في الإنترنت انتهى زمن النفاق للسلطة

[SIZE=5][JUSTIFY][COLOR=#3DB9AC]د.عبدالرحمن الحبيب :[/COLOR]

علاقة الكاتب العربي مع الإنترنت مثل قرد مدجن في السيرك، يغرونه بالموز لكي يقوم بألاعيب بهلوانية جذابة للجمهور ولكنها مصطنعة ومقرفة له.. إن لم ينصع سيفقد الموز وقد ينال ضربة خشنة من المروض أو ضربة ناعمة بالإهمال إذا كان المروض يرفق بالقردة! هذه الصورة الكاريكاتورية لم تختلف كثيرا بعد الربيع العربي، لأن المروض أو الجلاد ليس السلطة السياسية – هذه المرة – بل الإنترنت عبر الذائقة الشعبوية التي تنسفك إذا قلت ما لا تريد الأغلبية سماعه.. قل ما نريد أن نسمعه كي نسمح لك، وضع معها مبالغة وتضخيم كي نلتفت إليك. أمام الإنترنت، لم يعد المتلقي كما في السابق، أمامه خيارات محدودة يتأمل فيها عمقاً ووقتا، وينتقي ما يناسبه، بل صار أمام ملايين الخيارات فكيف سيختار منها في لحظات سريعة؟ في حيز المقالات، هل سينتقي تلك العقلانية التحليلية الهادئة أم تلك الفاقعة الصارخة؟ تلك العميقة التي تحتاج وقتاً أم السريعة التي تُفهم على "الطاير"؟ الأغلب سيلتفت إلى الأكثر إثارة، وبينها سيختار الأسرع فهماً، ومنها سينتقي الأقرب إرضاء له.. تلك طبيعة بشرية مفهومة.

هذه الحالة الإنترنتية الشعبوية لها حدَّان: إيجابي في إضفاء الطابع الديمقراطي على الثقافة، وسلبي في سطحية المنتجات الثقافية وتوجهها نحو المبالغة حد التزييف، معتمدة بذلك على الإرضاء وليس المواجهة النقدية؛ ونحو إرضاء الغالبية على حساب حقوق الأقلية. ثمة خطورة أخرى لا تقل فداحة، هي أن الكاتب لم يعد منتجاً فعلياً للنص بل أصبح المتلقي (جزئياً أو كاملاً) مؤلف النص. الكاتب أصبح لا ينتج فكرة منهجية عن هموم الناس، بل يصيغ نصاً عاطفياً يريده الناس.. أصبح ساعي بريد عاطفي ينقل مشاعر الناس، وهذه ليست مهمته، فالبريد الإلكتروني يصل للملايين في السعودية.لقد أصبحت مواقع التواصل في الإنترنت منصات الانطلاق للحملات الإعلامية لدينا، بل أصبح الإنترنت هو المصدر الأول للأخبار لمستخدميه (أكثر من 13 مليوناً في السعودية)، فيما تأتي ثانياً قنوات الإعلام الحكومية، حسب استبيان كلية دبي للإدارة الحكومية. الإثارة والمبالغة اللتان يعتمدهما الإعلام الافتراضي تجعلان أقوى المقالات عن القضايا تعتمد على البلاغة والمهارة اللفظية وحدَّة العاطفة أكثر من اعتمادها على العقلانية والمهنية (الوثائق والإحصاءات والدراسات، وآراء الخبراء والمختصين، وكشف المعلومات المحجوبة).

لقد اعتدنا عبر التاريخ على كتاب ينافقون السلطة، والآن – في زمن الإنترنت- علينا أن نعتاد على كتاب ينافقون الجماهير. الكاتب لم يعد صاحب وجهة نظر.. لم يعد فاعلا في الحالة تغييراً أو تعديلا، بل منساقاً مع إرضاء رغبات الأغلبية التي تنساق معها الإعلانات التجارية.. الكاتب الشاطر هو الذي يجذب أكبر قدر من الجمهور للجهة التي تستضيفه، التي بدورها تبحث عن الإعلان التجاري.الإعلانات التجارية هي الداعم المالي للموقع الناجح أيا كان إنترنتيا أو فضائياً أو صحفياً.. الدعم المالي في زمن العولمة يعني الشريان الأساسي لبقاء المؤسسة. هنا نصبح أمام ثلاثي: كاتب النص (المنتج)، المتلقي (الزبون)، المعلن التجاري (الراعي). الإعلان التجاري لن يضع إعلانه إلا في موقع شعبي، لذا على الموقع ألا يستقبل إلا مواداً لها شعبية. إنه مثلث واضح قاعدة الشعبوية وضلعاه المنتج والمعلن. ولكنه رغم ذلك لا يزال الشكل الإعلامي في العالم العربي مربعاً، قاعدة السلطة السياسية مع بقية الأضلاع الثلاث الأخرى. إنما قاعدة المربع السلطوي تضمحل مع مرور الوقت ويتمدد الضلع الإعلاني غير الخاضع للسلطة.

ويتمدد الإنترنت في حياتنا ومعه الإعلان التجاري ويتمدد معهما الافتراضي على حساب الواقعي. هذا لا يعني إزاحة الواقعي، فهذا مستحيل، بل يعني وضع الافتراضي قبل الواقعي. علاقة الافتراضي بالواقعي يمكن تصورها كدائرتين تلتقيان في حدودهما وتتداخلان حتى تتطابقان، ولكن يمكن أن تتباعدا فيسيطر الافتراضي على الواقعي، لأن التفوق في المنافسة هو للافتراضي. فأغلب ما يلتفت إليه في الإنترنت هو صور فاضحة ومقولات شرسة وأخبار حادة جزء كبير منها غير واقعي، فضلاً عن كونه غير موثق، لكنه يدخل في العقول كانطباع يصعب إزالته. فالخيال رغم أنه أقل تجسداً من الواقع، فهو أكثر استمرارية في فكر المتخيل. هذا الخيال مع تضخيم المقولات المتتالية وتفاعلها في بيئة الهيمنة الإعلامية، يجعل المقولة مكثفة في الذهن.. ليصبح الخيال هو الواقع، بينما الواقع حالة متوارية.. فالذي لا نراه سنعتبره غير موجود، أو كما تقوم فلسفة بورديار: "الأشياء لا تحدث إذا كانت غير مرئية"..صارت تتشكل أمامنا كل لحظة صوراً وقصصا واقعية ممزوجة بالخرافة أو بخيال الناقل، وقد لا نصدقها لكنها تقبع في أذهاننا. ومع السيل الجارف للصور وللأخبار أصبحنا نعيش أكثر داخل أدمغتنا.. وأصبحت الحقيقة توجد فقط داخل رؤوسنا. أصبحت الحياة أكثر ذهانية، أكثر داخلية، أكثر توجُّهاً لإرضاء الرغبة الذاتية. وإذا كان الواقعي هو الذي يصادق على الإعلام في السابق، ففي زمن الإنترنت أصبح الإعلام هو الذي يصادق على الواقعي. فمنذ بدايات الإنترنت قيل لنا كثيراً عن تأثيراته المتوقعة والأكثر جنوحا، كأطروحة المفكر الأمريكي كيفن كيلي عام 2000م التي خلصت إلى أن هذه التكنولوجيا لن تميز بين الحقيقي والتمثيلي، ولن يصبح هناك فرق واضح بين الواقع والصورة.. وسيحصل خلال العشرين السنة القادمة تهجين بين الخيالي والوثائقي..

هل سيسيطر الافتراضي على الواقعي؟ هل سيمتزجان ويصعب التفريق بينهما؟ هل ستتنامى حالة التضخيم والمبالغة وتكون الأولوية لنوعية من القضايا المثيرة الصاخبة؟ أم أن نوعية القضايا ستختلف، وحدَّة الطرح ستخف حين يملّ الناس من الإفراط في التضخيم وينحازون للواقعي الموثق والتحليل الهادئ، ليتحول الإعلام إلى ميدان تفاعل أكثر منه إنفعالا.. هذا ما سيجيب عليه المستقبل القريب.

[/JUSTIFY][/SIZE]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *