أسلمة النصرانية في الدراما السورية التاريخية

موقع المثقف الجديد

هيمنة آيديولوجيا حزب البعث اللاديني على مفاصل الدولة السورية وثقافتها حدّ الاستئثار والاستبداد – أفرز حالة جديدة متمردة على قناعات الشعب السوري الذي بقي واعياً على مدى تاريخه بشرعية وفقه التجاور والتعايش الإسلامي المسيحي والسني العلوي , وأن هذا التنوع اختلاف حقيقي في أصول العقيدة , لكنه لا يستدعي التناحر والصدام المسلّح , بل يدعو إلى تعاون اجتماعي في سبيل رفاه وتنمية المجتمع والدولة.

هذه الحالة الفطرية في الطبيعة الشامية لم تكن لتبقى على حالها السوّية بعد الانقلاب العلوي على الأكثرية السنية وعلى الفطرة الشامية المطمئنة , إذ لا استمرار للأقلية الطارئة على العرش دون فرض تحولات جادّة وقمعية ضد المنظومة الخلقية والعقدية والسلوكية وضد تكامليتها المتعاضدة , حيث لا مناص من تفكيك الآصرة السببية لديمومتها واجتراح ثغرات في هذا البناء المكين.

وكان لا بد من تمرير رسائل بعثية لخدمة الفكرة العلوية التي تسعى إلى نسف الاختلاف العقدي لإعطاء شرعية لنظام لاديني , يلغي فرضية الأكثرية السنية , كونها الأجدر بالسلطة كمّاً وكيفاً.

الدراما السورية لعبت دورها الحيوي والمؤثر على توجيه الرأي بالجذب والمتعة , وتقديم الخيارات الناعمة لما يسمى بال(أنسنة) المتجاوزة للعقيدة , لا سيما الدراما التاريخية كونها نصاً تراثياً يبرهن على واقع عقدي ساد عبر التاريخ , وحدّد علاقة المسلم بغيره , وما ينطوي عليه من قيم التسامح بين المسلمين والنصارى واليهود… غير أن شفرة المؤلف الجارجة تتدخل في إعادة القولبة التاريخية أو بوصف أدق تزوير الحقيقية ونسفها من أصلها في سبيل تخريف أدلة على أن قيم التسامح الإسلامية إخائية مع النصارى ومتجاوزة لأصل العقيدة ؛ فيلجأ المؤلف البعثي والعلماني إلى تكثيف روحانيات تزيح الحس الديني بنعومة ماكرة , بل ويقحم مشهداً لقيطاً , يدفع به إلى السردية بلا مبرر على نحو خادش لذوق المتلقي النابه , ولا ينطلي على وعيه الفني.

تابعت مسلسلات سورية تاريخية تتناول رموز مُدرجة في سجل المجاهدين والفاتحين وأبطال الإسلام , تم إفراغهم من إسلاميتهم وتعويض الفراغ الروحي بالقومي أو الإنساني , لا سيما إذا علمنا أن أغلب الفنانين السوريين غير مسلمين وغير سنّة فمسلسلات (صقر قريش) و(ربيع قرطبة) و(الظاهر بيبرس) و(زمان الوصل) تتناول قامات إسلامية , ولا تكاد تسمع في المسلسل كلمة (مسلم) أو (إسلام) حيث تم طمسها بتحريف فجّ لرمزيتها الواقعية , بل يتم مجاملة الدين النصراني والنصارى في الحالة الإسلامية بدمج  تعسفي متهور , ليس له سابقة من التاريخ في تحايل فاضح يتخطى التعايش إلى الإخاء المطلق والتجاور إلى الوحدة العقدية , وكأننا إزاء أسلمة النصرانية , إذ لا فرق – بحسب دراما البعث – بين المسلم والنصراني ولا الإسلام والنصرانية عقدياً.

إن الذي كذب عن الناس في واقعهم الحاضر المشاهد , وسمّي الانقلاب البعثي العلوي حركةً تصحيحيةً لن يصادف أي صعوبة في الكذب على التاريخ الغائب أو المغيّب.

 

التعليقات

3 تعليقات
  1. فوزي says:

    النظام السوري نظام اشتراكي بعثي لا اعتقد ان العلوية اثرت فيه بقدر معادلته للاسلام وهوية المجتمع السني

  2. فيصل الدريعي says:

    من المعروف ان الدراما في زماننا هذا لاتتعدى كونها اداة تستخدم لنشر افكار وتوجهات من ينتجها ويمولها وقد تكون لنشر فكر سياسي او ديني او غير ذلك وماذا تترجون من اعمال تهيمن عليها دولة البعث ويشرف عليها رجال استخبارات بعثيون.

  3. سارة السُلَمي says:

    أملنا أن نجد في قابل الأيام إعلاماً يمثلنا, ودراما تتحدث عن واقعنا وتعالج مشاكلنا,,,
    _إلى حدٍّ كبير_ اللغة الفكرية _الشعبية_ اليوم هي لغة الدراما…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *