فصحى نشرة الأخبار.. غنائية الوضوح

[SIZE=5]سيَعجب بعضنا من اصطفائي نشرة الأخبار لضرب مثل على أناقة الصوت والكلمة والتركيب، وهذا العجب مؤشر على غفلة عن استشعار المقاربة الذوقية التلقائية بين مستويات التعبير المحمول على مستويات من النظام الصوتي، وهذه المقاربة آلية في التلقي الفطري للمستمع، بل إن المقاربة لا تنعقد أصلاً؛ لأن ثمة تجاوزاً بدهياً يدمج الفصحى في الخيار اللغوي العام، ويجعلها عضواً فاعلاً دون تمييز يعزلها عن العفوية العامة للحراك الاجتماعي، ولا يقحمها في مناوشات تجردها من حميميتها عنصراً جمالياً متآخياً مع الجماليات الأخرى، التي تزخر بها حركة العصر؛ حيث لا يغيب الجمال عن كل فعاليات الحياة وإبداعات إنسانها، و تأخذ الفصحى حيزها الافتراضي ? دون تدخل عسكري ? ضمن نجومية الحياة وبانوراماها الخلابة.
تأتي نشرة الأخبار بوصفها نصاً لغوياً بانورامياً يتماس مع احتياج الإنسان ورغباته؛ فليست نصاً دينياً، أو تربوياً، أو تعليمياً، أو شعرياً. إنما هي مادة نفعية محضة تباشر مصلحة الفرد، أو المجتمع، أو الدولة، وتدخل ضمن ضرورة الإنسان بكل عنفوانها؛ فهي تقدم خبراً عمّا يهم المواطن ومصالحه، أو سياسياً يشغل بال الكثير، أو رياضياً ينال حماس الغالبية من الشباب الذين يشكلون سواد المجتمع، أو اقتصادياً يهم مادة الدنيا وطمع النفوس للتملك والسيادة.

كل ما سبق من مجالات الاهتمام يُذاع في نشرة الأخبار بلغة فصحى، وكلهم يتابع في حالة غفلة إيجابية عن هذا الفرز الذي يميز الفصحى عن غيرها، وكلهم يباشر لغة تبلّغ خبراً وحسب، وبكلام واضح أنيق يليق بالإنسان العصري والشاب بكل عبثه وترفه، وبحثه عن متعِه وتفوقه الفردي، أو الفئوي على الآخر في شتى المناشط، ومن بينها الرياضي.

فلو تأملنا الإعلام الرياضي المكتوب لوجدناه انتصاراً فذّاً ومؤزراً للفصحى من عمق الظاهرة الشبابية، بكل عنفوانها وتفاهتها وشهوانيتها لتنهض الفصحى في عمق حداثة الشباب وما بعد حداثتهم , وتؤكد وجودها العضوي داخل الإنسان، وليس بمعزل عنه كما يلح تيار حافظ ، بل هي متدفقة في الثقافة الشبابية الرياضية، تعبّر عن طموحاتهم، بل تسيطر على كل مكتوبهم، والكثير من منطوقهم، وتزداد حضوراً باقتراب الرياضي منها، بل هناك من المعلقين الرياضيين من يستخدمها في جلّ تعليقه، ولم يكن هذا بدافع من عسكرتها ضمن مشروع التحصين، بل تفاعلاً مع جمالها التلقائي في لغة شعبية، وهذا نصرٌ لها. أما عسكرتها فلا مكان لها في مشروع الشباب الذين اقتربوا منها بعد أن كشفت لهم عن جمالها.

هذا يطّرد في مكتوب الصحف والمجلات، بكل فروع اهتماماتها السياسية والاجتماعية والفنية والرياضية، وكلها تلقى إقبالاً لدى كل شرائح المجتمع؛ فلا يكاد يخرج فرد عن الاهتمام بفرع , أو أكثر. وتفاعل الناس يومياً مع الصحف لعقود، حتى أخذت حيزها داخل المنازل، وصارت جزءاً من تكوين المنزل، دون أي تحزب مع أو ضد النص الفصيح، الذي يحوي مئات الآلاف من الكلمات الفصحى التي لا يتطرق إليها خطأ في القاعدة النحوية، ويقرؤها القارئ بغفلة إيجابية، تجدد التأكيد أن التطبيع اليومي العفوي مع الفصحى هو النجاح الحقيقي؛ فالفصحى غزت البيوت، واحتلت المجالس والشاشة لقناعة الجميع بضرورتها الجمالية والثقافية، التي أدت دوراً ناعماً فاتناً، وفرضت عضويتها الثقافية الطليعية، وهكذا هي الثقافة الناعمة الأشد تأثيراً وتغييراً للفكر والذوق، ليتحقق مشروع التحصين , بل التمدد والفتوحات دون أن يبقينا الانهزاميون ضمن خط الدفاع، الذي يمثل خط الضعف الأبدي والمبتذل.

قارئ الصحف يؤمن بأن لغة الصحيفة ذات ذوق أرفع، وتشكل لديه هذا الرأي دون مقارنة متوترة مع الآخر (العامية) ،لا سيما أن الأخيرة لم تفرض وجودها عسكرياً؛ إذ لا تنطوي على مفاهيم مركزية أو آيديولوجية عدائية على غرار (أكون، أو لا أكون)، أو (من لم يكن معي فهو ضدي)، فسرُّ قوة العامية أو الأجنبية هو الضرورة الناعمة، وتجاوز الخنادق والكتائب؛ لأن الحرب المعلنة التي يتبناها تيار حافظ تختزل في إلهاب المشهد، ما يعني ضرورة أن يتخذ الجميع موقفاً في حرب غير مبررة، وسيكون أغلبية الناس ساعتها على الحياد؛ لأنها حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولا يترتب عليها نصر يطال مصالحهم الشخصية، لكنهم بعد اطلاعهم على المشهد أيقنوا أن العربية والفصحى في حالة ضعف لم يكونوا يدركونه، رغم أنهم يبذلون أموالهم لشراء صحف، أي أنهم يشترون الفصحى بالمال، فتأمل هذا النصر الفريد للفصحى، الذي يرفض الانهزامي إدراجه ضمن مشهد هذه الحرب المجانية العابثة.
يتكشف جانب مهم، وهو تراجع الصحف أمام مواقع التواصل، ما يشي بمرحلة عاصفة، وامتحان نهائي للعربية والفصحى في إثبات نجاحها العفوي في بعث معجمها وانسيابية صوتيتها داخل سوق صاخبة حرّة متحررة من الرقيب الغوي، ما يؤكد أن الرقابة تحولت ذوقية وذاتية، وغياب الرسمية غياب لخطاب عسكرة اللغة وغفلته التي لا تعي أين يكون النجاح والفشل.

مواقع التواصل الاجتماعي هي هجرة لغوية من تجربة عقول وأذواق وذاكرة من تعليم رسمي وإعلام رسمي مكتوب، إلى أفق الاختيارات التعبيرية، وستكون اللغة أقرب إلى الذات بعد أن تعرضت لحالة فصل قسرية، حيث يفاخر الشاعر بها؛ لأنها ليست منه، ويرثيها أيضاً؛ لأنها (الآخر)، وليست (الأنا).

وللحكم على مدى عفويتها وتفوقها في سوق الكلام، يجدر بنا أن نجس ونتجسس على تجربة التجاور اللغوي واللهجي، وما أسفر عنه من تبادل المنافع والمصالح، بوصفها دافعاً لازدهار اللغة، محرضاً على بقائها الحتمي.
ما نسميه تجاوراً بين فاضل ومفضول يعدّه تيار حافظ صراعاً طبقياً، أو خنادق حزبية، وهذه الفرضية العسكرية تجعل من القلم بندقية، ومن الحياة الرضيّة ميداناً لصراع مع الهواء لا يكفّ، هذا غائب عن جلّ المثقفين وكل العوام، وذلك ما نستشفه في المرحلة الفاصلة ( مواقع التواصل الاجتماعي )، التي تؤكد أن اللغة محاولة للتأثير لا أكثر، والتأثير فعالية جمالية، ينجح حسب الجهد والموهبة اللغوية، ما يشي بأن الجمال سيكون محط تنافس، في مواقع كتابية يبذل فيها الجميع قصاراهم للتأثير وكسب المتابعين، أي أن الجمال والأناقة التعبيرية ستحقق له مكتسباً سيادياً؛ فالأكثر حضوراً هو الأمكن سيادة. والمشاهد أن موقع التغريد (تويتر) مكون من طبقات من تابع ومتبوع، أو متابِع ومتابَع , فالأكثرية تكوّن خلف الأقلية، شأن أي ميدان لصراع المبادئ والأفكار.

الفصحى حققت تفوقاً اختيارياً في مواقع التغريد على ( تويتر)، والأكثر استخداماً لها هم الأكثر متابعة، بل هي الأكثر حتى لدى المغردين الرياضيين وبأناقة لا تقل عن غيرهم . وفي هذا المساق أتذكر أن معلم اللغة العربية في مرحلتي الثانوية يثني على كتابتي في مادة الإنشاء , ويصفها باللغة الأدبية، ولم يكن يعلم أني اكتسبتها من قراءاتي في الصحف والمجلات الرياضية التي رفعت من مستوى لتعبيري ، حيث كنت آنذاك نشطاً ومناصراً في الحقل الرياضي، ومباشراً للفصحى الرياضية.

إذاً، ( تويتر) كان مجالاً حراً لاختيار اللفظ والمعنى ويتحكم بهذا الاختيار الخلفية العلمية والتعليمية، التي أرست الذوق الذي يخوض في الكتابة والرد، وفق اعتبارات عفوية تضع في حسبان المغرد محور: (من أنا وماذا أريد أن أكون)، لتتدخل اللغة في رسم حدود الهوية والطموح.

يأتي الخبر بكل إثارته وعاجلاً بكل جاذبيته ووضوحه وعصريته، لجذب الانتباه، ليدغدغ أعصاب المغردين، ويدفعهم تلقاء مصالحهم ورغباتهم الفردية والجمعية باللغة الفصحى العضوية المباشرة، بوصفها لغةً شعبيةً، لتحقق نجاحها الفذ في حضورها في الشارع والمنزل… لاسيما إذا علمنا أن المواقع الإخبارية في (تويتر) ومواقع التواصل الأخرى تحظى بمتابعين مليونيين، كلهم لا يتعاملون إلا مع الفصحى السهلة الواضحة الأنيقة، التي تضعك في قلب البانوراما العصرية.

مواقع التواصل حققت تجاوراً أفرز مؤاخاة , وشيئاً من سيادة الفصحى على غيرها، دون استخدام شعارات الهوية الرنانة، بل بتفعيل عناصر الجمال داخل قاموس وموسيقى الفصحى الانسيابية الحديثة، بل إن كثيراً من المغردين تكلفوا الفصحى، لاكتساب حضور أكثر وذوق لدى متابعيه، ثم حدث التطبيع، حتى صارت الفصحى السهلة شعبية جارية على لسانه وقلمه، وكأنها صنو الذوق والسيادة الثقافية؛ لينتصر الجمال، ولتدافع الفصحى عن الجمال بالجمال، لا بالنعي والعويل والغربة، وتشييد الأضرحة، وتكريس شباب الأمة حرّاساً لهذه الأضرحة الوهمية.

(تويتر) فرض الصخب والحب والكراهية والصداقة والعداء والخبر و الخبر المضاد والنجومية، وكان للفصحى دورها الأول في هذه التجاذبات المبدعة. و يالها من غفلة أخرى ساعة نعي أنها مَدْرَسة للإثارة والإبداع والذوق الرفيع حتى لدى الأطفال! فالرسوم المتحركة أفق لغوي جاذب للطفل ، الذي تفاعل معها لغةً طبيعيةً يأنس بها كالعامية تماماً.

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=542]
[/URL]

[/SIZE]

التعليقات

لا يوجد تعليقات. كن أول المعلقين!
  1. مشاري العليان says:

    ليس دائما للفصحى ريادتها في الاعلام ومع شديد الأسف فقد أصبح للعامية مكانتها في بعض البلدان العربية وخاصة في الاعلام المتلفز عبر الفيس بوك وتويتر

  2. عماد الراعي says:

    نصا بانوراميا يتماشى مع احتياجات الإنسان ورغباته وعاطفته أيضا فهي بوابة الأمل بالنسبة للمشاهد…أبدعت مع احترامي

  3. مشاري العليان says:

    ليس دائما للفصحى ريادتها في الاعلام ومع شديد الأسف فقد أصبح للعامية مكانتها في بعض البلدان العربية وخاصة في الاعلام المتلفز عبر الفيس بوك وتويتر

  4. عماد الراعي says:

    نصا بانوراميا يتماشى مع احتياجات الإنسان ورغباته وعاطفته أيضا فهي بوابة الأمل بالنسبة للمشاهد…أبدعت مع احترامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *