السينما الإيرانية تنتقص النبيّ يعقوب عليه السلام !

موقع المثقف الجديد - عبدالواحد الأنصاري

“أراد أن يعميَها ففقأَها”
ذلك هو المثل الذي سككتُه وأنا أشاهد مقاطع الأنبياء في السينما أو الدراما الإيرانية، التي على رغم تفوّقها الإخراجيّ فإنها لا تعدم مزلقاً تهوي بالمشاهِد له إلى قعر جُبّ لا قرار له.
أظهرت السينما الإيرانية شخصية نبيّ الله يعقوب عليه السلام في مسلسل بعنوان: (يوسف پيامبر)، الذي أخرجه (فرج الله سلحشور)، وأدّى دوره فيه الممثل (محمود باك نيت).
وبعيداً عن حُكم تمثيل شخصيات الأنبياء، وإن كان خطباً جسيماً وجرُماً عظيماً، وعن تأدية ممثلي الفُرس الماجنين أدوار الأنبياء الصالحين، وبعيداً عن طابور طويل من ملحوظات أخرى- فإن ما تعتني به هذه المقالة، وفي هذا المقام، هو أمر آخر، وهو أن المسلسل الإيراني قدّم إلى مشاهديه شخصية نبي الله يعقوب عليه السلام، كأنه شخص ساذج، ضعيف القلب، قابلٌ لأن يُخدَع عن نفسه، ولأن تطوّح به عاطفته في رياح الحوادث وصروف الأيام كيفما هبّت أو تقلّبَت.
وهذا التصوّر ليس بالخاطئ فحسب، وإنما هو في نفسه انتقاص من الأنبياء، وإن أراد من أظهره إبرازهم في صورة الرحمة والأبوّة والعطف والحنان، فإنه بذلك قد أتى الأمر من غير بابه، وأراد أن يلج البيوت من ظهورها، من غير أن يسأل عن الأهلّة أو مواقيتها.
وبما أننا أولى بإسرائيل عليه السلام، كما أننا أولى بموسى وكل أنبياء الله، فإنه ينبغي لنا أن نركز في شأن الأنبياء على أصل عظيم مسلّم به بين المسلمين على الأقل، وهو عصمة الأنبياء، وأنهم أكمل الخلق، في علومهم وعقولهم وفهومهم، وفي نفوسهم.
فإن يعقوب عليه الصلاة والسلام لم يكُن ساذجاً ولا غائب الفطنة، ولم يكن متهالكاً فاقداً للتماسك والثبات كما خيّلته إلينا الشاشة الإيرانيّة، وحاشاه.
بل كان يعقوب عليه السلام كما وصفه الله تعالى حسَن الظنّ بالله، وكان مع فطنته وعقله وعمق فهمه وإدراكه عليه السلام، متصفاً بالعفو، والرفق بأبنائه، والإغضاء عنهم، واحتساب الأجر فيما يبدر منهم من الأفعال، لا يتجاوز معهم حد النصح والعتاب والإلماح اللطيف، والوعظ البليغ، وهو بذلك لا يريد أن يفوته أجر الصبر والعفو في الوقت نفسه، وكل ما جاء في القرآن عنه فإنما هو دليل على ذلك، كقوله تعالى: (قال بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل)، وهو كذلك يقول لبنيه بعدما يئسوا من أخي يوسف عليه السلام، بما لديه من بُعد نظر، وعلم بالله تعالى: (يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه)، ولم يقل لهم: تحسسوا من أخيكم. وليس ذلك إلا لأنه يرى ببصيرته أبعد مما يرون، ويعلم من ربه ما لا يعلمون، وقد مضى نحو عقدين منذ فقده عليهما السلام.
ولا ننسى، أن يوسف عليه السلام، ذلك النبيّ الفتى الجميل الفطن الذكيّ، إنما نشأ وترعرع أولَ الأمر في كنفِ أبيه يعقوب، وأنّ ذلك الشبل، إن صحّ مثل هذا التعبير في مقام النبوّة، إنّما هو من ذلك الأسد، ولكنّ وقوف الابن في مقام الولاية والملك حافظاً مدبّراً، يختلف عن وقوف الأب في مقام البلاء صابراً محتسباً.
ومن هنا، يقرر علماء الإسلام، كما جاء في رد ابن تيمية على الشاذلي، أن من كان عبداً رسولاً، فهو أكمل وأتم في كل أحواله ممن كان نبياً ملِكاً، ومن هُنا كان يعقوب في حال البلاء، على رغم أنف المغترين بظواهر هذه الدنيا، أكمل وأتم حالاً من ابنه النبي المعصوم يوسف عليه السلام، وإن كان الله قد علّمه تأويل الأحاديث وإدارة خزائن الأرض.
ذلك، أن إدارة يعقوب عليه السلام لنفسه في فجيعته بابنه النبيّ، أشد بأساً وإصراً من إدارة يوسف عليه السلام لمصر في أزمتها الاقتصادية، وأدنى ما يقرّب ذلك أن ندرك أن بلاء الأنبياء على قدر درجاتهم، على أصل أن البلاء تكون شدّته على الأمثل فالأمثل، فلا شك أن أعلاهم درجة هو أعظمهم بلاء.
ثم يُدني الأمر بعد ذلك، أن يقارن المتأمل بين وضع الإنسان في حال الثكل أو الحزن، ووضعه في حال الإغراء أو القلق، ولا شك أن إدارة النفس والسيطرة عليها في حال الثكل أو الحزن، أصعب من ذلك في حال الإغراء أو القلق، فإن الثكل والحزن أعظم وطأة من الإغراء والقلق على الإنسان.
لقد كان يعقوب عليه السلام كاملاً في حنانه الأبويّ، كمالاً أعلى ممن دونه من البشر، ولو أراد أحد منهم أن يحب ابنه فوق محبة يعقوب ليوسف عليه السلام، ما استطاع، ولكنه كان كذلك أشد كمالاً في صبره واحتسابه وعفوه وصفحه، وما ذلك إلا من كمال عقله وسموّ نفسه، بل إن الله سبحانه وتعالى لو ابتلاه كما ابتلى أباه إبراهيم عليه السلام بأن يذبح ابنه الذي له به هذا التعلق، لما تأخر، كيف لا وهو القائل لبنيه عندما حضره الموت: (ما تعبدون من بعدي)؟ فقالوا: (نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون).
فلا نبيّ الله يعقوب كان ضعيف النفس، والعياذ بالله، ولا ساذجاً، حاش لله، ولا هو كان قاصر النظرة، ولا قابلاً للتلقين، وما حال الدراما والسينما الإيرانية معه إلا كما قال الله تعالى في نبينا محمد عليه الصلاة والسلام: (ومنهم الذين يؤذون النبيّ ويقولون هو أذُن قلْ أذن خيرٍ لكم يؤمن لله ويؤمن للمؤمنين ورحمةٌ للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم).

 

التعليقات

5 تعليقات
  1. عمار الرزين says:

    للأسف إيران لها تجارب مشابهة كثيرة مثل مسلسل يوسف عليه السلام في تشويه صورة الأنبياء وكأنه نهج مقصود لدى القائمين على الإعلام الإيراني..

  2. نضال بركات says:

    نحن فقط دورنا الهجوم .. صحيح قد يكون هناك تجاوزات لكن الإعلام العربي و الإسلامي السني مقصر .. تنفق مليارات الدولارات على سلسلة من الفضائيات الإسلامية الفاشلة التي فقط يقودها رجال دين بعيدين كل البعد عن فهم طبيعة الدور المنوط بالمؤسسات الإعلامية .. هي فقط منصات ومنابر لأصحاب النفوذ.. إيران استغلت هذه الثغرة وتقوم بالترويج لنظريتها..

  3. صابر المسلم says:

    هم ينتقصون من كل الانبياء ويقولون انهم اتوا ليبشرو بأل البيت الكرام وجل ما قالوه هو من وصايا علي بن اب طالب وأبنائه واحفاده من بعده فقد انتقصوا قبله سيد المرسلين وسبوا زوجاته فهذا ليس بغريب عليهم وعلى فكرهم المنحرف

  4. راشد السليمان says:

    الى متى الاستهانة بانبياء الله ورسله لماذا لاتسن القوانين التي تشرعن محاكمة هؤلاء المتربصين بنا وبديننا من ليبراليين وعلمانيين وراوفض ونصارى ويهود ، مع الاسف يتم التطاول لانه لاقصاص رادع لمثل هؤلاء المتطاولين

  5. مصطفى الزايد says:

    يبدو أن قضية الدين في السينما لم تتيسر لها أسرة سينمائية منصفة تظهر الحقائق وتغفل البهتان والإفك. وقصص الأنبياء التي نشأنا على قراءتها أو سماعها كانت بين طرفين؛ الطرف اليهودي الكاذب الذي لفق على الأنبياء ما لا يليق بأي إنسان سوي فضلا عن أن ينسب إلى نبي اصطفاه الله سبحانه! وفي عصر انحسار القراءة وقيام السينما في ثلاثة من أبواب الأدب (القصة والرواية والسيرة) برز طرف ثالث أقحم نفسه في الدين وسحبه إلى السينما لغايات بعيدة فزيّف حقائق وأصّل لأكاذيب، كان ذلك هو التوجه الفارسي في ثوب الإسلا؛ فهم مثلوا سيرة الحسين عليه السلام فأضفوا عليها خرافاتهم وثبتوا إفكهم ومرروا أكاذيبهم. وهذا في رأيي أخطر من جرمهم في فيلم يعقوب عليه السلام؛ لأن المسلم لا يهمه من سيرة أي نبي فوق ما ذكر القرآن الكريم والنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن ديننا (الإسلام) لا يستمد تشريعه من سيرة غير محمد عليه الصلاة والسلام، وسيرته محفوظة في الكتب الصحاح على ألسنة آل بيته وأصحابه عليهم السلام أجمعين. ولذلك فإن التحريف في سيرة أي صحابي (مهاجر أو أنصاري) أو أي فرد من آل البيت (علي وفاطمة والحسن والحسين) يفتح ثغرة في الدين للشيطان يُدخل من خلالها عبادة الأشخاص وتأليه البشر، وهذا قبل أن ندرس خطورته على الأجيال يجب أن نصده لأنه تلفيق وكذب. وفي رأيي يجب أن توضع معايير دولية لمنع هذه التجاوزات وحفظ قداسة ما له قداسة ومنع العابثين من التجرؤ عليه ومحاسبتهم.

    فوجئت بعد ذلك بأن الإيرانيين مثلوا سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولم أر الفيلم بعد، لكن مجرد أن يشخص ناقص نموذج الكمال فهو أمر مرفوض نفسيا وأخلاقيا قبل أن يكون مرفوضا دينيا، فكيف بممثل سينمائي لا تخلو حياته من بعض المفاسد يمثل دور أكمل الناس ويتقمص شخصيته، لينشأ الطفل على هذه الصورة على أنها صورة النبي تبقى في ذهنه مرتبطة بتصوراته كلما سمع حديثا شريفا أو قرأ شيئا عن سيرته، ثم يفاجأ بعد فترة بهذا النموذج (المثال) في فيلم آخر يشرب الخمر أو يقتل أو يسرق!
    الطفل في مراحل العمر الأولى قبل تكامل الوعي ستهتز في ذهنه صورة النموذج الأول (المثل) وليس الممثل. ومن هنا تأنتي خطورة تشخيص الأنبياء.

اترك رداً على نضال بركات إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *