خلود اللغة بوصفه تهمة

[SIZE=5]يدخل (الخلود) على نحو طارئ ضمن معادلة اللغة والوعي، لينتظم مع (الجمال والإنتاج) في تحديد ماهية اللغة الحيوية. ومن أسفٍ أن الذين أقحموا (الخلود) ضمن هذا الثالوث هم أنفسهم الذين باشروا خطاب النعي والمفاخرة بالرثاء، ليكرسوا مسلّمتهم الشائخة في أن قوة اللغة في هويتها لا في مواصفات أخرى، إما تجاهلاً تاماً، أو تهميشاً وإقصاءً، وهكذا هو شأن الثقافة المنفعلة التي تغيب عنها جوانب كثيرة من الفهم والاستنتاج.

(الخلود) وصف جوهري للغة، ومادة مفاخرة واستعلاء على الآخر المنافس، وهو الاستمرار في البقاء ما بقي الزمان والمكان؛ لأنه مجال استيعاب الإنسان ووسائله للحياة ومن بينها اللغة.
وحقيقة (الخلود) مطروحة بتأكيد في الوعود الإلهية في النصوص الدينية كالقرآن والحديث، وتلقاها المؤمنون على نحو إيجابي ومباشر؛ لأنها صارت ملازمة للنعيم. أما الكافرون فلم يتلقوا (الخلود) في النار على نحو سلبي، أو مفزع؛ لأنهم لم يؤمنوا به؛ فلم يدرجوه ضمن أي تصنيف؛ إذ هو خارج الممكن حسب قناعاتهم، فاستقر مفهوم الخلود في الأرض كمعطى إيجابي، ولاسيما أنه اقترن بجائزة الجنة .

الوعي التقليدي يدفع بـ( الخلود) الغيبي ضمن سياقات دنيوية وعلى نحو متهور وغير علمي، على خلفية أن الخلود ذاته فعل جبروتي ينم عن انتصار جبّار على خصم واقعي، أو موهوم، إذ الخلود انتصار أخروي على الشيطان الشرير، أما في الأرض فهو انتصار دنيوي على (الآخر)، ليستقر في الذهنية السطحية أن الخلود الدنيوي حالة من التفوق، دون فحص تفاصيل هذا المفهوم وأبعاده، والاتكال على الكسل الذهني في الجهل أو التجاهل، والاعتماد على الهامش لتعريف المتن والسطحي لفهم المحتوى العميق.

تبرز المقارنات المنطقية لكشف موجوب المفهوم والظاهرة وسالبهما, لكن العقل الخامل لا ينشط لتفعيلها , ربما لأن (أخو الجهالة في الشقاوة ينعم)؛ فالجهل نعيم لكل من لا ينهض للتأمل، ولو لليسير منه!
(الخلود) الدنيوي لا يحيل حتماً إلى دلالة موجبة من جمال ونفع وإنتاج؛ فالغباء خالد، والكسل خالد، والبطولة خالدة، والشر خالد، والانحطاط خالد! غير أن موسقة كلمة (خلود) تمارس حيلة على جهاز الاستقبال الحسي، يسرّب انطباعاً مسطحاً بالجمال والريادة والبطولة والضرورة الإنسانية، وكل هذا عبث يدركه ذوو الوعي اليقظ؛ لترتد هذه الصفة سلباً على اللغة، وتحيلها إلى مادة تاريخية سابقة، وليطغى (الخلود) بفخامته الزمنية على أسباب الخلود ذاتها، من الجمال والإنتاج والخدمة الضرورية لمستخدمها.

تلح مناهج التعليم والثقافة على وجه تمامها على أن العربية لغة خالدة، وقد يكون لهذا نصيب هائل من الصواب من حيث استمراريتها وقدرتها على البقاء. والخلود هنا مرادف للبقاء بكل ما تحمله الكلمة من سكون ودعة وجمود عن أي تطور، أو نمو ليكون البقاء فعلاً زمانياً ومكانياً، ولا علاقة له بالتأثير داخلهما.

البقاء هو المكان ساعة يفرض وجوده على الزمان بتعسف أو تفاهم، من دون أن يقدم أي بينة على أهليته للاحتفاظ بحيزه المكاني، وليكون مرادفاً للجماد الذي يشمخ برهاناً على كل باقٍ، كالجبال والأرض والبحر، وكثيراً ما وقف الواقف أمام الجبل ليصفه بالشيخوخة والبلادة وعدم الجدوى إلا من ظلٍ ليس له فضل فيه, بل للشمس، أو من غار يستقبل النزلاء بالمجان؛ لأنه رخيص، وساعتها ندرك أن الخلود رخيص جداً في كثير من أحواله.

مدرسة حافظ إبراهيم تتغزل بخلود العربية، ولكنه خلود البقاء لا غير , دونما تعريف أو تفصيل، كما تغزل حافظ وفاخر بـ( الأعظم النخرات) ولجوئه للمقابر ليبرهن على عظمة العربية والفصحى، ويقدم برهاناً قبورياً على فكرة الخلود المستقبلي لهذه اللغة؛ فهو يرى أن سر عظمتها أنها قديمة متماسكة بمثابة الجبل الذي يصفه الشعراء بالشيخوخة أو العدمية إلا من ظل تزول قيمة الجبل بزواله.

(اللغة الجبل)، ثنائية يستبطنها النسق الذهني لدى هذه المدرسة، لتنفجر إيحاءات انتقاص فاضحة لمقارنة لا تنفك عن الاسترسال والتدفق؛ فالجبل الخالد مفعول فيه في أغلب معطياته، فهو مُستَظَل مؤقت، ومسكن مؤقت، وملجأ للهاربين من العدالة، ومعبر لعابري السبيل، الذين يغادرونه طلباً وقصداً لهدف ينشدون فيه الحياة والمستقبل. إنه خارج الحياة والمستقبل. فيا له من خلود مبتذل منحط مفعول به .

النسق المتحايل يعبث بالتعريفات، ويشوش القاموس ويصدر إشارات مزورة تجاه مفهوم (الخلود)، ويعزله قسراً عن الجمال والإنتاج؛ لأن فكرة الخلود ذات متانة تاريخية تتجاوز المقاربات مع أي معادلة للتلقي العفوي في الذوق العام، فعندما يحضر مفهوم (الخلود) فهو يستحضر معه ظلال أبدية ثقيلة ليس بوسع أحد أن يستوعبها منفردة، فكيف بدمجها مع مقاربات ومعادلات وتكامليات خارج المتاح للتلقي الفردي والجمعي؟ وعندها سيكون فهم ( اللغة الخالدة ) في معزل عن أي داعم لفهم الخلود ذاته، إلا الفهم الأحادي الجاف الذي لا يقدم أي معنى إيجابي خارج التلقي السطحي، الذي لا يمنحها أي قيمة عليا جديرة بأن تجعل من الخلود ذا نفع أو جمال.

أيديولوجيا( الخلود) انقلبت هجمة مرتدة ضد العربية وأصابتها في مقتل؛ لأن الذين صاغوا مرافعة (الخلود) لم يكونوا يكتشفون جمال وجدوى اللغة، بقدر ما كانوا يصرخون دفاعاً عنها تحت شعار الهوية ومقاومة المستعمر,؛ لأن أي محاولة لتهديد بقائك ستضطرك لردة فعل منفعلة غير محسوبة ولا تخدم الذين أقحموا العربية والفصحى في هذه الصراعات والخنادق؛ فهم يخترعون المعركة ولا يحسنون إدارتها، وكم ذا دفعوها إلى معارك ومواجهات بدأت برثاء وانتهت به، فأي إرادة يمكن أن تلهم المحاربين وهم بلا إرادة ولا إدراك بالـ(الأنا) و(الآخر).

يأتي عنوان (لغتنا الخالدة) متربعاً على غلاف كتاب مدرسي للغة العربية، شأن عنوان (لغتنا الجميلة)، حيث يتم تلقين الطالب المعلومة والذوق معاً قبل أن يتذوق, بل الكتاب لا يقدم أي معنى للخلود إلا ما يتلقاه المعلم والطالب ومؤلف الكتاب من المعجم النسقي لهذه المفاهيم، ليتحول الطالب من متفاعل مع اللغة وسيلة إنتاج جاذبة إلى مقاوم، تحت شعار (خلود اللغة) وبقائها، أي إعداد الطالب ليكون في خط الدفاع، متوتراً قابضاً على السلاح لحماية وصيانة اللغة من أي هجوم، وعندها لن يكون هذا الطالب مهاجِماً؛ لأن هذه الشعارات صاغته ليكون مدافعاً مستهدَفاً متأخراً في ميدان القوة والتأثير، وتتسرب إلى إرادته قناعة سلسة حمقاء، مفادها: أنك تدرس العربية للدفاع وحسب، وللحفاظ عليها وعلى بقائها وخلودها، دون أن يقدموا أي تفسير جمالي، أو إنتاجي لمفهوم الخلود. وأستحضر في هذا السياق إطلاق اسم (مطاعم ماريز) كهجمة مرتدة ضد العربية، ولكن هذه المرة بنيران صديقة، والذي أطلق هذا الاسم ذا الموسيقا الإنجليزية هم الغيورون على العربية! ولعل هذا الخطأ يعد طبيعياً ونتاجاً لخطيئة مدرسة حافظ إبراهيم.

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=546]
[/URL]
[/SIZE]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *