الفصحى ليست مَلِكةً ولا جاريةً

[SIZE=5]حول منصب المُلْك تتمحور هوية وولاء وبراء، وهو سُدّة قيادية تفرض نفوذها على المدني والعسكري . فهو مركز عسكري بامتياز، ورمزي يستلهم رمزيته من شخصيته العسكرية والمدنية، و يستند في وجاهته على قوة وهيبة وجبروت, بصرف النظر عن أي اعتبارات هامشية تدعم العرش ولا تؤسس له. وساعة يتعرض هذا العرش إلى خطر حقيقي أو متوهم ينبري المخلصون للعرش إلى انتفاضة فدائية، يتعسكر فيها المدني، وتستحيل النعومة خشونةً ، والثقافة الموالية للقصر إلى محاربة متوثبة مسلحة، لا تحسن لحظتها إلا فرز المشهد إلى خائن وأمين ومتآمر ومخلص وانقلابي وموالٍ، ولا يقع اللوم حينئذٍ على هذا المخلص، الذي يدافع بكل تفانٍ عن سيده الملك، الذي عقد خناصره على حمايته ، لاسيما إذا كان ملكاً نبيلاً.

عندما تطّرد هذه الدراما إلى مشاهد أخرى فرضها الوسواس أو المُشاهد العيني، فإن حركية السرد تأخذ مداها في الممكن داخل التلقي، الذي يدرك أن هناك أمانة وخيانة عايشها هذا التلقي في تجربة عريضة، وبات تصنيف الرأي أو الفرد في خانة الأمانة أو التآمر أمراً في غاية السهولة والبلاهة، ولاسيما إذا بلغ الجندي الغاية في تفانيه ، حتى صار إخلاصه العملاق أكبر من عقله، فلا يتيح له فرصة للتفكير والحكم على مجريات ما يدور حول تفاصيل المؤامرة الأكيدة أو المحتملة أو الموهومة.

ليس ثمة تآمر أو انقلاب أو ثورة أو حرب أو فداء إلا ويندفع نحو العرش وقيمته المادية والمعنوية، ولدافع إنساني قيمي أو نفعي شخصي، حيث تهيمن حالة التشنج على أرجاء مسرح الحدث من جميع أطراف التنافس، ويستبد القلق بصاحبه أكثر إذا كان هذا العرش حامياً للهوية الثقافية للجماعة أو الوطن و الأمة؛ لتكون المواجهة مصيرية حدّية من قبيل (أكون، أو لا أكون)، وتنتصب الثنائيات على أسنّة الرماح وقطبي رحى الحرب، وربما يقودها متهور مهووس بالثأر من المجهول, ينشط في حشد رجالات الفكر والأدب والعلم والسياسة وكل قطاعات المجتمع، في حرب عمياء ضد الوهم؛ فقط لأنه رأى خطأ إملائياً في الجريدة. يقول حافظ وهو يحشد الإرادة الجمعية للمعركة الفاصلة: (أرى كل يوم في الصحافة مزلقاً).

لكن لماذا يخسر تيار حافظ كل معاركهم بعد أن زجوا بكرامة اللغة في هذا العبث؟ هل لأنهم ليسوا على وعي قيادي للمواجهة، أم أن ليس ثمة مبرر للمواجهة من أصلها؟
الصدام مع الآخر ذو خلفية ثائرة دفعت بالإرادة إلى خط النار؛ دفاعاً عن عرش اللغة والفصحى؛ إذ الفكرة أو المسلّمة التي صدروا عنها تفيد أن اللغة والفصحى تحديداً كان لها الحكم المطلق على الهوية العربية وربما الإسلامية، وخلعوا عليها ألقاباً ومناصب لم تكن تعبّر عن ماهيتها ووظيفتها بوصفها وسيلةً ووسيطاً إبداعياً خدمياً. إنها موظفة داخل الهوية وليست سيدة عليها، أو أنها ذات قيمة عليا للشخصية العربية والمسلمة، لكنها ليست الملكة الآمرة الناهية داخل الإدارة الثقافية وتشكيل الوعي والقوة والسيادة.

التميز البلاغي عند العرب يتيح فرصة رحبة للمفاضلة بين متنافسين، لكن ثمة مقومات قيمية منافسة كالشجاعة والكرم والنسب والثراء والسيادة والحكمة والقوة – وكلها قيم عربية – تشغل حيزاً مكيناً داخل الإرادة والحضور العروبي في التاريخ، وتؤلف كُلاً منسجماً وفاعلاً داخل سيكيولوجيا الثقافية العربية، وكلها تحتاج اللغة على نحو متفاوت، لكن اللغة تحتاجها في إلحاح للتعبير عنها. وفي ميزان الضرورات بين عناصر الشخصية العربية تبدو اللغة في درجة غير متقدمة داخل سلطة الثقافة، إلا في حالة توازٍ مع كثير من مقومات الذات العربية، وإذا كانت سيادتها المؤقتة لا تتجلى إلا في الحدث البلاغي المؤقت كخطبة أو قصيدة أو عبارة تفعل فعلها بدافع غير لغوي، بل بدافع قيمي منافس داخل السلطة الثقافية ذاتها، وكأن اللغة داخل تراتبية السيادة العربية تقع مفعولاً به، حيث تزج بها القيم السيادية الأخرى إلى منطوق يعبر عن وجود ومكانة هذه القيم، وعندها تكون اللغة قيمة غير مستقلة بذاتها، بوصفها حدثاً ثقافياً أكثر من كونها عنصراً مركزياً، وهذه المقولة مطردة في كل لغات البشر، وتكتسب اللغة قيمة سيادية أكثر إذا تخففت من السيادة المدّعاة لمفاعيل الشخصية.

اللغة لا تكسب حال المفاضلة في تنافسها مع القيم داخِل بناء الذات العربية والإنسانية، يبرهن على هذا التقدير العام لقيمة العضو داخل منظومته الفئوية : أسرة, قبيلة, وطن, أمّة… وتأتي القيادة السياسية بكل مواهبها ممثلة للعرش الثقافي والواقعي، وما تتميز به هذه الطليعة من مواصفات تنتظم كلّ القيم أو جلّها، من كرم وشجاعة وحكمة ونسب وأريحية وجاذبية، وتحضر الفصاحة أو البلاغة في طابور المواصفات داعماً لا شرطاً، لاكتمال متطلبات السيادة وقيادة الفئة باقتدار، لبقاء العرش والفئة عبر جلب المصالح ودفع المضار، من خلال قدرة سياسية ليس للتفوق اللغوي فيها أي ضرورة؛ إذ اللغة ليس قيمة قائمة بذاتها؛ لأنها وسيلة لا غاية, وسيطاً لا هدفاً تقف عنده ضرورة الإنسان.

وللمزيد, فعندما نرصد تفاصيل المشهد داخل عبارة مدح مثلاً، فإنها ثلاثية الأبعاد: (ممدوح, مادح, لغة)، والممدوح يمثل قيمة غير لغوية، والقصد من مدحه إبراز قيمة أو خلق أو مبدأ نبيل, أما المادح فرغم أنه (فاعل) إعرابياً إلا أنه مفعول به تراتبياً، ويقبع في درجة أقل اجتماعياً، حسب هرمية النسق، وتأتي اللغة نشاطاً مفعولياً، يصدر عن مفعول به ويصعد منه إلى أعلى، حيث القيم علوية ترقى إليها اللغة التي حددت موقعها في هرم السيادة الثقافية. إنها مفعول به، ووسيلة للتعبير عن سيد ومَسُود، أفصح التفاضل المشاهد عن مركزيهما بعفوية تكشف أن اللغة لم تكن سيدة، بل عضواً آلياً ( لسان)، يتلقى أوامر من جهات سيادية مَلَكية ليقول ويصمت، وهذه المَلَكية تنطوي على القيم العليا التي تشكل الثقافة برمتها، وتفرض السيطرة على الفئة , وربما الفئات الأخرى، بمقومات مَلَكية يتشوف لها كل عربي وإنسان ويأملها في أبنائه؛ إذ القيم العليا إيجابية بطبيعتها السيكولوجية وتربي كل ما هو إيجابي، وهذا ما يؤكده النسق وتفرضه قواعده، على نقيض اللغوي البليغ، الذي يعطي قيمة محايدة للبلاغة، التي تصعد وتهبط في قوتها وقدرة بليغها؛ لأنها موهبة لا خُلقٌ، وتهوي إلى دركات الابتذال؛ لأنها وسيلة بطبعها؛ ولأن الله شاء لها أن تكون وسيلة، لذا يفاخر العربي بالقيم (الغايات)، أكثر من مفاخرته باللغة الوسيلة، ويتمنى أن يكون شجاعاً وكريماً أكثر منه بليغاً أو شاعراً؛ لأن الأولى تُكتسب بالاختيار والمصابرة المشروطة للإرادة والسيادة، والأخرى موهبة استثنائية ، لتتضح أكثر طبيعة السيادة الثقافية بين أفراد الهرم، وأن اللغة لم تكن سيدة ذات عرش، غير أن الذين لم يتفهموا هذه الأسرار النسقية لم يعوا أين تكون اللغة إزاء القيم العربية والإسلامية، وأنها مفعول به حيال هذه القيم الفاعلة.

قصيدة ومدرسة حافظ الفدائية ثارت بدعوى المساس بالعرش اللغوي، وأعلنت التعبئة العامة بسبب (أخطاء إملائية)، حيث اعتبرته اعتداء على إمبراطورية النحو والإملاء، في حين أن هذه الزلات ممكنة في كل عصر، لكن حماة ما يظنونه عرشاً يتحولون إلى جنرالات حرب؛ لأنهم بايعوا اللغة على المُلك دون استشارتها وأهليتها، وفق التراتبية الثقافية، فكانت بيعة واهمة ، باعثها وسواس بأن اللغة مَلِكة، وساعة تفقد ملكها وتقع في أسر العدو تصير جارية تخدم في قصور اللغة المنتصرة .

الذين ينعون اللغة ويصنفونها بالموءودة هم الذين جعلوها جاريةً بعد أن بايعوها مَلِكَة مطلقة السيادة، والواقع أنها لا ملكة ولا جارية، إنما هي كائن جمالي , لا يخوض في هذه الثنائيات الحدية. وإذا أوجزنا اللغة في جماليتها وإنتاجيتها فالجمال ليس مختزلاً في طبقة أو مَلِكَة، أو جارية، و فرض الصفة الملكية على اللغة يجعلها معزولة لا تشبه أحداً، ولا ينبغي لأحد أن يشبهها، أو يتشبه بها، لتفرض حالة من الوقار الحديدي على هذه الشخصية، وإذا كُسر فإن حديد الأسر والذل بديل تلقائي، وتقبع جاريةً؛ لأن ملكة أخرى استبدت بالعرش. وعساكر حافظ حين ينعونها فنعيهم بمثابة إعلان نهاية مَلَكِة وصعود أخرى، ليضعونا أمام الأمر الواقع؛ لأنهم سلموا بوجود مَلِكة وملكية، وليس بوسعهم إلا الاعتراف بالملكة الجديدة والعرش الجديد الذي رسخوه في النسق والوعي، وكله وهم وشطط ثوار لا رصيد له في الواقع والتاريخ، وهم بهذا يضربون العربية والفصحى في مقتل جديد، وهذا دأبهم في معاركهم الخاسرة.

في حالة الخيبة هذه يبرز مصطلح ولقب ملكي يُخلع على العربية والفصحى في غفلة من التاريخ. إنه لقب ( لغة القرآن ), يتشبث به دعاة الفصحى الملكة، ويجعلونه واجهةً ثقافيةً تضرب في أعماق النسق الذي لا يحسن ترتيب الوافد اللغوي، وتزداد عبثية تلقيه بقدر حساسيته، وكيف مارس هذا الإدراك خطيئته في فهم تركيب (لغة القرآن)، الذي تم إطلاقه بادئ الامر للتشريف، فإذا هو يتحول نسقياً إلى الحصر. و يا لها من حيلة نسقية متهورة، عبرت في غفلة التلقي ورسختها مدرسة حافظ إبراهيم والفدائيين، ولكن هذه المرّة ضد اللغة والقرآن معاً!

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=554]
[/URL]
[/SIZE]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *