هل يرحل حزب البعث برحيل بشار الأسد ؟

موقع المثقف الجديد - ثائر الزعزوع

على الرغم من أن حزب البعث بشقه السوري كان يبدو ظاهرياً أنه الحزب المهيمن على السلطة ، بنص دستوريّ وضعه حافظ الأسد في أعقاب انقلابه عام 1970، ينص على أن حزب البعث هو الحزب القائد للدولة والمجتمع ، والذي يتيح للحزب أن يستحوذ على الحكومة والبرلمان والوظائف الحكومية الكبرى، ويخوله دور ممارسة السيادة على باقي الأحزاب السورية من خلال جبهة وطنية يرأسها ، إلا أن جميع هذه التفصيلات لا تقدم صورة واضحة عن طبيعة حزب البعث السوري، والذي يختلف كلياً عن شقيقه وعدوه اللدود حزب البعث العراقي ، الذي كان مهيمناً على الدولة إبان حكم الرئيس الأسبق صدام حسين.

حزب البعث الذي كانت نشأته سورية بامتياز، استطاع الوصول إلى السلطة عام 1963 كان يحمل حسب شعاراته التي ما زال يرفعها حتى يومنا هذا حلماً عربياً واشتراكية وحرية ، لكن تلك الشعارات ظلت حبراً على ورق، بل يمكن القول إنها زالت نهائياً عقب استيلاء حافظ الأسد على السلطة ووضعه رفاقه الحزبيين جميعاً في السجون، وبدل أن تكون المؤسسة العسكرية تابعة للحزب (القائد) حدث العكس، وبات الحزب مجرد أداة سياسية في يد المؤسسة العسكرية التي كان يقبض عليها الأسد الأب ومعاونوه بيد من حديد، تحولت سلطة الجيش إلى سلطة المخابرات وبقي الحزب الحاكم محتفظاً بماكنته في المقدمة لكن دون فاعلية ، إذ يستطيع أي مراقب للوضع السوري أن يعلم علم اليقين أن سوريا دولة أمنية بامتياز، وليست دولة حزبية ، وإن كانت تصنف ضمن دول الحزب الواحد.

وقد ظهر ذلك جلياً حين ورث بشار الأسد منصب أبيه بعد رحيله، وبايعه الحزب أميناً عاماً له، لتضرب بذلك جميع قواعد التدرج الحزبي والعمل السياسي ، فتحول قادة حزب البعث السوري الكهول إلى مجرد مؤدين في جوقة تتغنى ببطولات القائد الشاب الذي هبط على حزبهم بمظلة.

بعد أشهر قليلة من اندلاع الثورة السورية ضد النظام الديكتاتوري منتصف آذار عام 2011، بدا أن النظام ضعيف بما فيه الكفاية وقرر أن يجري مجموعة مما أسماها بالإصلاحات لامتصاص الغضب الشعبي، والثورة التي كانت آخذة بالتوسع وقتذاك، وأن كانت مطالب الثورة قد بدت واضحة , وليست بحاجة لكثير تفسير وشرح، فهي طالبت بإنهاء حالة الطوارئ التي كانت مفروضة على البلاد منذ استيلاء البعث عام 1963 و إطلاق سراح المعتقلين، ومطالب أخرى لم يكن من بينها على الإطلاق حل حزب البعث، وإن كان هذا المطلب كان سيبدو طبيعياً لو أن الحراك الثوري السوري كان حراكاً سياسياً أصلاً، إلا أنه كان حراكاً اجتماعياً بالدرجة الأولى، فقرر الأسد ومستشاروه الأمنيون أن يكون حزب البعث قرباناً لمؤسستهم الأمنية المتماسكة، إذ يمكن الاستغناء عن الحزب بسهولة، ما دام لا يقدم ولا يؤخر في الحياة السياسية السورية، وهو مؤسسة مهترئة ترعى عملية الفساد و الإفساد التي تقوم بها السلطة وتحصل على مكتسبات تصب في رصيد قياداتها، إذ وكما أسلفنا لم يكن الحزب مساهماً في إدارة دفة البلاد، بل إن الأسد نفسه رفض محاكمة ابن خالته ضابط الأمن عاطف نجيب الذي اعتقل أطفال محافظة درعا وقام بتعذيبهم، لأنه لا يريد أبداً المساس بالمؤسسة الأمنية، فكان أسهل أن يتم إلغاء المادة الثامنة من الدستور السوري والتي كانت تنص على أن حزب البعث هو الحزب القائد للدولة والمجتمع، وهو إلغاء سيتبين لاحقاً بأنه مجرد إلغاء شكلي وليس عملياً، فقد ظلت اللعبة السياسية التي رسم خطوطها الأسد الأب منذ سنوات طويلة تسير دون أن يطرأ عليها أي تعديل فمجلس الشعب يستحوذ عليه حزب البعث بأغلبية مطلقة، والحكومة التي تدير شؤون البلاد هي حكومة بعثية يتم منح بعض حقائبها الثانوية وغير الفاعلة لأحزاب الجبهة الوطنية التي تتلقى أوامرها من حزب البعث.

هكذا إذاً تجري اللعبة بهدوء، ولتأكيد طبيعة الدولة الأمنية بلا منازع , فإن الحزب كان يخضع لمراقبة الأجهزة الأمنية، وبالمقابل لم يكن يمتلك أية سلطة عليها ولا حتى على مراقبة عملها، فلم يكن مستغرباً والحالة هذه أن ينبري أعضاء قياديون في الحزب للدفاع عن الحل الأمني الذي انتهجته السلطة في قمع الشعب السوري، وبرروا ذلك بأنه ضرورة قومية من أجل الدفاع عن فلسطين هكذا حرفياً . ولم يسع الحزب لأن يكون موجوداً على الساحة كأن يقدم على سبيل المثال مقترحاً لعقد مؤتمر سياسي بعيد عن قبضة الأجهزة الأمنية ؛ لأنه ببساطة لا يستطيع بالمطلق التحرر من تلك القبضة أو السباحة مبتعداً عنها لتجنيب البلد مزيداً من الانحدار والتفكك. وهو يواصل عبر قياداته النفخ في شخصية الديكتاتور، وهو شأن الأحزاب القومية لا في منطقتنا العربية فقط , بل إن النموذج النازي الألماني يمثل مدرسة لتلك الأحزاب مهما ادعت من تحرر وحملت شعارات جوفاء لم ولن تسعى لتطبيقها مهما طال الزمن . فالحزب الذي يؤمن بالوحدة والحرية والاشتراكية يحرص كل الحرص على تكريس القطيعة مع كافة الأقطار العربية، وبات يعتبر الوحدة مع إيران مطلباً قومياً عربياً!! و هو حريص أيضاً على منع الحرية في كافة مجالات الحياة السورية، ويعتبر الحرية التي طالب بها أبناء الشعب السوري ليست سوى مؤامرة خارجية تستهدف النيل من محور المقاومة والممانعة، وفي فيما يتعلق بالمسألة الاشتراكية التي يتفاخر الحزب بأنها واحدة من أعظم إنجازاته , فيكفي القول إن غيلان المافيا العائلية السورية والتي يتزعمها ابن خال الرئيس السوري رامي مخلوف ليست بكل تأكيد واحداً من مظاهر الاشتراكية.

أخيراً فإذا كانت سوريا تصنف على أنها واحدة من أكثر الدول فساداً في العالم فإنه من المؤكد أن حزب البعث الحاكم في سوريا يمثل واحدة من أكبر المؤسسات فساداً في سوريا، وبمجرد تداعي نظام دمشق للسقوط، وهو أمر حتمي الحدوث طال الزمن أم قصر، فإن حزب البعث ستذروه الرياح ولن يبقى منه سوى ذكرى سيئة يحملها السوريون.

التعليقات

3 تعليقات
  1. محمد راجح says:

    حزب البعث ونظام حافظ الاسد ومن بعده ابنه بشار جلبا لسوريا ولبلاد العرب فكر الاستبداد والعبث والفساد والتطرف الفكري الطائفي وبرحيلهم ستكون بلاد الشام احسن حالا .ولكن في الافق القريب لاشيء يبدوا واضحا

  2. صالح الفايز says:

    انظمة ابعث كلها ادعت المقاومة لاسرائيل وشرهم اقتصر على جيرانهم وبكذبة القومية العربية استمالوا قلوب وعقول الجهلة والمتحمسين للعروبة وهم في حقيقتهم الد اعداء العروبة والاسلام .

  3. صالح العامري says:

    هذه الاحزاب مثل البطانة السيئة يرتبط مصيرها بمصير الصنم الذي تعبده انظر الى مصير حزب مبارك و بن علي و صدام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *