الفصحى في خطاب المتعة

[SIZE=5]قاموس ما بعد الحداثة يفرض مفرداته النظرية على مرحلته، ويكشف عن سيادة غاية في النعومة والواقعية؛ ليفرز لنا تفسيرات الحركية الجديدة للخارطة الذهنية وهندسة الباطن ومكنونه الجموح إلى المتعة ، التي استحالت من نزعة وممارسة بيولوجية محضة يشترك فيها مع الحيوان إلى خطاب نظري بالغ التعقيد، ليأتي مصطلح (خطاب) نتاجاً حصرياً لهذه المرحلة، مضفياً على الحس بعداً فلسفياً؛ فالنشاطات ذات الصلة بالاندفاع نحو البقاء وإعادة إنتاج هذا البقاء تدخل طوعاً إلى حيز النظرية، لتسك هذه المرحلة مفرداتها ومصطلحاتها الخاصة بها، كـ(خطاب اللذة)، و(خطاب الاستهلاك)، وليكون للّذة بُعدها النظري داخل ديناميتها, تنتجه على نحو آلي يقع تحت وعي الناقد ما بعد الحداثي، في لاوعي التناول التقليدي.

إذاً، حالة اللذة والنشوة والمتعة فعل ثقافي يضمر موقفاً فكرياً بالغ الخطورة والتأثير، حدّ مباشرة العقل الفردي والجمعي، والعمل على إعادة ترتيب موجوداتها، كما قال على عزت بيجوفتش: (الموسيقى الشعبية تعيد ترتيب الوعي الاجتماعي).

في مُكنة العوام- كقاعدة كميّة -احتضان الجديد الإنساني وتكريسه في الحس الملتهب شوقاً للحياة ونعيمها الصاخب, والشوق والصخب مضطربان، وفي فوضى تصفها ما بعد الحداثة بـ( الفوضى الخلاقة)، أي العبث الذي ينتج ويقدم خدمة مجدية لخطاب فكري وموقف ثقافي وحزبي. تنهض اللغة في خضم هذه التجاذبات والتعقيدات بوصفها جماداً مفعولاً به، ولاعباً فذاً في الفوضى الخلاقة، ويتم توجيه اللغة نحو الهدف الثقافي والاستهلاكي من أطراف سيادية، بهدف تحقيق مزيد من السيادة السياسية أو الاجتماعية أو التجارية، ويتم دفع اللغة إلى ساحة الإنتاج دفعاً متوحشاً، لتؤدي دور الوسيلة والداعم لطرف وحزب دون آخر، لتصعد حدّة المزايدة عليها، لما لها من قدرة على حسم التفوق، وآنئذٍ تزداد قيمتها ومفعوليتها لتحقيق مكاسب آيديولوجية، فما صعد حزب إلا بلغة، ولا سقط آخر إلا بلغة . ويلعب الذوق ودرجة جدية اللغة دوراً محورياً في تغليب فرد وفكرة ومدرسة وحزب ودولة وأمة ومبادئ وأخلاق حاضنة لكل هذا الطابور من المتنافسين الذين يلجؤون إليها للتبشير والترويج لخطاباتهم، لتحقيق مكاسب تتمحور حول اللذة، بوصفها وسيلة وخطاباً وحسماً ثقافياً. وتنشط لغة الدعاية للنموذج الثقافي وقدرته على توجيه السياسي والاجتماعي صوب هدف للتغيير النفعي أو الآيديولوجي، وتنجح الدعاية غير المباشرة في هذه الغاية بلغة مناسبة وعفوية، بحيث يتلقاها المستهدَف دونما تحفظ أو توجس، وتأتي اللغة الأجنبية والفصحى والعامية ضمن لغة الدعاية، وتؤدي دورها، ولا يستشعر المتلقي أي حرج في التفاعل معها؛ لأن الارتخاء الذهني يجعل قبول أي لغة استجابة نفعية ضد أي تكلف لا يتناسب مع الكسل العلمي ومتعة الارتخاء، لتدخل الفصحى بانسيابية رقراقة ضمن هذه الحالة الاسترخائية، وتقترب أكثر من المتعة واللذة وخطاب اللذة والاستهلاك، لتعاود دورها المفقود في قيادة الرغبة العاطفية والحسية للإنسان، دون أن يشعر بثقلها وتراثيتها ووقارها المتكلف، ولتخوض الصخب العصري بقاموسها وقواعدها التي تميزها، وعندها تنجح دون الحاجة لأي تدخل عسكري. إنها ثورة ناعمة تدريجية لاسترداد مواقعها بالجمال والأناقة الإنتاجية والاقتراب أكثر من تلبية الحاجات والكماليات للإنسان المعاصر.

الشعر درجة متقدمة في الإنتاج الجمالي , و إنتاج كلامي أكثر جذباً، أي حالة دِعائية للغة، ويدخل ضمن النشاط الاستهلاكي بوصفه وجبة جاهزة يستهلكها الإنسان حاجةً، أو ضمن الكماليات التي تضفي جمالاً يدخل في الضروري، بحسب سيكولوجية ما بعد الحداثة، التي بدأت أول أمرها ثورة عارمة في الفن والمعمار، أي الجمال وبواعثه الممتعة، التي تقع على الحسن وقوعاً ثقافياً يفعل فعله في صياغة الرأي والشخصية.

الشعر حالة إمتاع معماري للكلام، وتناول شهي لمادة تفد إلى اختيار تديره شهوات , تنشط داخل وخارج العقل والوقار، وتستشيط بلغة موّارة لا تقيم للنظام اللغوي وزناً؛ لأنه يمارس رقابة على ثائر ضد القاعدة، حيث تنصرف القاعدة عن الشهوة؛ لأن القاعدة ليس شهوانية بطبيعتها وباعثها، ولكنها جمالية بامتياز إذا توافرت فيها شروط الممكن الشهواني.

تجربة الشاعر نزار قباني حققت الشروط على نحو استثنائي نادر؛ لأنها نجحت في بلورة مدرسة شعرية مستقلة ومتكاملة من حيث طبيعة اللغة وموضوعها وجماهيريتها وجمالها. والمدرسة النزارية تنتمي لشعر الفصحى بقاموسه وقواعده النحوية التي مشت في الشارع والرصيف, وفجرت جماليات لغة الشارع, واختصرت المسافة بين المفردات المتداولة في معجم الحكي إلى مستوى وتقارب في الاستخدام إلى حيث عذوبة وعصرية الضمة والفتحة والكسرة، ولم يكن لهذا الاصطفاء الفصحوي محرّض من آيديولوجيا الهوية والحمية، رغم قومية قباني, بل اختيار فرضه ذوق عصري؛ إذ الفصحى بنت عصرها وإحدى فاتناته، وهذه الفتنة اللغوية كانت ضمن شهوات جمّة حاصرت هذا الشاب المقبل على اللذات داخل وخارج النص, لتحتل الفصحى مكانها بين المرأة والكأس*، ولتحضر كإحدى ضروريات الحدث النزاري، وعفويتها تكون بعفوية عناصر اللذة الأخرى، وتلعب المصادفة دورها في حضور اللغة مفردةً وصوتاً في دراما الحدث المصادف, وعندما تكون الفصحى حالة من المصادفة فهي موجود مكين لا تكلف في استدعائه إلى القلم واللسان،و ليس فقط أن نقول: إن الإلهام حالة خاصة بحاجة إلى لغة خاصة؛ لأن الإلهام يأتي ويؤتى إليه، وكذلك الفصحى.

إن بانوراما الحضور الفصحوي لا تخضع لوصف دقيق، إنما هي بانوراما العلاقة البدهية الضرورية، التي تتشكل كأي علاقة أخرى داخل السيرورة الإنسانية الحتمية المتدفقة في المساق القدري، حيث كل شيء طبيعي وممكن، حتى المصادفة نفسها.

تجربة نزار أفرزت حالة خاضت في الوعي النخبوي والعامي، مفادها أن الفصحى عامية بصوت مختلف، ونغمة جذابة تحيل إلى أفق مجاور لا متصادم ولا متنافر، ويعطي انطباعاً أن الفصحى ممكنة ودارجة، وفي متناول أي لسان وقلم، أياً كان جنسه أو سنه، وهذا النوع من التجارب قرب الناس للفصحى، وجعلها لغةً وحيدةً للشعر، حتى صعدت موجة الشعر العامي العاتية، ومارست خطاب اللذة ذاته.

نزار فرض الرغبة الحادة ( الشهوة ) في نموذجه الشعري، سواء كانت شهوة جنسية أو سياسية أو فكرية، وما يجمعها الإثارة والجذب والحضور الضروري والبدهي للفصحى المتجاورة مع العامية، والمتفوقة عليها، في أناقة الصوت والإحالة الأفقية، ولعل دخول نصوصه في المنبر الفني الغنائي كان قوة للتمييز ونجاحاً مضاعفاً لقدرة الفصحى على تأكيد ضروريتها داخل خطاب الاستهلاك والحاجة، وكل الذين تفاعلوا مع المدرسة النزارية لم يكونوا يعون هذا التمييز في الوعي المباشر، ما يعني أن الفصحى كائن طبيعي لا يعوزه إثبات هوية؛ لأنها دخلت في هوية اللحظة، وشاركت في صياغتها.

الفصحى بوصفها لغة شعر وفن وإعلام أحرزت نجاحاً لافتاً ونوعياً خلواً من التكلف، وعزز من قوتها لغةً أولى للشعر صعود الشعر الحديث (الحداثي) وإنجازاته داخل الإعلام والثقافة والجامعات، وأعطاها نكهة عصرية إضافية، رغم ما ألمّ بها من إخفاق أمام الرأي الاجتماعي، بعد تصادمها مع أنصار الشعر التقليدي (فصحى أيضاً)، وقدأخطأت الحداثة في استفزاز الثابت الفكري للمجتمع، إلا أنها نجحت في إضافة قيمة لإبداع الفصحى، غير أن المواجهة ضدها جعلتها تتراجع في الساحة الإبداعية، وكان هذا كسباً هائلاً لموجة الشعر الشعبي، التي أتت بجماليات جديدة لم تستطع المدرسة اللغوية التقليدية مواجهتها، لضعفها إبداعياً، وتسبب تيار حافظ في كارثة جديدة على الفصحى، ونصر للعامية، لتتكرر الخطيئة على حساب العربية وأهليتها العصرية والإبداعية.

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/articles.php?action=show&id=281]
[/URL]
[/SIZE]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *