الفصحى الأميرة… السيادة الناعمة

[SIZE=5]ينطوي هذا الكتاب على ثلاث تجليات أنثوية للغة: (الموءودة والملكة والأميرة). وكلها ذات فاعلية ومفعولية، فالموءودة (الفصحى) التي دفنها حافظ – كما في نصه – تُدفن حيةً؛ لأنها ذات خطر محتمل ، فهي خَطِرة (فاعل ثقافي)، وهي تُدفن فاعلاً ومفعولاً، والدافن الذكر الفاعل، والمفعول به المتوجِس من أذىً سيقع عليه، ويدخل حينها في دائرة الخوف، حيث المفعول به يقدم تنازلات تطال بضعة كبده. أما اللغة (الملِكة) فهي منصب ثقافي موهوم (مفعول) ادّعاه تيار حافظ من عندياتهم , دونما تحقق أو رصد. وكان المغزى تفخيم اللغة على حساب شروط السلطة المعتبرة، فهي مدفوعة (مفعول به) إلى هذا العرش وحاكمة (فاعل) حسب تلك المعادلة المتخيلة. وتنهض الفصحى (الأميرة) بوصفها حضوراً لطيفاً داخل منظومة السيادة المرهفة، الممتدة من القوة الناعمة التي تفرض مؤثرها داخل الثقافة والإعلام والفن والنزعة الاستهلاكية ما بعد الحداثية.

(الأميرة): ذاتٌ مكتنزة بطيف من الإيحاءات الخلابة , تمثل فوقية متماسة حدّ الخلطة مع أفراد خدمها، وعلاقتهم بها مصلحية وخدمية، يعوزها وسيلة تعبير تمثل فوقيتها على نحو سهل ومفهوم، وإن اختلفت في النبرة الأميرية التي تؤكد الهرمية المخملية وعلى نحو واقعي وعفوي. و(الأميرة) في الغالب ليست ذات سلطة آمرة على قرار الدولة والمجتمع، أي أنها ليست ذات منصب قيادي يغيّر بالقرار المدني أو العسكري، بل لها سيادة حميمية على محيطها ومجتمعها الصغير الذي ينقاد لها دونما إكراه.

و(الأميرة) توحي في الغالب بالجمال الطبيعي السلالي المتوارث، المُوْدَعٌ في الجينات، وبات عنصراً حاضراً في الشخصية التي تستشعره ويزيدها إدراكاً بتميزها الجمالي، الذي يتسق ضمن منظومة جماليات الحياة، فهو منها ومعبر عنها.
و(الأميرة) عزيزة تخطر في حاشية من الكماليات التي تزيد من بهائها، وليس إحاطة التحصين والحيطة والتوتر والتوثب العسكري، الذي يشوش البهاء ويخدش الرونق ورمزية الأميرة، ويجعلها كائناً عسكرياً مقاتلاً في انقلاب نوعي داخل هويتها، حتى وإن بقيت جميلة فإن التلقي يعطي جمالها تفسيراً آخر.

هكذا يتعاطى الانطباع العام مع (الأميرة) مفردةً رفيعةً وطرفاً ذا فاعلية في إضفاء رمزية الجمال وحضور الحياة بكل تاريخها ومستقبلها؛ فـ(الأميرة) لقب أثري تراثي ظهر مع ظهور الملوك في مفتتح التاريخ والإنسان، وامتد بامتداد الأسر الحاكمة، بأرستقراطيتها الناعمة وشعبيتها الرفيعة التي تنتظم الإنسان والمواطن والعامي والمثقف.
(الأمارة) حالة ثقافية لا توجز في ذاتٍ مخملية سلالية، بل تمضي إلى وصف كل مظاهر التفوق والإبداع المكتسبة من فيض القرائح العلمية والأدبية التي تقدم الجمال والإنتاج . وهي ألقاب فرضتها ظروف لا تمت للقب السلالي بصلة، فأفرزت لنا ألقاباً عصيةً على المنازعة، كـ(أمير الشعراء)، و(أمير البيان) وضجّ في صخب إعلام ما بعد الحداثة برنامج ( أمير الشعراء)، وهو تنافس على السيادة المرهفة على أمة بأكملها، بالتوسل بالكلمة والصوت، ومغازلة التلقي، ودغدغة الذوق العصري.
الفصحى الأميرة تكتسب مواصفات الأميرة العصرية التي حددت ملامحها تحديداً شبه قاموسي، فهي واقع يتأبّي على الإزاحة، وحضور شفاف متجاور مع المختلف، وتمارس سلطة ذوقية , تفعل فعلها في العقل وخياراته، وتندمج ببداهة في تفاصيل الإنسان، بوصفها مكوناً داخلياً فيه.

ويزداد رونق الفصحى بتنامي سلطتها الناعمة وأريحيتها في التكامل مع الضروريات والكماليات واليوميات، على نحو وديّ ينفي أي مظهر للصدامات مع الجمالي أو المنافس، دون أن تنقاد صوب منافسة أو مواجهة تفضي بها إلى خسارة طبيعية، فانتصارها مشروط بتفاهمها ثقافياً مع شتى الفواعل الحيوية التي تخدم حاجات ورغائب الإنسان، ومع هذا التعايش تكسب أرضها، بل وتتمدد بحسب قدرة ومهارة دمجها في النشاط الإنساني الحديث، في السياسة والفن والإعلام والتجارة، و ما يمس طموحات الفرد والجماعة والوطن.

ولا يكون هذا الدمج إلا عفوياً لا افتعال فيه، يضطلع به دعاة العفوية اللغوية المستقلون عن أي آيديولوجيا محاربة تنهك العربية والفصحى، وتدفع بها إلى الغربة والمعارك الخاسرة مع العدم.
المجتمع المتلقي لا يعتبر الفصحى غريبة إلا إذا غابت تلقائيتها وفُرضتْ على ذوقه بسلطة الهوية والتاريخ والحمية الدفاعية، عندها تتحول من أميرة باذخة إلى شمطاء متسولة.

وقد ينقدح سؤال لاهب في ذهن القارئ: (هل ثمة مشروع لدعم عفوية الفصحى في خيارات الذوق العام)؟

إن كلمة (مشروع) مؤذية وخادشة للعفوية التي تقدم عطاءها بإرشادات تنظيمية مدونة في ملفات بيروقراطية، فـ(تقنين)، و(عفوية) لا يجتمعان في انسجام في جملة اسمية ولا فعلية، فالعامية والأجنبية لم تفرضا نفسيهما إلا لقربهما من المصلحة، ولقدرتهما على التعبير عن الطموحات الشخصية لضرورة أو سهولة، ولم يُفرضا بالقوة أو التقنين.

المحافظة على مكتسبات الفصحى وتطويرها وتسويق جمالياتها، ينجح بمنأى عن شعارات غير إنتاجها وجمالها وحاجة الذوق والمصلحة. والحقيقة أنها قطعت شوطاً هائلاً في المكتوب والمترجم الذي ينال اهتمام الإنسان المعاصر، كما في الإعلام والتجارة والمصارف، التي تقدم إغراءاتها بمطويات زخرفت بلغة فصحى جاذبة مُعبّرة عن المال والثراء والاستثمار والرفاه الاقتصادي، يقرؤها العميل باستمتاع وحاجة، في سياق حاسم جعل الفصحى ضرورة لكسب المال وتلبية رغبة وإشباع طمع. هذه الثنائية الودية بين الفصحى وطلاب المال تكشف نجاحات العفوية اللغوية التي تكسب ولا تخسر؛ لأنها لا تزج بنفسها في صدامات لغوية تعمق السخرية والهزيمة النفسية؛ إذ اللغة تعود إلى وظيفتها كوسيلة لا غاية، فاللغة الوسيلة تكسب ولا تخسر، واللغة الغاية تخسر ولا تكسب.

وتتجلى نجاحات العفوية اللغوية أكثر في المترجَم، حيث يعمد المترجِم إلى تحقيق هدف نفعي، سواء في الفن والإعلام، أو السياسة والاقتصاد، أو الدين… فيجد نفسه مدفوعاً إلى خدمة نفسه و المستهدَف، بخدمة المستهدِف نفسه، بتقديم المادة المترجمة وجبةً سريعةً تحقق الأثر والاستجابة المصلحية، مثل مترجمات الرسوم المتحركة، أو الأفلام، أو الإثارة السياسية، أو الجذب الاقتصادي والدعاية التجارية، أو الاحتياجات العاطفية؛ لذا يضطر المترجم أن يقدم لغة لائقة بالمتلقي، تخاطب ذوقه دون تكليفه مشقة الفهم، لتكون أنصع وأسرع قبولاً؛ فيتجه المترجم إلى إعمال ذهنه وكدّ قريحته في كشف الأجمل والأوضح، فيعصف بالقاموس العربي ويشبعه تقليباً وبحثاً وتجسساً على الأشهى رونقاً، ولعل هذا يتضح أكثر في الأعمال الفنية التي تخاطب الطفل ورجال الأعمال والروايات. فيتم كشف جانب مهمش بهي في لغتنا لم يكن ليفعّل دون ترجمة مدفوعة الثمن، تجعل من الفصحى بضاعة تجارية مربحة، وهذا نجاح باهر لم يكن ليتحقق لولا العفوية اللغوية.
وقد برز جملة من المترجمين الأذكياء العصريين، الذين برعوا في كشف مفاتن العربية وتقديمها في أشهى متناوَل، وكأنهم يقدمون لنا لغة أخرى غير العربية، والواقع أنها عربية صميمة في أرومتها وعروبتها، لا تغادر لسان العرب. إنما هو لفظ خلع عمامة ولبس شماغاً بعفوية بالغة , لم يستشعرها القارئ الذي استمتع بها؛ لأنها تنوع وغزارة تبعث على انجذاب مطمئن تجاه الفصحى الأميرة.

هذا الجانب الفاتن الرشيق من القاموس ازدهر لاحقاً، وحقق حضوراً لدى المتلقي. والمؤسف أن الرشاقة مدرجة عند بعض مدرسة حافظ ضمن الركاكة المقابلة للجزالة التي تفيد القوة والمتانة، ولك أن تدرك التحاسد الذي يمكن أن ينشأ بين (المتانة) و(الرشاقة) . والغريب ربطهم بين المتانة والقوة، ربطاً تعسفياً لا يقره العقل ولا التجربة؛ لأن المتانة من شعارات الحميّة للفصحى, لكن النفعية والترجمة الحديثة كشفت معنى آخر للقوة وهو الرشاقة. والمتانة التي لا تنتصر ليست قوية، القوة في الانتصار والرشاقة والعفوية، التي لها الفضل في بقاء الفصحى لغة إعلام وفن وتجارة وخيار طفولي وإنساني حاضر متعايش، دون غربة أو دونية.

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=560]
[/URL]
[/SIZE]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *