الرّحّالة ابن جبير يسرق من مقبول العلوي

مَن مِن متابعي الرواية المحلّية وقرائها لا يعرف الروائي مقبول العلوي، وروايته (زرياب)، التي فازت بجائزة أدبية في معرض الرياض الدولي للكتاب قبل عامين، ورُشِّح مؤلفها لجائزة البوكر العربية قبل ذلك، ولجائزة إمارتية من بعدُ، وفي عامنا هذا حظي بالحفاوة كذلك في سوق عكاظ؟

وإن كاتباً يحظى بهذا القدر من الاهتمام في أوساط التكريم الأدبي، ليستحق النظر في كتاباته، نقداً وفحصاً وتمحيصاً.
ولتكن وقفتنا في هذه اللحظة مع رواية (زرياب) للكاتب المذكور.

[وزرياب هو مغنٍّ عباسي اسمه علي بن نافع، وكنيته أبو الحسن، ولد في النصف الأخير من القرن الهجري اثاني، وسافر إلى الأندلس عام 206هـ، وذاع صيته بها، وتوفي عام 238هـ، وأما الرواية التي تحمل اسمه فقد صدرت عن دار الساقي، بيروت، لبنان، 2014، في 224 صفحة من الورق المتوسط].

خريطة ابن جبير المتخيلة:
من المآخذ التي رصدها الكاتب سلمان زين الدين في مقاله عن رواية (زرياب) قوله:
(وذِكر عكّا قبل صور، في الطريق من دمشق إلى الاسكندرية، ينطوي على خطأ جغرافي (ص 135). [مقبول العلوي يختبر العلاقات الإنسانية، صحيفة الحياة، سلمان زين الدين، بتاريخ 13 أبريل 2015].

ثم يشير العلوي إلى ذلك في حواره مع صادق الشعلان بقوله:
(هناك أخطاء معرفية وقعت فيها مثل تقديم مدينة صور عن عكا أو العكس في أثناء هجرة زرياب. قد يخطئ الروائي في عمله، فكل شيء جائز). [محاورة صادق الشعلان لمقبول العلوي حول روايته (زرياب)، في صحيفة الحياة، بتاريخ 6 مايو 2015].
ثم يأتي المؤلف ويوهم في حواره مع عبدالله الزماي بأن رحلة زرياب من بغداد إلى الأندلس كانت متخيّلة!

وهذا نص السؤال والجواب في الحوار:
(س: أخذت الرحلة مساحة أكبر مما يجب خلال الرواية، وربما كان ذلك على حساب أحداث أخرى أهم. ما رأيك؟
ج: ما ذكرته في سؤالك صحيح. لعل من أمتع اللحظات في سيرة زرياب هي لحظات نفيه. ففيها “يشطح” الخيال كثيراً , مما يساعد في كتابتها روائياً… الرحلة أخذت أكبر جزء؛ لأنها سمحت لي بالتحّرك بالخيال يميناً وشمالاً , بعيداً عن اللحظات المثبتة تاريخياً والتي يعرفها الجميع). [محاورة عبدالله الزماي للعلوي حول رواية (زرياب)، في صحيفة الرياض، بتاريخ 15 يوليو 2015].

والحقّ، أن تفاصيل هذه الرحلة، التي (يشطح فيها خيال المؤلف)، (بعيداً عن اللحظات المثبتة تاريخياً) ويصفهابأنها (أخذت أكبر جزء) لم تكن من خيالِ الكاتب كما أوهم بذلك القراء، وإنما هي مأخوذة بالتحديد، وخطوة بخطوة، من كتاب (رحلة ابن جبير)، أي من مسيرة رحلة ابن جبير البرّية في عودته من الحج إلى الأندلس، التي مر فيها ببغداد وانتهت به إلى عكّا، ومسار رحلة ابن جبير معروف ومشهور، بل إنها مصوّرة على الخريطة في مراجع ومواقع، وهذا أحد نماذجها المرسومة في بعض مواقع الشبكة:
[خريطة من موقع “المسافرون العرب”، من مقال “الرحالة العربي ابن جبير” وتاريخ 18 ديسمبر 2014].

اقتفاء الأثر
والآن، أدعوك أيها القارئ إلى أن تصبر معي على استعراض نقاط التطابق بين السفَرَين في رواية (زرياب) ورحلة ابن جبير:
1. يقول بطل رواية (زرياب): (أنخنا رواحلنا في شمال قرية الدجيل). [رواية زرياب (ص110و111)].
ويقول: (ومع الزوال غادرنا قرية الدجيل). [السابق (ص111)].

ويقول ابن جبير في كتابه: (فكان مبيتنا تلك الليلة بإحدى قرى بغداد، نزلناها وقد مضى هدء من الليل، وبمقربة منها دجيل، وهو نهر يتفرع من دجلة يسقي تلك القرى كلها. وغدونا من ذلك الموضع). [رحلة ابن جبير (ص185)].
ويقول أيضاً: (وتمادى سيرنا إلى أن ارتفع النهار، فنزلنا قائلين ومريحين على دجيل). [السابق (ص186)].

2. يقول بطل رواية (زرياب): (أنخنا رواحلنا في قرية تعرف بـ”الحربة”). [رواية زرياب (ص111)].
ويقول ابن جبير في رحلته: (فنزلنا مع الصباح بمقربة من قرية تعرف بالحربة). [رحلة ابن جبير (ص186)].

3. يقول بطل رواية (زرياب): (وأسرعنا في السير حتى وصلنا منهكين، وقد هدّنا التعب والإنهاك وجعلنا أشبه ما نكون بالأشباح، إلى “حصن المعشوق” على شط دجلة). [رواية زرياب (ص113)].
ويقول: (وهناك علمت أن هذا الحصن لم يُبنَ إلا ليكون ثكنة عسكرية لحماية الخليفة الراحل هارون وزوجته المفضلة زبيدة، فقد كانا يمضيان وقتاً قليلاً فيه خلال العام). [السابق].
ويقول ابن جبير: (ونزلنا مع الصباح من يوم الخميس الثامن عشر لصفر على شط دجلة بمقربة من حصن يعرف بالمعشوق، ويقال إنه كان متفرّجاً لزبيدة ابنة عم الرشيد وزوجه). [رحلة ابن جبير (ص186)].

4. يقول بطل رواية (زرياب): (وعلى هذا فقد دخلنا “تكريت” عبر سورها القديم). [رواية زرياب (ص117)].
ويقول ابن جبير: (فصبّحنا تكريت مع الفجر). [رحلة ابن جبير (ص186)].

5. يقول بطل رواية (زرياب): (مكثنا في تكريت أسبوعاً كاملاً، وقد فوجئت باتساع مساحتها واكتظاظ أسواقها الكثيرة، كانت تغصّ بالخلق الذين وجدت أكثرهم ذوي مروءة وشهامة). [رواية زرياب (ص118)].
ويقول ابن جبير: (هي مدينة كبيرة واسعة الأرجاء، فسيحة الساحة، حفيلة الأسواق، غاصة بالخلق، أهلها أحسن أخلاقاً وقسطا في الموازين من أهل بغداد). [رحلة ابن جبير (ص186)].

6. يقول بطل رواية (زرياب): (قام بجلد أربعة جنود بالسياط لانفرادهم عن القافلة وذهابهم إلى إحدى القرى التي تدعى “الجديدة” من دون إذنه). [رواية زرياب (ص119)].
ويقول ابن جبير: (وتمادى سيرنا إلى أن ارتفع النهار من يوم الأحد بعده، فنزلنا قائلين بقرية على شط دجلة تعرف بالجديدة). [رحلة ابن جبير (ص187)].

7. يقول بطل رواية (زرياب): (خيمنا في أرض تدعى “قيارة”، وتحديداً في الجانب الشرقي منها، حيث حملت لنا الريح تلك الروائح المؤذية. وتأكدنا من ذلك بمجرد سيرنا بضع خطوات شمالي موقعنا الذي توقفنا فيه. رأينا قريبا منا وهدة من الأرض كان السواد يغطيها لمسافة شاسعة، وتنبع منها عيون من القار الأسود اللون ذي الدخان الكثيف الكريه الرائحة. كانت الأرض تبقبق وتغلي، وبين الفينة والأخرى ترتفع كرات من اللهب قبل أن تستقر وينداح منها صلصال أسود ينبسط فوق أديم الأرض). [رواية زرياب (ص120)].

ويقول ابن جبير: (مررنا بموضع يعرف بالقيارة من دجلة، وبالجانب الشرقي منها، وعن يمين الطريق إلى الموصل، فيه وهدة من الأرض سوداء كأنها سحابة قد أنبط الله فيها عيوناً كباراً وصغاراً تنبع بالقار، وربما يقذف بعضها بحباب منه كأنه الغليان، ويصنع له أحواض يجتمع فيها فتراه شبه الصلصال منبسطاً على الأرض أسود أملس، صقيلاً رطباً، عطر الرائحة، شديد التعلك، فيلصق بالأصابع لأول مباشرة من اللمس، وحول تلك العيون بركة كبيرة سوداء يعلوها شبه الطحلب الرقيق أسود تقذفه إلى جوانبها فيرسب قاراً). [رحلة ابن جبير (ص187)].

8. يقول بطل رواية (زرياب): (وصلنا إلى قرية صغيرة بالقرب من الموصل تسمى “العقيبة”). [رواية زرياب (ص121)].
ويقول ابن جبير: (ونزلنا بقرية تعرف بالعقيبة). [رحلة ابن جبير (ص188].

9. يقول بطل رواية (زرياب) عن الموصل: (هذه المدينة العتيقة الحصينة والفخمة. هذه المدينة التي كانت ولا تزال على أهبة الاستعداد لغزوة أو غارة). [رواية زرياب (ص122)].
ويقول ابن جبير: (هذه المدينة عتيقة ضخمة، حصينة فخمة، قد طالت صحبتها للزمن، فأخذت أهبة استعدادها لحوادث الفتن). [رحلة ابن جبير (ص188)].

10. يقول بطل رواية (زرياب): (في ربضها الواسع الذي يتوسط المدينة. لمحت مساجدها وأسواقها وخاناتها تعلوها تلك المسحة من الحزن القاتم والمرير، وكمسافرين غرباء أنخنا رواحلنا في قيسارية التجار التي تنتشر في ما حواليها الحوانيت). [رواية زرياب (ص124)].

وأكتفي بهذا القدر، وبهذه المواضع العشرة، تلافياً لإملال القارئ.
وبعد:
ينتهي تتبع رواية (زرياب) شبه الدقيق لرحلة ابن جبير، وعند هذا الحد تتوقف الرواية عن ذكر مدن وقرى عدة مرت بها، فلم تتعرض للمرور بمدينة حرّان، ولا لعبور الفرات، ولا لمدينة منبج وبزاغة وحلب، وحتى بعدما وصلت الرواية بزرياب فجأة إلى دمشق بدا السرد فاتراً غير متحمس لاتباع خطى ابن جبير هذه المرة، مع أن واقع الشخصية يَفترض (ولم أقُل يَفرِض) أن يكون عبور شخصية مثل زرياب بمدينة مثل دمشق، في عظمتها وحضارتها وعمرانها، لأول مرة، محرضاً قوياً على الاهتمام بها.

ومع ذلك، فإن الرواية ظلت تدور في فلك رحلة ابن جبير حتى وصلت بنا إلى عكا وصور، وكان ذلك سبباً في وقوعها في خطأ آخر أشرت إليه سابقاً.

وبعد، أفلم يكن من الخير لكاتب الرواية ألاّ يوحي بأن هذه الرحلة التي هي باعترافه (أخذت أكبر جزء). [محاورة عبدالله الزماي للعلوي حول رواية (زرياب)، في صحيفة الرياض، بتاريخ 15 يوليو 2015].

ألم يكن من الخير له أن يعترف لسائليه بأنه اعتمد في الجزء الأكبر من روايته على تحسس آثار ابن جبير حتى أدركه السأم والتعب منها، ثم بعد ذلك اختزل الأماكن والرحلات والمشاهدات اختزالاً؟ بدلاً من أن يقول إنها (سمحت لي بالتحّرك بالخيال يميناً وشمالاً بعيداً عن اللحظات المثبتة تاريخياً والتي يعرفها الجميع)؟! [السابق].

والسؤال المتبادر إلى ذهني هنا:
إذا كانت رحلة ابن جبير استحوذت على (أكبر جزء) من هذه الرواية، فلماذا كانت الرواية عن زرياب ولم تكن عن ابن جبير؟
وهل مقبول العلوي أخذ من ابن جبير , أو أن ابن جبير سرق من مقبل العلوي ؟!

[URL=http://www.al-muthaqaf.net/index/news.php?action=show&id=592]
[/URL]

 

التعليقات

4 تعليقات
  1. وليد الشويحي says:

    ليس هو الاول وليس الاخير الذي سيسرق في عالم الثقافة والنشر العربية فلا زلنا نعاني من ضعف القوانين التي تعاقب السارق والمعتدي على ملكيات الاخرين مع ان السرقات الادبية هي الاخطر في تقديري الشخصي

  2. نضال علي says:

    للاسف الحالة الثقافية العربية أصبحت توجهها الحالة التجارية لذلك تجد انحطاط في المستوى

  3. عبدالله العلي says:

    المؤلف العربي أصبح مجرد تاجر اما الدولة او التيار لذلك النهضة الثقافية التي عاشتها الأمة العربية في القرن الماضي انتهت إلى غير رجعه

  4. Said Jamous says:

    المحتمل أن يكمن السر في من يكون زرياب الحقيقي ، وماذا وراء شهرته ، هل عمل الرواية مدفوعا برغبة تعظيم زرياب وجعله يخل محل اشخاص اخرين في الثقافة العربية السنية ؟؟؟؟؟ ولصالح من ؟ ايران ام امريكا. ؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *