الفصحى تقاتل الفصحى , والعامية تنتصر

[SIZE=5]نشوء مذهب الحداثة الشعرية والنقدية كان امتداداً حتمياً لإنجازات وتقدم الفصحى في الثقافة والشعر والإعلام، وما قدمته من ذوق في كثير من خطابها الإبداعي، غير أن ثمة ثغرات ونقصاً داخل هذه التجربة، شأن أي تجربة مماثلة، لتبرز تجربة الحداثة، وتعالج هذا الخلل الجمالي، أو تتم المشروع، إما لتكون معبرة وحيدة عن الشعر الفصيح، أو مشاركة ومتجاورة مع التقليدي, إلا أن التنافر والتخندق الحزبي والآيديولوجي كان السبيل، عوضاً عن التفاهم والتكامل بين طرفين منتميين لخيار الفصحى الإبداعي، ولتنهض معركة دامية بين تيار حافظ إبراهيم وأنصار الحداثة، الذين جعلوا من الجمال الشعري معسكراً وجنوداً وحالة احتقان وصِدام.

وبعيداً عن رصد أطراف الفعل وأطراف ردّة الفعل، والجاني والمجني عليه، فإن الميدان آنذاك يكشف أن الحداثة طرحت نفسها خياراً أو مصيراً حتمياً لمستقبل النص الشعري العربي؛ فهي طارئة جمالية على ساحة التعبير، وأنجزت تجربتها، وقدمت نماذجها: شعراً وشعراء ونقداً ونقاداً، وانقاد خلف هذه التجربة قطاع من الشباب، آمنوا بها جمالاً وآيديولوجيا محتجّة على السائد التقليدي الذي لا يقدم فناً يرقى لتمثيل الشعر العربي، أو تخندقاً عسكرياً ضد الموقف المحافظ لا أكثر.

الصحوة بوصفها أهم حواضن ومنصات الثقافة المحافظة كان لها الموقف ذاته من هذا الشعر الفصيح الجديد، وبطبيعة الحذر السيكولوجي من الوافد الذي لم يكن له سابق مثال في الشكل الشعري العربي تم تحميله آيديولوجيا المؤامرة والخيانة والتربص بثوابت الأمة، ورُصد ضد هذا الشعر بعض الملاحظات الكفيلة بمضاعفة التشكيك فيه، وكان الحداثيون آنذاك متحفظين في الخوض والجدل داخل الدائرة الملتهبة، وبقوا في حالة دفاع وإحجام، ما عزز من فرضية الإدانة وثبوتها، وكان هذا سبباً في تراجعه، بعد أن كبَّد هو الآخر خسائر في صفوف التقليديين، تتعلق بإثارة الشك حول إبداع النص التقليدي، لتعود المعركة كرّة أخرى بين الهوية والجمال، ولكن هذه المرة بين الفصحى والفصحى، ولم تكن مسألة الإبداع مطروحة عند تيار حافظ إبراهيم أو الصحوة، فكلاهما متمحور حول الهوية اللغوية أو الدينية، وكان بعض الغموض والتجاوز العقدي سبباً في فتح جبهات ضد هذا الناشئ الجديد، الذي لم يحسن عرض مشروعه الإبداعي ضمن سلمية التجاور والتعايش، فكانت هذه مآلاته.

التناحر بين الفصحى الحداثية والفصحى التقليدية بلغ أوجه مع بداية التشكل الجديد لجماليات الشعر العامي، وإفادته من تجربة الفصحى، والحداثية منها تحديداً، في فتح نوافذ جديدة لأفق لغوي جاذب، يتماس مع المجرّد والذهني قدر تماسه مع الواقعي والملموس، مع قفز اختياري على المفردة التراثية المغتربة، فشعر الحداثة يكمن غموضه في المعنى لا اللفظ، فكل كلماته واضحة، تتلبس دلالة جديدة، وربما غامضة، في تكاملها الدلالي مع وحدات لغوية تسبقها وتتبعها، لكن يحمد لها أنها رققت اللفظ وأكسبت النص نعومة وغنائية الوضوح ، لاسيما إذا شهدنا بأن أكثر الشعر الحداثي واضح المعنى، وبعضه يتطلب كدّاً لفهمه، وآخر مستغلق، وربما على الشاعر ذاته؛ لأنه كتبه في لحظة الطارئ الاستثنائي.

إذاً، النص الحديث قدم جديداً، ولطّف الشعر العربي وقرّبه إلى جمهور اتجه بوعي جمالي جديد، وكان النص يبذل دعاية غير مباشرة إلى كتابة النص الحديث، باجتراح خيار القصيدة التفعيلية، التي تحررت من القافية الحديدية، حيث اتجهت شريحة من الشباب للتعبير عن ذواتهم دون عوائق، وقطاع آخر اضطر للتوسل بالعامية؛ لأن قافيتها أنعم وأسلس، ووفق هذه الملابسات اللاهبة قَدّرتُ أن شعر الحداثة كان نصراً للفصحى وداعيةً لها، وأفقاً إبداعياً يضيف إلى مكاسب الفصحى لغةً تعبيريةً جديدة.

تهورات بعض مراهقي الحداثة واستعجالهم الشهرة بتخطي بعض الثوابت نزقاً أو قناعةً، جلب المتاعب إلى هذا المشروع الفصحوي، الذي صعد بالشعر إلى درجة أعلى في البساطة والجمال، وكلاهما شرط ضروري للغة العصرية، ولم تغادر لغة هذا المشروع القاموس والقاعدة العربية، بل استلهمت الموروث، وقدّمته على أطباق كأطباق مطاعم (ماريز).

إن الزلل الفكري لشاعر حداثي كان يجب أن يُتعامل معه دون عشوائية، بحيث يعاقب ولا يعاقب مشروعه, رغم أن المتنبي وأبا نواس وأحمد شوقي وحافظ نفسه وكثير من أساطين الشعر العربي وقعوا في زلل عقدي أو فكري باهظ إلا أن التيار الأدبي التقليدي لم يتصدّ لأخطائهم؛ لأنهم يمثلون الهوية اللغوية التي يصدرون عنها. فحدث افتعال شروط جديدة للهوية اللغوية والأدبية تحول دون المساس بالموروث الشعري، وأقحموه في الولاء والبراء لهذه اللغة وأدبها وربما دينها، وواصلت مدرسة حافظ هجومها النووي على هذه الفصحى الإبداعية، ودأبت بعنفوان على إزاحتها كليّةً عن منصة التعبير الفصيح.

الطريف أن مدرسة حافظ تسامحت لاحقاً مع فن الحداثة الشعرية بعد أن خبا وهجها، وتبنت بعض مشاريعها التجديدية كقصيدة التفعيلة؛ فبعد أن كانت مؤامرة صارت إبداعاً جديداً.
انتصار تجربة التفعيلة مؤشر على أن الجمال يتجاوز الهوية إذا كان من يدافع عنها ثوار بروح عسكرية ، لتنتهي المواجهة التي استمرت أكثر من عشر سنوات بتراجع المشروع الحداثي وبقاء أثره الفني, وتراجع مقابل في القناعة بجماليات النص التقليدي؛ حيث إن المقارنة الفنية كشفت ضعف شعراء التقليد، بضعف نماذجهم الكبرى، كحافظ نفسه، فهو ذو شاعرية متوسطة، وبقي التقليديون الضعفاء مصرين على تمثيل الإبداع الشعري، حيث قدمت الحداثة أفضل نماذجها، وقدم التقليديون أضعفها، فحسمت المرحلة لجماليات الحداثة، حيث بقيت مستمرة وخافتة، ربما لانصراف الاهتمام العام عن الشعر واتجاهه إلى الرواية، التي كانت نصراً جديداً للفصحى وثمرةً لمرحلة الحداثة، حيث أغرت قصيدة النثر الكتاب بمضاعفة المحاولات والخوض في التجربة النثرية.

الصحوة قدمت شاعراً واحداً وهو عبد الرحمن العشماوي، وكان ضرورةً لإشباع جوانب في الخطاب الدعوي، حيث يشترط التكامل أو الكمال، ولإبراز اهتمام الخطاب بالفن والشعر، لكن غياب النماذج الشعرية الأخرى ربما يفرض استنتاجاً مفاده أن الصحوة تتمحور حول الهوية وحدها، وليس للجمال الأدبي قيمة خارج خدمة الهوية، لذا غابت الأصوات الأخرى؛ لأن الكم ليس ضرورياً، فالهوية كيفٌ لا كمٌّ، على رغم أن الصحوة حشد؛ ما يعني أنها كمُ ورقمٌ، والظاهرة الكمية كانت حاضرة في الآيديولوجيا نفسها.

الصحوة عززت من حضور الفصحى في خطاب الضرورة والمصير، وقرّبتها إلى العوام، لتتجاور مع العامية في تكاملية طبقية, لكنها غيبتها عن مجالات الإبداعات . والصحوة انسجمت مع مدرسة حافظ إبراهيم في تصورها التقليدي في استيعاب جدلية الجمال والهوية والإنتاج، كما بسطتُ الكلام حوله.

الضربات الموجعة التي تلقتها فصحى الحداثة خَلّقتْ آثاراً معنوية ضد المشروع الإبداعي للفصحى، لاسيما أن هناك انصرافاً عن الشعراء التقليديين، إلا من يخدم موقف الصحوة ضد المخالف.
بعد مذبحة الحداثة وخسارة فصحى الحداثة والتقليد تصاعدت جمالية جديدة تملأ الفراغ الرحب الإبداعي الذي بقي شاغراً لجملة من التراجعات الفصيحة ، بتراجع (الصحوة, الشعر التقليدي, الشعراء الحداثي, استفحال أخطاء تيار حافظ إبراهيم…).
هذه المواجهات أسّست لنضوج مدرسة جديدة داخل الفن حققت نجاحاً لافتاً ملأ السمع والبصر، وشغل الناس لعدة أعوام ، وهي مرحلة الشعر الشعبي، التي اختطفت المنصة من المتصارعين المهزومين، واستولت على بعض إنجازاتهم، كقصيدة التفعيلة، والأفق التجريدي الممتد، وخيال الفصحى الخصب، بل واللغة الشعرية ذاتها؛ لينشأ ويتبلور نمط ذوقي جديد نال بجدارة مسمى الشعر الشعبي الجديد، أو (الشعر الشعبي الراقي)، وشهد له الجميع بالرقي، الذي صار نصراً للجمال على الهوية، والفصحى التي تلقت ضربة جديدة؛ بسبب خطيئة حافظ والتيار التقليدي.

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/articles.php?action=show&id=283]
[/URL]

[/SIZE]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *