مطاعم (ماريز)… الإنجليزية تكسب

[SIZE=5]مطاعم (ماريز) يشارك في ملكيتها الدكتور عبد الرحمن العشماوي _ وفقه الله _ المعروف بغيرته على العربية، وأحد أفراد خط الدفاع ضد خصومها، وشارك في اختيار (ماريز) اسماً تجارياً مدوياً لجذب متذوقي اللغة والمائدة. ولكن لنأخذ فرصتنا في تحليل الخلفية التي أنجزت هذا الاختيار… (ماريز) اليعربي!

الشريحة الاجتماعية هي الأقوى كمّاً والأضعف كيفاً إزاء النخبة السياسية والعلمية، ونعرّفُ ضعفها بأنها الفضاء المجاني المنقاد والسهل استقطابه وأدلجته وتحزيبه وتوجيه ذوقه، حسب براعة التكتيك الموجه إليه، وحسب فهم نوازعه ورغباته وشهواته وطموحاته، فرادى وشرائح. ويتميز الطرف الاجتماعي بالبساطة المترهلة، ذات تأويل دوني، لكنه واقعي، وهو الكسل؛ باعتباره علامة على الجمعي والفردي؛ و الاجتماعي أو الشعبي ليس نخبوياً؛ لأنه لم يبذل الجهد ويطّرح الدعة.

الكسل حالة شهوانية حادة تباشر اللذة الحاضرة ولا تسعى للغائبة، أو البعيدة بفرعيها العقلي، كجمال الفكرة والكلمة، أو الحسي، كالأكل والشراب، وهنا يختلف الكائن النخبوي عن الشعبي، فالأول يكد الذهن في التأمل وفحص الجزئيات التي تقع على منافذ وعيه، ويبذل نشاطاً عقلياً في التمييز والحكم والفرز.

اللغة تكسب وتخسر داخل الكسل الاجتماعي؛ لأن اختلاط العلمي والذوقي في تلقيها وتأويلها السطحي وارتباك وهويتها بين الوسيلة والغاية كما في الحالة العربية- جعل التلقي الكسول لمركّبها الصوتي يغلّب النفعي على الغائي، بل يحسمه ضده؛ فالثقافة الكسولة بطبعها تتخذ من الأشياء وسيلة لتحقيق متعتها، وساعة تكون اللغة وسيلة , فإنها تدخل ضمن قبول هذه الأمزجة؛ لأنها تتحول إلى مزاج يرقى ويهبط، حسب درجة الكسل المتفاوتة من فرد إلى آخر.

الكلمة صوت يحقق متعته بتحقق الطربية والإحالة إلى أفق النشوة في شتى اتجاهاته، ويخضع قبلها إلى تصنيفه وخامته وشبكته الصوتية التي ترفع الكلمة إلى الذوق، لتأتي الثلاثية دفعة واحدة (الهوية والجمال والإنتاج) دون فرز أو تمييز، وتدخل الأذنَ في حمولة صوتية واحدة, يتم استقبالها وتحديد هويتها وجمالها وجدواها الإنتاجية . يحدث هذا آلياً داخل الحس السطحي الكسول، الذي يقوم بهذه العملية لغرض نفعي بحت، يسفر عن نتيجة دقيقة، تحدد تصنيف المسموع. عندها يظفر ظافر، ويخسر خاسر، وتكسب لغة في ميدان التلقي الأولي، وتخسر أخرى؛ لأنها لا تعي الذائقة الشعبية الكميّة التي تحدد الكاسب والخاسر والأرقى والأهبط في استجابة الأغلبية الصامتة، حيث الصمت الاختياري هو لون من التعبير الحركي عن الكسل الاختياري.

(ماريز) بحسب التعريف نِصف المعلن في المطعم هو (كلمة عربية موغلة في القدم والقبورية) . ويأتي اختيارها من قبيل المفاخرة بـ(الأعظم النخرات)، بحسب خطيئة حافظ. وهو انتقاء مغامر يؤكد مدى تأثير تيار حافظ الذي يقصف الوعي واللغة بنيران صديقة، كأي غفلة وخلل في تكتيك أي معركة، حيث تقصف موقعك ومقدراتك وإرادتك القتالية بسبب عشوائيتك العسكرية، ثم لا تلبث أن تندم بعد أن ينبهك ذوو الوعي المدركون لتفاصيل المواجهة.
كيف يتلقى الوعي العام مفردة (ماريز)؟!

(ماريز) كلمة تكتسب تحديدها ذوقاً وهوية من معجم لغوي تتجاور فيه مع كلمات تحاكيها في البناء الصوتي، وتتبادل معها الإشارة والإحالة، وتندمج معها في الشبكة الصوتية التي تباشر الذوق العام، وتأخذ تصنيفها منه. وذهنية الأغلبية الصامتة تتفاعل مع اللغة مادةً صوتيةً وحَسْب, دون أدنى توغل للبحث في معناها العربي، أو الأجنبي؛ إذ المعنى علم ثقيل لا ينسجم والطبيعة الثقافية المتراخية السكونية، ما يعزز ما قلناه عن أن الكلمة صوت (لفظ)، وإحالة (معنى)؛ والصوت يدرك بالأذن المجردة الغافلة الخاملة المفتوحة طوعاً، ما يجعل الثقافة المسموعة حاضرة في اختيارات العامة، غير أن الإحالة ( المعنى) ليست من شأن الأذن؛ لأنها نافذة (جماد) وحَسْب، وتقصّي المعنى يدفع بالذائقة الكسولة إلى ضرورة استحضار هوية وجنسية الكلمة تاريخاً وجغرافيا، وهذا متعذر في أي ثقافة شعبية تركن إلى البساطة البليدة، وهذا ما لم يدركه تيار حافظ ، حيث فرضوا الصوت والمعنى في خانة الهوية, والواقع أن ذائقة الأغلبية تحيل الصوت إلى الجمال، والمعنى إلى الهوية, وأي جمال مسموع، أو مرئي يتعرض للتصنيف الآلي من حيث درجته ومصدره، ولا يكتمل الاستمتاع به إلا بتحديد سطحي مباشر لنوعه، والنوع جزء من مكونات هويته، أما بقية هذه المكونات، فخارج اهتمام التذوق العام؛ لأن اللذة لا تُحدد بالهوية.
(ماريز) مفردة وصوت عرض نفسه على العين والأذن مكتوباً ومسموعاً، ولأنها ذات جَرْس جذّاب لقيت قبولاً واستمتاعاً أولياً، بوصفها كلمة تحيل إلى عنوان لمطعم، حيث يقصده الناس ويلتقون فيه، مجلساً للود والعمل، وكلاهما نشاط مستقبلي لنشر فضيلة أو كسب منفعة، ما يعني أنه فعل إنسان عصري بامتياز، حيث لا عصر في العصر إلا العصر.

في المطاعم لقاء وكلام ومشاعر، وعمل وأناقة وتذوق لأصناف الأطعمة المستقلة عن التراث، أو عصرنته على المائدة، ليلتقي الجمال والهوية في صحن واحد، وليأكل العربي في المطعم العربي العصري الأنيق ما أكله أجداده، لكن في صيغة جمالية جديدة.

وتحت سقف (ماريز) وخلف اسمه يقدم مالكه المخلص للعربية التراثية طعاماً غير تراثي , ولا ذا صلة شكلية مباشرة بالهوية التاريخية، التي أفرزت هذه الكلمة (ماريز) من بطون المعاجم القبورية ، لتنتصب عنواناً لفعالية عصرية.
العصرية تستبد بالموقف وتجعله ضرورةً لإعادة رسم المشهد العربي , وإضافة تعديلات من داخل ثقافته، فالكراسي الفاخرة مثلاً لم تخرج عن نمط الاستخدام العربي، ولكنها حضرت حضور أي مفردة أنيقة حديثة من بطون القاموس الاجتماعي.
الثقافة الاستهلاكية السائدة تفاعلت مع طيش الصوت (ماريز) أكثر من تفاعلها مع وقار المعنى، وساعة الإحالة العفوية إلى النوع (جزء من الهوية) تتدخل الذاكرة بوصفها مستودعاً منظماً وعشوائياً للأصوات والكلمات والإحالات.

الأجيال التي تفاعلت وتعاملت مع ماريز مطعماً واسماً كلها تعلمت وتلقت ثقافة إنجليزية وغربية، سواء في التعليم أو الإعلام والأعمال الفنية والأفلام، وتشكلت لديها قدرة على تصنيف اللغات دون اعتبار للمعنى أو الدلالة؛ فللإنجليزية صوتها المعجمي، كما للغات الأخرى، وساعة تباشر عينك لفظة ذات صوتية غربية فإن الرائي يحيلها بكسله الذهني إلى هذه اللغة دون استغراب، لكثافة هذه الكلمات الغربية المنتصبة أسماءً للمحلات التجارية، وسيكون (ماريز) أحد هذه الإضافات الغربية لهذه الأسماء.

لفظة (ماريز) لا تجد لها حضناً صوتياً داخل صوتيات لغة العرب، ولا حتى في المعنى المباشر، ففقدت هذه الكلمة (ماريز) هويتها العربية صوتاً ومعنى، وتم إحالتها الآلية إلى القاموس الإنجليزي لا لأنها إنجليزية! بل لأن بناءها الصوتي إنجليزي بامتياز حسب الذاكرة المستبدة ، التي (تحفظ على غير نظام، وتنسى على غير نظام) وتحيل على غير نظام. ونعود كرة أخرى إلى عشوائية المعركة التي افتعلها تيار حافظ ، ليخوضوا في عشوائية أخرى، ويصيبوا العربية في مقتل، وبنيران صديقة.

سألت مجموعة من الشبان : ما معنى (ماريز)؟ وما جنسية هذه الكلمة؟ فأجاب جميعهم بأنها إنجليزية، ولا يعرفون معناها! والحق أنهم غير مهتمين بالمعنى.
النتيجة: (ماريز) كلمة عربية قبورية، تلقاها الجميع بوصفها كلمة إنجليزية عصرية؛ لتكون نصراً مؤزراً ضد العربية، بسبب غفلة مدرسة حافظ إبراهيم التي جلبت الكوارث على العربية والفصحى.

بعث المفردة من اللحود عطّل الجانب الجمالي العربي في الخطاب ما بعد الحداثي النفعي والممتع, والواقع أثبت أن بانورامية الفصحى تحقق نجاحاً اكتساحياً إذا باشرت الحاجة العاطفية والحسية.

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=548]
[/URL]

[/SIZE]

التعليقات

لا يوجد تعليقات. كن أول المعلقين!
  1. بدرية العبيدي says:

    اعجبتني حالة النقد البناء التي تقدمها ا.محمد خصوصا حينم قلت أن بصورة أو بأخرى أن الرجل احتفى باللغة ولم يحتفي بالطعام..

  2. عامر القبيسي says:

    لو سألت مثقفي هذه الأيام لن يتعرفوا على أصل الكلمة .. فكيف سيكون حال الشبان… لكنك تجيد التلاعب في المصطلحات أهنئك على هذه المقدرة..

  3. محمد الصقيري says:

    اخالفكم الراي الكثير من المصطلحات الغربية غزتنا وبقوة واصبح الجيل الجديد يفاخر بانه يعرف الكثير من مصطلحاتهم الذي يشعر البعض بالنشوة وهو يرددها مع من حوله

  4. محمد هادي says:

    المجتمع العربي بحاجة لدورة تاهيل ليعرف لغتة الام الذي نسي منها الكثير وخاصة الجيل الذي اتى بعد اعوام 1980 هو جيل منغمس في الحضارة الغربية ليس في مجملة بل في أغلبه ..لذلك لاتلوموهم ان جهلوا بمسمى مطعم او كلمة من هنا وهناك استحضرت من ارشيف لغتنا العتيده

  5. بدرية العبيدي says:

    اعجبتني حالة النقد البناء التي تقدمها ا.محمد خصوصا حينم قلت أن بصورة أو بأخرى أن الرجل احتفى باللغة ولم يحتفي بالطعام..

  6. عامر القبيسي says:

    لو سألت مثقفي هذه الأيام لن يتعرفوا على أصل الكلمة .. فكيف سيكون حال الشبان… لكنك تجيد التلاعب في المصطلحات أهنئك على هذه المقدرة..

  7. محمد الصقيري says:

    اخالفكم الراي الكثير من المصطلحات الغربية غزتنا وبقوة واصبح الجيل الجديد يفاخر بانه يعرف الكثير من مصطلحاتهم الذي يشعر البعض بالنشوة وهو يرددها مع من حوله

  8. محمد هادي says:

    المجتمع العربي بحاجة لدورة تاهيل ليعرف لغتة الام الذي نسي منها الكثير وخاصة الجيل الذي اتى بعد اعوام 1980 هو جيل منغمس في الحضارة الغربية ليس في مجملة بل في أغلبه ..لذلك لاتلوموهم ان جهلوا بمسمى مطعم او كلمة من هنا وهناك استحضرت من ارشيف لغتنا العتيده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *