الرسوم المتحركة… الفصحى خيار الطفولة

[SIZE=5]الرسوم المتحركة رشاقة الدراما وعصريتها، حيث النص السهل والحدث الجاذب واللغة المباشرة (عامية بحركات إعرابية)، التي تجري في الشارع والمطار والملعب والمقهى والمدرسة، و الخيال العلمي بكل تعقيداته التقنية الحديثة.

الرسوم المتحركة خيال عذب في تلقي الطفل؛ تصاغ في حدث يقرّب الخيال إلى الواقع بحسب هذا التلقي. فالطفل يستمتع إذا تلبس الحدث واندمج فيه عضواً لا مشاهداً، وهذا الاندماج يمثل ما يقدمه واقعاً، لاسيما أن الخيال الكرتوني يدخل في القبول والممكن لدى الطفل بوصفه حدثاً طبيعياً في احتماله، وهنا تكتمل الإثارة واستفزاز الطموح الطفولي والتوثب تجاه مشاركة ممكنة داخل الشاشة.

لغة الرسوم المتحركة تصاغ بعناية؛ لأنها عمل أدبي في ذاتها، وكل رواية جادّة تكون عملاً مناسباً للأطفال إذا أدى أدوارها رسوم متحركة ويُقبل الطفل عليها؛ لأنها أكثر مناسبة لذهن الطفل, والطفل يتعامل معها واقعياً بوصفها شخوصاً معبرين عن أفراد الحياة ويومياتها كما هي في الغالب.

الطفل يتلقى أصواتاً مركبة، تنبعث عن شاشة، ورسوم تشبه البشر، وتزداد قناعته في بشريتها أنها تتحدث كما البشر، ومن داخل شاشة مستطيلة الأناقة، تحتضن تفاصيل الحياة العصرية، لاسيما الغربية منها، بكل جماليتها، وإغراء النمط الأجنبي الذي يباشره الرائي في الواقع، أو في الأفلام التي تعكس الحركية الدقيقة لمجتمعاته.

الدعاية المضادة للفصحى اختزلتها الأعمال الفنية في التراث والعمامة والشخوص التاريخية، وكان هدفها إحياء الفصحى على طريقة التراثية؛ إذ اتجه قطاع من الوعي صوب هذه المتلازمة، التي عززت من هوية الفصحى التراثية، التي أمعنت في عزلها عن إنسانها، وبات الربط بينها والحياة ضرباً من السخرية عند هذا القطاع من المتلقين، لتقبع الفصحى في خانة (الآخر) بكل ما تحمله من دلالة الغربة والاستيحاش، وبقائها زيّاً لغوياً لعمامة أبي دلامة، والمقاس الإبداعي لعباءته الرثّة، ولكن عزاءنا وملاذنا إلى كل من يبذل دعاية مضادة لهذه الدعاية المضادة، ولعل الرسوم المتحركة التي تعكس عصرية الفصحى هي من الجمال المضاد، الذي يسخر من الذين جعلوا الفصحى ضريحاً، وينفض التراب عن الموءودة الجميلة.

الطفل لا يعي الدبلجة، ولا يستحضر أثناء الاستقبال إلا لغة مفهومة ومعبرة, ذات نظام صوتي جاذب ومنسجم مع جماليات الصورة ، حتى لتبدو اللغة ذاتها صورة متحركة وبانوراما من الألوان الزاهية داخل الحدث. والطفل يتفاعل مع الفصحى السهلة حتى لو لم يفهم بعضها، فغياب الصوت قصداً أو لخلل تقني يفسد مزاج التلقي، ويُفقده شرطه المهم، وهو اللغة والصوت، باختلاف خاماته، لاختلاف الشخوص، وهذا التنوع الخالب يضفي مسحة من الجمال الفاخر على الأداء, حيث الأصوات تُنتقى بعناية، ليتوفر شرط الجذب صوب المنطوق ومجاله الصوتي (الفصحى)؛ فنحن بإزاء لغة وصوت وظروف تبليغ هذا الصوت، وكلها تنال قبول الطفل، من دون أن يميز بين هذه الثلاثية الممتعة، لكنه في نهاية الأمر يدخل في ثنائية الجذب والإثارة مع الفصحى، ويستمتع ويكتشف بلا وعي سعة ورشاقة هذا القاموس وطربيته العالية وترادفيته، التي تمنحه ثقافة وثقة أكثر في جمال وإنتاجية لغته، التي تعاملت مع كل تعقيدات النص الغربي، سواء كان قروياً، أو مدنياً، أو تراثياً، أو فضائياً. والطفل -على نحو آلي- لا ينتظر من الفصحى الرشيقة إلا أن تقدم له وجبةً شهيةً ومتنوعةً من المفردات الزاهية والتراكيب المتألقة، التي ترقى إلى مستوى عصرية الشاشة الكرتونية.

الطفل منح الفصحى كامل ثقته في الشاشة, وهو بطبيعته لا يفهم الحياة إلا من خلال متعته الخاصة، بل واكتساب أعلى درجات المتعة التي تحدد علاقته بالبيئة و علاقته بها، ولحظتها تكون اللغة لحظة إمتاعية؛ لأنه يتوسل باللذة لاكتشاف ذاته والآخر وعلاقتهما، ولاكتشاف قدراته وشخصيته ومواقفه الإنسانية وحيزه الثقافي ودوره الرومانسي أو البطولي، داخل نص لغوي يندفع إليه الطفل بعنفوان وتهور، تجاه جمال ظاهر وباطن فطري يتلقاه طرف فطري بوسيلة فطرية، يحقق إنتاجاً عفوياً ينعكس على موجب وسالب إرادته، وتنجح الفصحى العفوية في تحقيق نتيجة تاثيرية مزدوجة على هذا المتلقي؛ فإن بادر بعد تفاعله مع النص الكرتوني إلى عمل خيّر فقد نجحت الفصحى، وإن عمد إلى شرّ فقد نجحت الفصحى أيضاً؛ لأنها لغة للخير والشر، ما يشي بتنوعها وعالميتها داخل الإنسان وخارجه، وأنها جزء من الأنا الإنساني، وليست (آخر)؛ لأنها نجحت في إلهاب الداخل الطفولي في كل اتجاه، فاقترنت الفصحى بطموح اللحظة الطفولية.

نص الرسوم المتحركة نص حواري، ليس سردياً تعليقياً كما في الروايات؛ فالعمل الدرامي يبدأ بالحوار وينتهي إليه، ويندر أن تتضمن الحلقة تعليقات بينية. والحوارية هي سبيل الطفل إلى عالمه؛ لأن الطفل ليس متأملاً بطبعه، لضعف شرط العقل المتأمل، فخبرته وتراكم معرفته التي ينطلق منها في تأمله ضامرة، لحداثة سنه وضآلة تجربته، ليكون الحوار استماعاً وأداءً وسيلته لكسب هذه القاعدة من المعلومات والتعرف على المواقف والنزعات الإنسانية، التي تميز الصواب والخطأ، وما الإنسان إلا كتلة من الخير والشر.

الحوار في النصوص الإبداعية أرشق وأوضح وأكثر مرونةً وتحرراً من الوقار الأدبي الوصفي، وتأتي الفصحى في الحوار الكرتوني محمولة على مستويات صوتية متفاوتة ،شأن أي حوار في أي لغة، حيث تتعاطى العاطفة الطفولية مع لغة منفعلة داخل حوار متوتر عماده الفعل وردة الفعل، والفعل نفسه ردة فعل مسبوق بمساحة من الفراغ الحواري القابل للملء بمتخيل متوتر أيضاً، ومستويات التوتر تعلو وتهبط، لكنها لا تخرج عن هرم انفعالي ضروري؛ إذ الاستجابة الفاترة إزاء أي فعل تعدّ ردة فعل مدفوعة بانفعال فاتر أيضاً، لكن الانفعال حاضر داخل الحوار الكرتوني ولغته الفصحى؛ فالحوار الفصحوي الرشيق أمام شاشة الطفل كثّف من قناعته الذوقية بفروسية هذا الصوت المركب، فتجده بعد الفراغ من المشاهدة متلبساً بفصحى اللحظة، يردد ويهتف بعبارات بطولية , يطمح أن تمكّن من حضور شخصيته داخل وسطه الطفولي والاجتماعي والأسري؛ إذ إنه لا يتفاعل إلا مع أبطال أرضيين، أو فضائيين أشرار وأخيار.

ترديد الطفل قطعة من النص الكرتوني يؤكد عبور الفصحى إلى ذاكرته الغضة دونما تعويق، لتستقر فيها موجوداً وأداةً ومادة تفكيرومكوناً في هويته وإرادته، ولا يسع أحداً أن يعزلها إلى خانة (الآخر) إلا بإجراء عسكري ينفذه المحاربون القدامى.
الفصحى الكرتونية تكتسب جمالية مضاعفة ساعة تتجاوز اللسان البشري إلى ألسنة الحيوانات والطيور، وتجري وسيلةَ تعبيرٍ, تنتظمنها مع أفراد جنسها، أو الأجناس الأخرى، وكأن هذه اللغة ? حسب تلقي الطفل ? مشتركة بين الكائنات. ويطرّد هذا إلى النباتات والجمادات، فكلها ناطقة بلغة واحدة , ذات قاعدة نحوية واحدة، لا يخطئها أيّ من هذه الكائنات، وعندها يشعر الطفل بقيمة كونية عليا لهذه الوسيلة الفذة، التي تؤدي دوراً يحيل المستحيل إلى ممكن في التصور السطحي اللحظي للطفل، حالما ينطق الحيوان والإنسان بمركب صوتي واحد وجاذب للطفل، أو أنه غير مهتم بالتحقق من صدقية قدرة الحيوان على النطق؛ لأن الجذب الكثيف للصورة واللغة صرف انتباهه عن هذه الأسئلة التي غفل عنها الطفل، إزاء هذا النص الأخّاذ صوتاً وتركيباً.

مارست الفصحى الكرتونية دوراً عفوياً في تحقيق لذة تسرّب منها ذوق لغوي رفيع إلى ذاكرة الطفل، واستقر فيها تام الحضور والجاهزية للجريان على اللسان، للتعبير عن عاطفة وموقف وعصر وحداثة؛ لأن الطفل اكتسبها من فصحى عصرية عبّرت بتكاملية عن صورة متحركة عصرية أرضية وفضائية؛ فآمن الطفل في لاوعيه أن الفصحى جميلة جمالاً منتجاً , لا جمالاً كسولاً وقاموساً يرسل فَرَاش الكلمات الجميلة في كل اتجاه؛ لأن الجمال الكسول خادع ساعة يختزل في القاموس الرومانسي الذاتي , الذي لا يغادر إلى علاقة الإنسان بعصره وحاجاته المعقدة. والفصحى الكرتونية أدت هذا بوضوح وإقناع، غير أن البعض يكتفي بالتغزل في جمال اللغة دون محاولة لتفجير جمالها باتجاه المدارات الإنسانية الكبرى؛ لأن الجمال وحده غير منتج، لتكون اللغة عندها لا ولوداً ولا ودوداً ولا بكراً، لكنها جميلة.

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=545]
[/URL]
[/SIZE]

التعليقات

لا يوجد تعليقات. كن أول المعلقين!
  1. نادر says:

    بارك الله في قناة براعم وجيم التي زرعت اللغة في نفوس الأطفال مثلما أشار الكاتب اما بخلاف ذلك فلاىيستحق الثناء

  2. عمر الخالدي says:

    الرسوم المتحركة تنسج خيال الطفل و تزرع فيهم القدوة الحسنة …لكن هذه الأيام أم بي سي 3 تزرع الانحلال إدوارد التمرد و العنف

  3. غانم الراشد says:

    حاليا معظم افلام الاطفال الكرتونية بالعامية المصرية او اللبنانية وتحمل في طياتها مضامين تخريبية في العقيدة والسلوك والقيم بالنسبة لي امنع اطفالي من مشاهدة بعضها لانه سيء بكل معنى الكلمة

  4. راشد الرويلي says:

    هناك اعمال كرتونية جيدة تنتجها قنوات ملتزمه في مضامينها أشياء جميلة وتذكي في نفوس الاطفال القيم والسلوكيات الطيبة وخاصة الدينية منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *