يقحمون القرآن في معاركهم الخاسرة

[SIZE=5]الذين آمنوا بأن اللغة تبوأت عرش الثقافة , ونادوا لها بالمُلك المطلق استشعروا لاحقاً أن عرشها مهدد، وأن انهياره سيجعل الملكةَ جاريةً في بلاط اللغة المنتصرة؛ لذا لاذوا محتمين بلقب (لغة القرآن) الذي أطلقه علماء الشريعة للتشريف ، وأجرى عليه اللائذون تعديلاً في وظيفة الإضافة، انطلى على الوعي الخليّ من المعلومة الواقعية.

التلقي السهل الرُّخاء يصنف وظيفة التركيب الإضافي إلى إضافة ( تشريف) و(تعريف) و(ملكية وحصر)، وهذا التصنيف لا ينسجم على وجه التمام مع القاعدة اللغوية المدونة في كراسات العلم، حيث لا يُراعى التطور في ميكانيكية تلقي الإنسان للغة صوتاً ولفظاً وتركيباً، بوصفها غايةً نفعيةً أو وسيطاً جمالياً أو طاقةً إنتاجيةً، وليس قاعدةً نحويةً لا تؤدي دورها في تغذية هذه المحاور الثلاثة.

التركيب الإضافي يؤدي وظيفته بدقة في حالته الطبيعية المطمئنة، ويصاب بالخلل والارتباك وتداخل الوظائف في الحالة العصابية والانفعال، شأن بقية قواعد اللغة، ويحدث اللبس بين المرونة والفوضى، ويُفسر أحدهما بالآخر في حال فرض السلطة الثقافية على اللغة، أي تدخل عسكري لتوجيه الدلالة الجمالية في سبيل إحراز مكسب سلطوي على حساب شخصية اللغة، وهذا من التناقضات الفجة، من أطراف تدعو إلى المحافظة على عرش اللغة، وهي تحرف نظامه الدلالي، وتنال من مقام هذا العرش.

ولعل هذا يؤكد ما ذهبتُ إليه من أن اللغة ليست ملكة ولا جارية، إنما هي طارئ خدميّ وضرورة نفعية، اكتسبت جمالها من إنتاجيتها، لا من نسبها الشريف ودمها الأزرق وجدّها العدم.
السلطة النفعية وضعت قواعد اللغة، وبوسعها كسرها أو تعديلها عسكرياً ثورياً، على شكل ضاغط نفسي لا يقل طغياناً عن الثوري الأعمى. والنفسي أقوى تأثيراً؛ لأنه إيحاء مغناطيسي يضفي سلطة جبارة للمعنى على تركيب أو مفردة محرمة عليه ومباحة لغيره ،حسب الصياغة الأخيرة للقاعدة اللغوية.

الإضافة في اللغة وظيفة تمنح التركيب شخصية متماسكة في ظاهرها , ضعيفة في داخلها درجة الالتباس والشك في المدلول النهائي أحياناً؛ فعندما تحدث حادثة لفلان من الناس في مكان ما وزمان ما, فإننا نستخدم التركيب الإضافي لتحديد هذه الحادثة، وحينها نستخدم الإضافة للشخص (حادثة فلان)، أو للمكان (حادثة مكان كذا)، أو الزمان (حادثة زمان كذا)، أو تضاف للجماعة التي باشرت الحادثة، أو إضافات أخرى، بحسب ظرف الحادثة وتعدد ممكنات المضاف إليه، وهذا التنوع اختلاف يؤدي إلى شقاق في الفهم أحياناً.

هكذا هي شخصية التركيب الإضافي, إنه معادلة يصعب معها أحياناً تحديد المهمة وتعيين طبيعة العلاقة بين المضاف والمضاف إليه، ويتدخل السياق بكل انضباطه وفوضويته في إزالة اللبس أو تعزيزه. وعفوية التلقي قد تضيف وظائف جديدة للتركيب الإضافي, وهذه العفوية ليست إيجابية في كل أحوالها، فقد تحدث انقلاباً داخل المفهوم ينعكس على الوعي وتربية الوجدان، يخلف أثراً يكرس لانحراف في الحكم على الأشياء، وينعكس على السلوك الثقافي برمته.

الحميّة العصابية تجلٍ ثقافي, يجعل من الصف الغيور كتلةً من الأجهزة العصبية المتراصة، وللأعصاب لغتها وقانونها في التركيب وإضفاء الدلالات عليه، ولاسيما إذا كانت جاهلية أو متناسلة من جاهلية، سواء كان مبادرة أو ردة فعل.
الخلط في وظائف التركيب الإضافي تمارسه ضرورة يقظة أو غافلة، والإضافة في بعض معانيها الاستحواذ وحيازة ممتلكات الغير، كأن تضيف أرضاً إلى أرضك أو مالاً إلى مالك، فإن الفعل الناعم المعبّر عن هذا الحدث الخشن هو (الإضافة)، وهو دقيق شفاف في منطوقه ومكتوبه، ولا يثير أي انفعال في أذن السامع، لكنه لا يخلو من معنى الاعتداء؛ فالمحتل يطلق على استعماره الجديد (إضافة) لأنسنة هذا العدوان.

إذاً، الغفلة والسلطة تتوسلان التركيب الإضافي لتحقيق هدف إنساني أو شخصي، ويتدخل الوعي والانفعال في صياغة هذا الإيحاء الجديد للتركيب ومهمته.
(لغة القرآن) تركيب إضافي مكون من نكرة + معرفة = معرفة، فـ(لغة) عبّرت عن العربية والفصحى، وهي رغم تنكيرها انطوت على معرفتين مساهمتين في التكوين الثقافي والشخصية العربية والإسلامية، ما يعني أنها ذات كثافة ثقافية، لكنها جاءت في هذا التركيب لتكسب تعريفاً يقدمها إلى المتلقي، فهي خارج التركيب معرفة وداخله نكرة، أي الطرف الأضعف في الثنائية؛ فـ(لغة القرآن) ثنائية برزت بادئ أمرها للتشريف وإثارة هالة نورانية على العربية، بوصفها لقباً إضافياً لا يحمل أي وظيفة تكليفية. وقد اجترح هذا التركيب علماء الشريعة، وكان هدفهم أن القرآن لا يمكن فهمه إلا بالرجوع إلى المصدر، وهو العربية وألفاظها وقواعدها، وعليه فالمعادلة إذاً هي أن القرآن نص متفرع من أصل ومتفوق عليه، ؛ فالقرآن جزء والعربية كلّ.
هذا هو مقصد العلم الشرعي من إطلاق هذا التركيب، ولم يكن الهدف حصرياً ولا تعريفياً ، بل تشريفياً محضاً وتكاملياً بين فرع وأصل، وعضوياً بين القرآن ولغته، التي انسجم مع نظامها بدقة فريدة ، فالشريعة أطلقت هذه الثنائية لتكون إيجابية وإنتاجية وجمالية، تأخذ مداها المؤثر في كل عصر.

لكن ما حدث لاحقاً أن هذا التركيب الإضافي (لغة القرآن) طرأ عليه تبدل في هويته تبعاً لتبدل الشخصية المتلقية له وجهاز الاستقبال نفسه، وانعكس التركيب على المستقبل بحسب قوته وتوجسه, فالمتلقي الواثق من رسوخه سيداً لزمنه يتلقاها إضافة تشريف، والقَلِق الهزيل الخائف يتلقاها إضافة حصر واحتماء بالنص المقدس من المجهول والمتربص ، وآنئذ يتحول القرآن نفسه لدى مدرسة حافظ من نقله جمالية وإنتاجية معجزة ، إلى مجرد حارس يفقد بُعده الجمالي الفذ الذي نراهن عليه لبقاء اللغة ونموها وعصريتها.

القرآن سلطة إلهية، ولعل هذه الحقيقة كانت مغرية لتيار حافظ للاستقواء به، لدعم سلطة اللغة ساعة بايعوها على عرش الهوية، ليستغيثوا بـ(القرآن) بوصفه سلطة إلهية لا يمسها ضعف. وهو نص لغوي عربي أعطى العربية قوة وانتشاراً وسيادة في الأرض، حيث بالغوا في اختزال السيادة في العربية والعربية في السيادة، وأمعنوا في الحشد لنصرة عرشها، ما دفعهم إلى تغيير نبرة التعبير عن تركيب (لغة القرآن)، لتتحول في غفلة من الوعي من تشريف إلى تكليف، ومن تعزيز جمالي إلى احتماء سلطة متداعية – بحسب توجسهم – بسلطة إلهية مكينة جبّارة. وانطلت هذه الصياغة الجديدة على قطاع كبير من المتلقين.

لا أبتدع هذا الاستنتاج من فراغ، بل بعد رصد وكدّ وتأمل وحوارات عفوية؛ فأكثر من يستخدم مركب (لغة القرآن) يمضي في هذا التوظيف التوريطي ونصف التوريطي، الذي جعل من (لغة) طرفاً محصوراً في الاحتماء، والمضاف إليه (القرآن) محصوراً في الحماية، ولا أجد هذه الإيحاءات إلا عند تيار حافظ ومن تأثر بهم من المتدينين والمثقفين والعوام, بل تجاوزت هذه الغفلة إلى حصر العربية في خدمة القرآن، وهذا من جراء عقدة الحصر التي ابتلي بهابعضهم ، و اتجت أطروحتهم في أن مشروعها الكوني وجد لرعاية القرآن والمسجد والدين وحسب، أما دون ذلك فأدوار هامشية ليست بذات بال.

حاورت أحد المربين اللغويين، فقطع جازماً أن تعليم العربية يهدف إلى تذوق بلاغة القرآن وخدمة الدين.. قلت له: هل مادة العربية في المدارس إلزامية؟… قال: نعم… قلت: هل أكثر القرآن إلزامي لدخول المسلم الجنة، أم يكفيه سورتان من قصار السور لأداء الصلاة ودخول الجنة؟.. قال بعد تردد: نعم؟ قلت: فكيف تكون العربية مادةً إلزاميةً لكل مسلم ليتذوق نصاً غير إلزامي… فأسقط في يده، وبدا لي لاحقاً أنه تراجع جزئياً عن فكرته. ما أسهل اختراق الوعي الهلامي!

الخطيئة التي حصرت اللغة في معسكر الهوية غالت بفوضوية تورطية في تحصين اللغة، وعطلت خاصية القوة التي اُختزل وجودها في تحصينها. فكيف تحقق عالميتها وهي مطوقة بالحماية من حرّاس الوهم لتفقد شرطها الأممي؟ وتغالي هذه المدرسة في الاحتماء بالقرآن بوصفه عربياً أبدياً، لترسيخ عنوان الخلود كعلامة على الوجود، والأمرّ أنهم يكرسون لدى متلقيهم أنها لغة متراجعة، وهذا الاحتماء سبيل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وخطاباتهم الانهزامية تقحم القرآن العظيم في تراجعات العربية، وهذا إيحاء إقحاميّ توريطيّ مباشر بأن القرآن لم يستطع حمايتها، فضلاً عن تفوقها على نظيراتها من اللغات الحيّة!!!

مدرسة حافظ وامتداداتها الدينية لم تدرك حقيقة سلطة الثقافة على قواعد اللغة, لاسيما التركيب الإضافي المراوغ، وأن السياق الانهزامي يبعث بإشارات وإيحاءات تحدث انقلاباً في التلقي الوجداني يفضي إلى نتائج أكثر انهزامية، تتحول معها الإضافة التعريفية والتشريفية إلى حصرية، وعندها تكون اللغة دينية مسجدية أو احتمائية، و محميّة لا أكثر، حيث طالتِ الانهزاميةُ اللغةَ والقرآنَ معاً، فكيف يكون القرآن حاميها وهي متراجعة في مواجهتها للأجنبية والعامية !!؟؟

هذه الخطيئةُ فاقمت تغريب العربية وعجائزيتها وعزلتها وانكسارها، وأقصت خواصها الفريدة من بهجة وعصرية ورشاقة فذة، تنساب في كل شعور وفعالية إنسانية، دونما غربة أو استهجان، بضمة وفتحة وكسرة تأخذ حيزها الممتد في اختبارات الذوق الحديث. إنها ملهمة الروح المنتجة الفاتنة، التي تمارس سيادتها الناعمة في إيهاب ورقة وجلال الأميرة… إنها الفصحى، الأميرة المتواضعة بفوقيتها الذوقية وزيها العصري البهي، الذي يأخذ باللب كبقية جماليات الحياة والشارع… إنها جمال يصطف في تناغم حميمي مع بقية مفاتن الحياة لا تنكرهم ولا ينكرونها.

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=556]
[/URL]
[/SIZE]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *