إبداعات الشعر العامي تهزم الفصحى التقليدية

[SIZE=5]أوليّة التلقي* تحسم الحكم والتصنيف، ويديرها الوعي الخاص بالقوة والجمال. والشعر فعالية لغوية راقية واستثنائية, يسهم في تغليب لغة أو لهجة، وتكتسب الخامة الصوتية قيمةً إضافيةً لدورها في إنجاز القوة والجمال، وحينها يكون قوياً وجميلاً، وليس للتجديد الفني تحديد آخر غير هذا.

وفي عصر اللذة والاستهلاك تنجز الثقافة صوتها المعبر عن هويتها الجديدة، التي لا تتمحور حول القيم الساكنة, حيث (الاستهلاك) يعكس صخباً داخل حروف، وهو مصدر لفعل لا تفتر حركيته، مندفعاً في كل اتجاه؛ إذ الاستهلاك نشاط مدفوع لتحصيل كل أنواع اللذة.

اتسقت التجربة الحديثة للشعر الشعبي مع طبيعة المرحلة ما بعد الحداثية، التي وصفت نفسها بأنها سقوط مدوٍ للنخبة، وصعود مطّرد للهامش الشعبي على حساب المتن. إنها حالة ثورية بامتياز، ودعاة ما بعد الحداثة يوصفون بـ( ثوار ما بعد الحداثة)، حيث تراجعت الهوية أمام الخيارات الفردية والمشاريع الفكرية الفرعية، وتكثف الجزئي على حساب الكلي، وصارت المتعة ومتلازماتها خطاباً ونظريةً، ولم يعد هناك هامش إلا وله تأثير في المتن والعنوان، ويتدخل في صياغة الهوية الجديدة، ويفككها ويعد تركيبها بكل فوضوية تؤسس لبناء جديد يعبر عن سلطة الهامش, و يأتي الشعر الشعبي بوصفه هامشاً ثائراً، وجزءاً يتأبّى على الانقياد للكلي، بل , ويجعل من جزئيته كليةً مستقلةً بكيانها وتطلعاتها.

إذاً، لم يعد ثمة إبداع نخبوي وآخر شعبوي، واتحدت هذه الإبداعات تحت مسار واحد (فن منزوع الأدلجة)، وصعدت اللهجة بمحمولاتها الثقافية والإبداعية والصوتية إلى أفقها الجديد، وتخففت من القاموس الشعبي الموغل في تراثيته، إلى لغة الشارع * أقصد بالتلقي حالة الاستقبال الفطرية للوافد الصوتي , وليس المعنى النقدي المعروف .

والمقهى والبيت، واستحالت الظاهرة إلى بانوراما عاصفة بالذوق العام والمشاعر، ومكّنت من تفاعل القطاع الشبابي مع معطيات هذا المشروع الجمالي الجديد، لتتحقق مسلمات ما بعد الحداثة عياناً ملموساً، ولم يكن ذلك من فراغ، بل من جملة من الظروف الطبيعية التي توافرت لحتمية سنة التدافع. وجبرية السيرورة والتدافع طرفان، أحدهما حق والآخر باطل، يدفعان حركة التاريخ خطوة إلى الأمام لتفرز واقعاً مغايراً، أو شبه مغاير.
الشعر الشعبي وعاء تعبير، ولا يسعنا وصفه بغير هذا السهل الممتنع , يستوعب كل ما يوضع فيه؛ لأن اللفظ والصوت مخلوقات جامدة , مفعول بها، تملك الحاسة الجامدة ذات الإيحاء الناقص، لكنها لا تملك توجيه المحمول الدلالي إلى هدفه دون إرادة ثقافية نافذة تملي المعنى داخل القصيدة والمشروع.

الشعر الشعبي يتمتع بجماهيرية مهولة، لطابعه الريفي والبدوي والعامي، وربما لقربه من حاجات الأغلبية ومشاعرها، فهو ممتع وخَدَمي, ويكرّس الهوية الفرعية, الأسرية والقبلية والفردية، أما هوية الأمة فلم يكن معبراً عنها، لطبيعة قاموسه ومجالات تعبيره ؛ فقلما تضطلع القصيدة الشعبية بهموم الأمة كفلسطين، أو أفغانستان الثمانينات، أو الاستعمار، لكنها تحلق في الأغراض الوطنية، أو القبلية، أو مدح ورثاء الأعيان؛ لذا اطّرد صعود الشعر الشعبي داخل موفقه الثقافي، فصعد شعراً غزلياً ووطنياً وقبلياً. وليس لصعوده أي محمولات أممية، أو سياسية، أو عروبية؛ ومن ثَمّ فهو يراهن في بقائه وتفوقه على حالته الإبداعية ، ومناشطها التجارية والنفعية والشعورية والحسية ذات الصلة المكينة بخطاب اللذة والحب والعشق، وربما الغواية والمجون؛ ما مكّن أكثر من مقبوليته في شتى القطاعات المتلقية للشعر، وتجاوزها إلى أنصاف وأرباع المتلقين، وطارت به ركبان الإعلام، وتلقته بعض أوساط المثقفين بكل تقدير، وشاركت في نشره، وكان لنقاد الحداثة مشاركة فيها؛ لأن مشروعه جمالي بحت، وكذلك أكثر التقليديين، لم يكونوا على عداء مع هذه الظاهرة.

إعلام الشعر الشعبي أسهم في انتصار جمالياته وتسويقه ذوقاً رفيعاً، بإبراز أقوى الأسماء التي بقيت تبدع طيلة فترة وهجه، وكثفت الضوء على نصوص بلغت شأواً قصياً في ابتكارها المعنى الجديد، ورغم تراجع الموجة إلا أن هذه الأسماء بقيت حاضرة في ذهن كل من تفاعل ولو جزئياً معها. ولم تكن جماليات شعبي ما بعد الحداثة تعبر عن فن هابط أو ثقافة متدنية لا تتكامل إلا مع الأغنية أو الفنون الشعبية من طبل ومزمار، إنما اكتسبت أفقاً ثقافياً جديداً وربما حداثياً متماساً مع عمق فكري جديد، مستفيداً من تجربة الفصحى كما بينت؛ لذا كانت اختياراته أكثر ومساحته أرحب. يدعم هذا تغير في الهوية الطبقية التي عكستها التجربة الشعبية الجديدة، حيث تكاثف على أرضيتها كل فئات المجتمع، تحت قيادة ذات سيادة اجتماعية يتصدرها الشعراء من أفراد الأسرة الحاكمة، ما أضفى مسحة وهوية راقية طبقياً؛ فلم تعد الواجهة لشعراء البادية أو كتاب الأغاني الشعبية، التي هبطت بالشعبي إلى درك متدنٍ فاقد للأهلية , وأبسط مقومات الجمال والقبول.

الشعبي وفّر لجمهوره الشرط الإبداعي والمخملي، الذي صبغ الوسط برمته لتكون التجربة ذات نعومة وابتكار وتجديد، حققت جدارة وأهلية لتوجيه العاطفة والموقف، فكان تلقيها حتمياً لكل باحث عن ضرورته الحسية أو كمالياته الاستهلاكية المتمحورة حول المتعة، بوصفها تأكيداً لوجوده وحضوره وتفاعله مع وسطه الإنساني.

ظل إعلام الفصحى التقليدي يقدم أضعف ما عنده، والإعلام الشعبي يقدم أكثف وأقوى ما في حوزته إلى الساحة، وظل كثير من مبدعي الفصحى في الظل والهامش لجملة من الأسباب، من بينها سيطرة توجهات تقليدية منابر الشعر، وزاد من ضعفه مؤسسة ومناهج التعليم، التي يوجهها أفراد من تيار حافظ إبراهيم، فبقيت النصوص التي تُدرس – لاسيما في المرحلة الثانوية – نصوصاً تعكس ضعف الإبداع والاختيار، وتلقاها الطلاب نصوصاً نموذجيةً تمثل أقصى ما أنتجته هذه المدرسة من فن وابتكار، وتكوّنَ لدى الطلاب انطباع سلبي عن الفصحى، فازدروها ووصموها بالضعف الشعري وضمور حيزها في عالم الفن والإبداع والمخملية الجاذبة للذوق الجديد.

أكشف عن هذا بوصفي معلماً للمرحلة الثانوية لربع قرن، وعشت التجربة بتفاصيلها، وأعي كيف كان الطلاب يتلقون الشعر الشعبي كإبداع وجمال , عاكس لروح العصر وإيقاعه، والفصحى كلغة منكفئة على هوية لا تمت للفن والعصر بأي صلة.
مدرسة حافظ الفاعلة في التعليم والمنابر الثقافية أرادت طوعاً أو كرهاً للفصحى أن تكون خارج سياقها الإبداعي والعصري، وتبقى لغة مقاومة مصارعة مستغيثة بأبنائها المتقاعسين، ولم يعوا أن الدفاع عن الهوية لا يتطلب إبداعاً أو ذكاءً , فهي لا تحتاج إلا عساكر مسلحين متوترين يطلقون النار في الهواء إذا استشعروا شبحاً أو وهماً, و يا له من مشهد مثير للتندر أمام العصر والذوق والشباب!.

جماليات الشعبي اكتسحت الفصحى؛ لأنها كانت تحت قيادة تيار حافظ إبراهيم، الذين تعودوا الهزائم المجانية؛ لأنهم تعودوا افتعال المعارك المجانية.
هؤلاء المحاربون القدامى يتراصون حول الفصحى والعربية لحماية عرشها من أي انقلاب مُتوهّم، ليقعوا في خطيئة الوسوسة بأن الفصحى كانت مَلِكة يتداعى عرشها، فتحولوا إلى فدائيين، ولم يكونوا يدركون أنها لم تحبس يوماً في الوقار الملكي والطبقية الفاخرة والعزلة , غير أنهم شاؤوا لها أن تكون مصوناً محفوظة عن الحياة.

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=552]
[/URL]

[/SIZE]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *