما نعاها)، ليكتمل مشهد الضريح، وتتضح ملامح حراس هذا الضريح.

وخلاصة المشهد والفكرة أن الجمال يحرس الجمال بالجمال، أما حرّاس الضريح فلا تنتظر منهم أي إنتاج جمالي، فليست هذه مهمة الحراس، لتتحول حراسة العربية إلى نشاط عسكري أمني جاف.
الحارس الأمين متوتر بطبع مهنته، فنحن لا ننتظر من عساكر حافظ إبراهيم إلا الحراسة الأمينة المتوترة. أما الإبداع والجمال وتأجيج الفصحى فناً وحضوراً فمهمة من عشقوا فتنتها وكشفوا إغراءها، ولم يختصروها في (كان) والهوية والمجد التليد والعصبية العروبية ، لنكشف أن العربية مغرية بطبيعتها، وتأخذ مداها بفتنتها الصارخة، وليس من تاريخها فقط وشيخوختها المفروضة عليها. وإليك أمثلة من حضورها الفاتن والإقبال العام على الذوق العربي وإغرائه العفوي.

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=537]
[/URL]

[/SIZE]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *