لماذا قتل الخميني هذا الشيخ ؟

موقع المثقف الجديد - مصطفى حسين
الشيخ محمد طاهر الخاقاني ، مرجع ديني كبير, وقائد أحوازي مناضل . نهض ضد حكام الدولة الفارسية في عصر البهلوي , واستمر بمعارضته حتى واجه حكام طهران الجدد بعد الثورة الخمينية. وعلى إثر ذلك تم أسره في مدينة المحمرة في الأحواز , وقضي سبع سنواته الأخيرة من حياته في حصار عصيب و ظروف صعبه في قم تحت إقامة جبرية بأوامر من الخميني إلى أن بلغ الأمر أن امتنع الأطباء عن علاجه حتى وافته المنية في يوم الاربعاء الثامن عشر من شهر جِمادي الأولى من عام 1406 هـ / 1986 م بمدينة قم.
كان يعتبرمن أشد المعارضين للنظام البهلوي , حيث استدعي في عهد رضا شاه إلى طهران ليمثل أمام محكمة عسكرية بتهمة معارضة النظام  وعدم شرعيته , ثم حمكت المحكمة بنفيه إلى العراق ليستقر في النجف , ثم عاد إلى الأحواز بعد أن عفى عنه الشاه الابن محمد رضا ليواصل معارضته حتى سقوطه سنة 1979م. بعد ذلك تعرض لضغوط لمقابلة محمد رضا شاه , حين زار مدينة المحمرة سنة 1959، لكنه هدد الشيخ بأنه سيترك البلاد إذا ما فرضت عليه مقابلة الشاه ، ورغم كثرة الإغراءات و الوعود والتهديدات التي قدمها الشاه إلا أن الشيخ  أبى أن يستقبل الشاه في بيته أو يرحب به في المحمرة.
كان يعتبر الشيخ الخاقاني أبرز معارضي حكام إيران الجدد بعد الثورة , رغم أنه كان من عماد الثورة وكبار قادتها.
أما عن أهم ماقام به الشيخ الخاقاني لنجاح الثورة أنه أفتى بتحريم العمل في المنشآت النفطية في الأحواز. ولابد من القول، أنه ليس الخميني مَنْ أفتى بتحريم العمل في المنشآت النفطية أثناء الثورة، بل الشيخ محمد طاهر آل شبير الخاقاني , هو صاحب فتوى “تحريم العمل في المنشآت النفطية” و تجاوب مع فتواه جميع عمال المنشأة النفطية في الأحوازوطهران و أصفهان باعتباره مرجعاً دينياً بارزاً و مقبولاً , وكان لديه الكفاءة القيادية و الدينية و روح العدالة و الوسطية .
أتم الشيخ مهمة سقوط السلطة البهلوية بعد أن  تحمل عبء رواتب عمال النفط المضربين عن العمل , حيث كلَّف اخاه , الدكتورالمحامي مهدي عبد الحميد الخاقاني بالتنسيق أيضاً مع شقيقه الثالث الدكتور الشيخ عيسى عبد الحميد الخاقاني بجمع رواتب عمال المنشأت النفطية من الدول العربية , وبعض الحركات و القبائل و بعض الأقارب ورجال أعمال. بالاضافة إلى أنهم حصلوا على الأموال من الدولة العراقية في زمن صدام حسين في العراق , ومن ياسر عرفات في بيروت. وتمكن من دفع رواتب العمال والموظفين الأحوازيين وبالإضافة إلى الإيرانيين المضربين، الأمر الذي قصم ظهر البعير , حيث بات نظام الشاه يسير نحو الهاوية يوم بعد يوم , وأسرع في سقوطه .(برقية الخميني إلى الشيخ الخاقاني يشكره على دوره في الثورة ونجاحها، راجع الصفحة 210 من كتاب صحيفة (نور) الجزء السادس ومورخة في 22 ربيع الأول1399 هجرية.)
كان الشيخ محل ثقة للجميع , ويحمل مكانة روحية عالية في أوساط الشعوب غير الفارسية , كما لدى الكثير من الأديان و المذاهب. وقد توافدت عليه وفود كثيرة بعد انتصار الثورة من الصابئة واليهود والمسيحيين والقوميات الأخرى , تطالبه الوقوف معهم في تحقيق مطالبها، فقد قال الشيخ نقلا عن ابنه الشيخ , محمد محمد طاهر الخاقاني: ” إعلموا إن كانت هذه الجمهورية تسير على وفق القرآن الكريم وتطبِّق قوانين الإسلام فكلُّ حقٍّ محفوظ، فإنَّ الإسلام دينُ العدل والمساواة ودينُ الضمان الإجتماعي والمحبة والإخاء.”
كان الشيخ الخاقاني عربياً بامتياز من أصحاب المباديء , وبقى على ما هو عليه طوال حياته , ورفض أن يساوم أو يداهن الأنظة الفارسية بكل أشكالها.
كان الشيخ من أوائل المعارضين للنظام الخميني على الرغم من أنه كان من أعمدة الثورة ومن المقربين للخميني , وذلك لما رأى من خروقات وتجاوزات على الدين وحقوق الإنسان , ولاسيما الشعب العربي الأحوازي باسم الدين والمذهب.
نقل الابن الشيخ ,محمد محمد طاهر الخاقاني  قولا عن والده مخاطباً أبناءه وبني عمومته قائلا : “إني قد نصحت السيد الخميني أن يبتعد عن الحكم لكي نبقى نحن رجال الدين كآباء مرشدين , فاعلموا يا أبنائي وبني عمومتي إن من دخل منكم مع هذا النظام أو غيّر ما كان يعمل من عملٍ قبل الثورة ليتقرب لهذه الدولة , فلا يدخل بيتي بعد اليوم , فإنّا ما وقفنا تلك المواقف , وما عرّضنا بأنفسنا للأخطار لكي نستلم المناصب , بل لنأمر بالحق وندعوا إلى إقامة العدل , فاحذروا من ذلك وابتعدوا من الدخول مع السلاطين”.  وأضاف الابن : إن أبي قال للخميني حينما اتصل به , وأراد منه أن يتولى القضاء في إقليم الأحواز ” إن رقبتي لا طاقة لها يوم الحساب لتحمّل مثل هذه المسؤوليات.
تصدى الشيخ العربي الخاقاني بكل قوة لكل ما كان يرتكب باسم الدين ضد الشعب العربي الأحوازي ، لذلك أعلن مباشرةً معارضته للثورة رغم أنه كان من أكابر العلماء و مراجع الشيعة في زمانه لا , بل كان يخطب في الناس جهاراً , وأعلن عن معارضته للدين الخميني , وكان يؤمن  بما يقول.
قدم الشيخ  مطالب , منها كانت تختص بحقوق الشعوب غير الفارسية كاملة منهم العرب، الكرد، الترك، التركمان، البلوش وحتى الشعب الفارسي , وطالب بتطبيق العدالة و الشريعة على الجميع , كما طالب بتسليم السلطة إلى الشعب بدلاً من رجال الدين. وأما الجزء الثاني و الأساسي من مطالباته و معارضته للنظام الجديد برزت في تحدي النظام للدفع بحقوق الشعب الاحوازي .
وفيما يخص الشعب الاحوازي العربي، طالب الشيخ الخاقاني بـ:
أولاً : المطالبة بتدريس اللغة العربية في المدارس والجامعات في جميع أنحاء الأحواز باعتبارها اللغة الأولى للشعب الإحوازي , ولغة كل مسلم و لغة القران.
ثانياً: ينطق القضاء في الأحواز باللغة العربية , فحسب حتى لا يضيع حق إنسان عربي , لانه لا يدرك أو لا يتقن الفارسية.
ثالثاً: يخصص عشرون بالمئة من عائدات النفط و الغاز للأحواز لمعالجة الفقر والحرمان التي مورس عقود بحق الأحوازيين , وأضاف قائلا يجب أن لا تخرج خيرات البلاد إلى غيرها .
رابعاً: أن يكون الفرد الأحوازي أولى بالوظائف , والعمل في الأحواز في جميع القطاع.
خامساً: أن يكون الحاكم في الأحواز منتخباً بأصوات الشعب الأحوازي , ولايفرض عليه بالقهر والجبروت.
سادساً: يجب أن يخضع للمسائلة, ويحاسب كل من ارتكب جريمة بحق الشعب الأحوازي العربي و الشعوب الأخرى , غير الفارسية في محاكم نزيهة , و لمقاضات يجب أن تكون تحت إشراف من له أهلية الإشراف على القضاء .
سابعاً: يرتبط الإقليم بالمركز , ولكن يجب أن تاخذ القضايا الخاصة بيد الصلحاء من أبناء الشعب بعد المشورة في مجلس شوراهم , فهم أعرف بها , وأحرص عليها من غيرهم.
 ثامنا : يخصص سهم لأبناء الشعب الأحوازي في البعثات الخارجية لإكمال الدراسات العليا.
أما الجزء الثاني من مطالبات الشيخ  , فهي التي كانت ترتبط بأصل الثورة , وجاءت بعد ما رأى الشيخ انحراف عن الشرع و الخروج عن العدالة والظلم  في ظل النظام الجديد باسم الدين.
اولا : العفو العام حيث استند بسيرة رسول الله عندما فتح مكة و على الرغم من الانتهاكات التي ارتكبها أهل قريش أنذاك لكن قال رسول الله مخاطباً القوم قائلاً إذهبوا فأنتم الطلقاء , ورفض أن يشنق فيها العشرات من الناس كما يحدث في ظل النظام الجديد القائم على اسم الدين.
ثانيا : رفض ان تصادر أموال الناس أوإيقاف أو قطع الرواتب متمسكاً بسيرة الرسول الكريم , حينما فتح مكه لم يصادرأموال الناس من قريش و غيرهم على الرغم من أنهم كانوا قد سلبوا المسلمين كل شيء.
ثالثا : طالب أن يصبح القضاء بيد الفقهاء المجتهدين فحسب , ورفض المحاكم القائمة في ظل الثورة التي اقيمت بتبع الهوى وقتلت عشرات الآلاف من الناس.
رابعا: رفض ان يتولى المناصب بعض الرجالات , أمثال أحمد مدني وأمير انتظام وعدد آخر من أشباههم من الذين عاثوا في الأرض الفساد , وقتلوا الآلاف من الشعب الأحوازي و الشعوب غير الفارسية.
خامسا : رفض أن يتولى الحرس الثوري وغيره من اللجان الأخرى على الاموال العام بسبب ما كانوا يقومون به من نهب وسلب و إرعاب وقتل بإسم الدين.
سادسا : رفض رفضا تام تصدير الثورة إلى الدول الجوار بعد ما راى أنها أصبحت الهدف الأساسي والشغل الشاغل لكافة وسائل الإعلام وكثير من الخطباء والمبلغين , ونقل الشيخ  الابن عن والده , مخاطبا  الخميني : ” إن هذه الطريقة بالتعامل مع الآخرين المبنية على التحدي والإستفزاز لا أظنها تعود بخير ونفع على أحد , ولو كنّا حقاً نريد تصدير معالم الرسالة المحمدية إلى الخارج , فعلينا أن نحقق العدل وموجبات الإحسان والرفاه للمجتمع في الداخل حتى يعيش الناس جميعاً على اختلاف قومياتهم وطبقاتهم ومذاهبهم الإخاء , ثم نفتح الأبواب لكل قادمٍ ليشاهد بنفسه آثار العدل والإحسان , فإنه بذلك سيصبح كل قادمٍ إلى ايران صحفياً وداعية في الخارج يحمل إلى أهله وبلده معالم الرسالة بعدلها وإحسانها , وهذا هو ما سيكون دافعاً وباعثاً لتقتدي به بقية الشعوب الإسلامية وغيرها في العالم , وأما ما يجري الآن من عنوان تصدير الثورة إلى الخارج فهو الإستفزاز بعينه لخلق الأعداء والوقوع في متاهاتٍ لا يستحسن عقباها”.
سابعا : اعترض الشيخ على الحرب القائمة أنذاك بين إيران والعراق. وذكر الابن أن الشيخ قال مخاطباً الخميني : “إنه قد بلغني من عين صافية مقربة منكم أن هناك الكثير من بطانتكم تسهّل عليكم الأمر , بل وربما راحت لترغبكم في الحرب , وذلك لأنكم تعتقدون أن وقعت بينكم وبين العراق حرب كون الكثير من سكان العراق من الشيعة , فسيسقط العراق في غضون أيام بأيديكم  , لكنني أقول لكم إن النزاع بين الطرفين إن لم يحل بالطرق السلمية أو بطرحه على المحاكم الدولية , فإنه ربما يؤدي إلى حرب تأكل الأخضر واليابس”.
ثامنا : اعترض على مجلس شورى الفقهاء وقال لابد من مشورة رجال الدين وأهل الاختصاص.  ثم قال للخميني كما جاء في شهادات الابن : ” إنكم على معرفة أن من أطلق عليهم الفقهاء في مجلس الخبراء ليسوا بفقهاء , ولا بمراجع دين , بل ليس لهم علم و معرفة بشرع الله , وأنا أرى أكثرهم من الخطباء , وليس من العلماء وأغلبهم ممن يرجع إليكم بالتقليد , فكيف جاز أن يصبح هؤلاء بديلاً عن مراجع الشيعة وعلماء المسلمين”.
كانت هذه المفاوضات قد اقيمت في منزل الشيخ  في مدينة المحمرة في الأحواز , و حضر وفود من النظام برئاسة  السيد بازكان و أمير انتظام , وبعد ذلك أقيمت جلسة أخرى بين الشيخ الخاقاني و الخميني , وكما ذكر الابن في كتاباته بأن الجلسة قد انتهت إلى غضب الشيخ , ذلك أنه يرى الخميني منفرد في الراي .
و أنهي الشيخ الجلسة مخاطبا الخميني : ” إن كنت قاصداً حفظ إيران , فبالعدالة تحفظ لا بالظلم والاستبداد وإن العدو سيصبح صديقاً إن وجد العدل والإحسان , وإن ابنك سيلجأ إلى عدوك إن عاش معك الظلم والعدوان”.
و رغم أنه الشيخ  يعتبر صاحب الفضل الأكبر في نجاح الثورة إلا أنه بعد وصول الخميني إلى السلطة ، تم اقتحام منـزل الشيخ  في المحمَّرة 31 مايو 1979 بأمر مباشر من الخميني وقتل ما لايقل عن 500 شخص وأصيب و اعتقل المئات من الأحوازيين في ذلك اليوم، ثم اقتيد الشيخ  مكبلا إلى سجن المحمرة بمعية جميع أفراد أسرته , ثم الى مدينة قم ,حيث وضع تحت الإقامة الجبرية الى أن وافته المنية عام 1986 . وأما الدكتور مهدي عبد الحميد الخاقاني، والذي وقف بدوره مع مطالب الأحوازيين عام 1979، فقد أمر الخميني باعتقاله ، وقد تمَّت محاكمته خلال ساعات , حيث حكم بالاعدام , وتم تنفيذ الحكم على الفور بعد توجيه التهمة إليه بالتخطيط لفصل الأحواز عن إيران.

التعليقات

4 تعليقات
  1. مثنى says:

    هناك الكثير من المعممين الذين تمت تصفيتهم على يد الخميني والسبب ازالة كل مسببات تعريض عرشه للخطر

  2. عمار المصري says:

    المرجعية الدينية في ايران هي سلطة اوتقراطية سياسية عميلة للاستعمار لا فرق بينها وبين النظم العربية لذلك تقوم بمحاربة وضرب اي خطر يهدد بقاءها و استقرارها لذلك هناك الكثير من سجناء الراي في السجون

  3. سعد العامودي says:

    هم بطبيعتهم يقومون بتصفية كل معارض لهم فكريا وسياسيا ودينيا لاتنسوا ان ثورة الخميني استأصلت كل من يعارضها في الداخل والخارج

  4. فارس السلوم says:

    اصلا ثورة الخميني مشكوك فيها ويقال بانه انطلقت من فرنسا بمباركة امريكية وتم التسهيل لها مخابراتيا لتنجح وتسقط نظام الشاه ليبدا بعد ذلك تاجيج نيران الصراع والكراهية بين العرب وايران والذي تحول لحرب ضروس امتدت سنوات اكلت الاخضر واليابس وفي النهاية المستفيد الوحيد منها هو اسرائيل وامريكا التي تربعت على المنطقة بجدارة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *