المعسكر الأمريكي جنوب تركيا

موقع المثقف الجديد - أمين محمد

يشهد شمال وشرق سوريا تطورات ميدانية كبرى، ربما تهدد بتغيير خارطة الشرق الأوسط ، حيث يتقدم اكراد سوريا خطوات واسعة باتجاه تشكيل إقليم ذي صبغة كردية بدعم مباشر وجلي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية التي تبدو في طور إعادة هندسة الشرق الأوسط على صورة جديدة تنسف ما وضعته اتفاقية “سايكس وبيكو” قبل قرن من الزمان.

وتتقدم ما تُسمى بـ “قوات سوريا الديمقراطية” التي تشكل الوحدات الكردية ذراع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي العسكرية ، ثقلها الرئيسي ، تتقدم في الجغرافيا تحت غطاء ناري من طيران التحالف تحت غطاء محاربة تنظيم داعش الذي لا يزال يضع يده على مجمل شرقي سوريا. وسيطرت هذه القوات خلال أكثر من عام على مناطق واسعة تضم مدناً سورية عريقة  وهامة ، آخرها مدينة الطبقة التي تكتسب أهمية استثنائية , كونها تضم أكبر السدود المائية السورية , والذي يحتجز وراءه بحيرة يصل طولها أكثر من 80 كيلو متر، وعرضها في بعض الأماكن نحو 5 كيلو متر. وبذلك باتت ميليشيا الوحدات الكردية تسيطر على أجزاء واسعة من محافظة الرقة وهي في طريقها للسيطرة على مدينة الرقة , مركز المحافظة والتي تعد أبرز معاقل تنظيم داعش في سوريا. وسبق لهذه الميليشيا التي تؤمن بفلسفة عبد الله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني والمسجون في جزيرة بالبحر الأسود منذ عام 1999- سبق لها أن سيطرت على القسم الأكبر من محافظة الحسكة أقصى شمال شرقي سوريا بالتواطؤ مع نظام بشار الأسد، والتي تعد سلة عذاء سوريا، وتضم العدد الأكبر من أكراد سوريا. كما تسيطر على منطقة عين العرب في شمال شرقي حلب، ومدينة منبج وريفها في شرقي حلب، إضافة الى مدينة عفرين وريفها الواسع شمال غربي حلب، كما تحتفظ بوجود داخل مدينة حلب نفسها في حي الشيخ مقصود الذي يقطنه أكراد قدموا إلى المدينة العريقة من ريفها.

لا توجد إحصائيات يمكن الركون لها لعدد الأكراد في سوريا، ولكن الأمم المتحدة تؤكد أنهم يمثلون نحو 5 % من سكان سوريا، في حين ترفع مصادر كردية العدد إلى الضعف. وتعرض أكراد سورية لنزيف كبير في سنوات الثورة السورية التي بدأت في عام  2011، حيث هاجر قسم كبير منهم ، وخاصة طبقة الشباب إثر تطبيق الوحدات الكردية لنظام (التجنيد الاجباري) ، وباتوا ينتشرون في أوروبا وخاصة ألمانيا , حيث توجد جالية كردية كبيرة فيها . وتعتبر الحكومة التركية الوحدات الكردية منظمة إرهابية ، والنسخة السورية من حزب الاتحاد الديمقراطي، لذا ترى أنقرة أن مساعي هذه الميليشيا في ترسيخ إقليم يحمل صبغة كردية في شمال سوريا مساساً مباشراً لا يمكن القبول بالأمن القومي التركي ؛ لأنه يفتح الباب أمام أكراد تركيا للقيام بشيء مشابه , وهو ما يهدد مستقبل تركيا.

ودعمت تركيا المعارضة السورية المسلحة في عملية واسعة النطاق , حملت اسم “درع الفرات”، بدأت منتصف العام الفائت، وطردت تنظيم دولة داعش من مناطق واسعة في شمال سوريا على مدى عدة أشهر، وكان من غاياتها أيضا وضع حد للمساعي الكردية في التمدد في المناطق التي يخرج منها مقاتلو التنظيم غربي نهر الفرات. ولكن الولايات المتحدة الأمريكية حالت دون سيطرة قوات المعارضة السورية على مدينة منبج كبرى مدن الريف الحلبي، وهو ما أبقى مناطق سيطرة الوحدات الكردية على اتصال جغرافي من عين ديوار شرقا، وحتى عفرين غربا. وكان هذا الامر مصدر قلق كبير للأتراك عبروا عنه عدة مرات بقصف مواقع هذه الوحدات في شمال سوريا، مع التلويح بالقيام بعمليات عسكرية برية , تنهي وجود هذه الميليشيا التي لا تخفي مطامع كبرى، وذلك بالوصول إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، وهذا ما لا تسمح به أنقرة ما يفتح الباب أمام صراع معقد تغذيه أطراف دولية، وخاصة الغرب الذي يريد استنزاف تركيا في صراعات جانبية , من شأنها تعويق مشروع واعد للنهوض بتركيا أكثر. يطلق حزب الاتحاد الديمقراطي المعروف اختصارا بـ PYD، وأحزاب كردية أخرى على محافظة الحسكة السورية تسمية (روج آفا) وتعني غربي كردستان، الأمر الذي تعتبره المعارضة السورية محاولة لتقسيم سوريا، وترسيخ إقليم شبيه بإقليم كردستان العراق، رغم أن العرب يشكلون أغلبية مطلقة في المناطق التي تسعى أحزاب كردية إلى فصلها عن سوريا تحت ذريعة اللامركزية بالحكم والفيدرالية التي يرفضها عموم السوريين. وجاء قرار الرئيس الأمريكي دولاند ترامب بتسليح الوحدات الكردية لتحقيق حسم سريع في معركة الرقة المنتظرة ليزيد من حدة الصراع على شمال وشرقي سوريا، ويؤكد المخاوف التركية عن سعي الغرب زرع كيان كردي على الحدود الجنوبية لتركيا يبقيها في حالة قلق دائم، ويُبقي الجرح السوري مفتوحاً على كل الاحتمالات، بما فيها تقسيم سوريا إلى دويلات متناخرة

التعليقات

3 تعليقات
  1. مفيد says:

    تركيا ردت على هذا المخطط من خلال المنطقة الآمنة..لذلك بحول الله سيفشل مخططهم ثم ان اسرائيل تنظر الى الدولة الكردية كبديل قوي عن الدولة السنية سواء على الصعيد الاقتصادي او الامني

  2. صالح الفايز says:

    الاكراد هم القنبلة الموقوته التي تتضافر جهود روسيا وامريكا لتفجيرها في منطقة شمال سوريا وجنوب تركيا وهم المشروع المنتظر الذي سيحقق لهم طموحاتهم في المزيد من تمزيق المنطقة وتهديدها

  3. موسى الغوينم says:

    كل مايجري في شمال سوريا هو لطعن تركيا من خاصرتها الجنوبية ولتجيير الاكراد ليصبحوا ورقة ضغط على تركيا الاسلامية…لارضاخها وتطويعها …خاصة اذا علمنا ان مناطق الاكراد هي اهم مصادر المياه ومنبع الانهار المهمة ..ومصدر رئيسي للزراعة التركية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *