حالة تزييف في كتاب (ابن تيمية الصوفي)

موقع المثقف الجديد

في قراءة أخرى جديدة تحاول أن تجد لها مكانة – بالقوّة – بين خطابي حاتم العوني وسلطان العميري، يخرج مركز (تفكّر) بكتاب يحمل عنوان : ابن تيمية الصوفي، لمؤلفه أحمد محمد بلقيس.
يحاول الكتاب أن يصوّر أن ابن تيمية شخصية معتدلة ، وله موقف إيجابي من التصوّف الإيجابي ، وإنما هو ينكر الحلول والاتحاد والوحدة ونحوها من معتقدات الصوفية السلبية الغالية ، وكأنه بذلك يريد أن يحدث قطيعة بين ابن تيمية وأتباعه الرافضين للتصوف جملة وتفصيلاً، والمقصود بالأتباع هنا خصوصاً أتباع مدرسة الدعوة النجديّة وما بعدها، ومن هنا ذكرنا في هذه القراءة أن هذا الطرح يحاول أن يجد لنفسه موطئ قدم بين خطابي العوني والعميري فيما يتعلق بابن تيمية وفهم أتباع المدرسة النجدية له.

والذي تراه هذه المقالة هو أن هذا الطرح إنما يتّسق مع المنهج الأشعري المعاصر في العلاقة مع التصوّف، وليس متّسقاً مع الطرح التيمي نفسه، الذي يزعم هذا الكتاب أنه يبرئه من أخطاء أتباعه ؛ ذلك أن المدرسة السلفية التي تحمل آراء ابن تيمية إنما هي تحمل منهجه أيضاً المستمد من منهج السلف الصالح ، وتخرّج موقفها من القضايا المعاصرة على طريقة أولئك ومنهجهم ؛ وانطلاقاً من هذه المنهجية , فإن التصوّف في عهد ابن تيمية كان لا يزال متبقياً منه صُبابة لم تتورّط في الغلوّ الكفريّ، وكان ابن تيمية يريد أن يحرّر أتباع التصوّف من الغلوّ استناداً إلى المتصوّفة الذين لم يكونوا عند التحقيق أو مع التماس العذر لهم من الغلاة، كما أن دولة السلفيّة لم تكن ذات قوّة ومنعة تتيح لابن تيمية أن يتصرّف مع أهل البدع كتصرّف عمر رضي الله عنه مع صبيغ بن عسل (تُراجع قصّة صبيغ في مظانها، وهي شهيرة على كل حال)…

يُضاف إلى ذلك، أن التصوّف بمجمله، إلى عهد قريب من ابن تيمية لم يكن قد اكتمل تشكّله ليصبح في شكله النهائي متمحّضاً في التصوّف الطرُقي، الذي يتبع خطوات متسلسلة منهجية ثابتة ، تنتهي إلى طريق مسدود ، ملفّق من خلط التجهّم والإرجاء والتبرك البدعي والقبورية ودعاء غير الله والحلول والاتحاد وتأليه الأحياء وعبادة الأموات والتواصل مع الجنّ وعبادة العقول العشرة والعقل الفعّال.

أما وقد انتهى التصوّف في أعلى مراتبه المنهجية المعتمدة عند أقطاب الصوفية منذ عدة قرون إلى هذه الحال، التي لم يعُد إنكارها مُجدياً على الإطلاق ؛ إذ قامت البراهين القاطعة من مصادر الصوفية ومراجعهم المعتمدة على أن سائر الطرق الصوفية الرئيسية تقوم على هذه الأصول التي تتعارض في شكل واضح مع رسالة الأنبياء التي بعثهم الله بها إلى الأمم، فما عاد من المتاح – بقطع النظر عن موقف ابن تيمية من متصوفة الماضي – ما عاد من المقبول أن يُقال : إنه ينبغي اتخاذ موقف تفصيلي من التصوّف؛ لأن التصوّف نفسه لم يعد في عالم الواقع إلا منهجاً شركيّاً واحداً واضحاً، لا لبس فيه إلا على غير المطّلعين، أو على من خضعوا لخداع شيوخ الطرق الصوفية المعاصرة ومراوغتهم ، وضعفتْ هممهم عن الرجوع إلى مصادرهم المعتمدة والتوثّق من عقائدهم المدوّنة فيها.

وإن الأمر ليشبه في الوقت الحالي أن يُقال عند الحديث عن الموقف من النصرانية أو من الإمامية : يجب أن نفرّق بين النصراني الذي يعبُد عيسى والذي لا يعبده، فقد تمحّضت النصرانية عبادة لعيسى، أو أن يُقال : يجب أن نفرق بين الشيعي الذي يفضل آل البيت على بقية الصحابة فقط والشيعي الذي يشتم عائشة ومعاوية ، فقد تمحضت الإمامية في كتبها المعتمدة شتماً لعائشة ومعاوية رضوان الله عليهما ، وعندما يعلن المرء الموقف القاطع منها فهو غير ملزم بأن يعتمد هوامش الإصلاحيين الدينيين من الشيعة جزءاً من الإمامية التي ينتقدها على طاولة الملل والفرق المعاصرة المعتمدة عند أصحابها.

يطرح كتاب ابن تيمية الصوفي سؤال : الأخلاق، ويسائل به من يصفهم بسلفية الحجاز –ولا يفوتنا ما لهذا الإطلاق من بُعد عُثماني، على رغم أنه لا يحمل توجهاً عثمانياً بقدر ما يحمل نظرة تشييئيّة للمنهج السلفي الذي يوجه النقد إليه-، وكأن ما يطالب به من الأخلاق ليكون أخلاقاً للسلفية هو نفسه أخلاق الصوفية الليّنة أو المراوِغة، وكأنّ اختياره هذا النوع من الأخلاق للسلفية يقضي على خط السلفية بالإخفاق في مسيرتها إذا لم تختره وتنتهجه سبيلاً، والأمر في نظر هذه القراءة يشبه قول القائلين من أعداء أحمد ديدات رحمه الله: إن خطاب ديدات غير ناجح ؛ لأنه متطاوِل ويسخر من الآخرين ويسفّههم ، وخطاب خصوم ديدات النصارى جيّد ؛ لأن فيه أخلاقاً واحتراماً وهدوءاً واتزاناً، وهذا الاختيار متفرّع عن عجز حمَلة هذا التيار “المابعد سلفي” – أعني الذي تصدر عنه أمثال كتاب ابن تيمية الصوفي – عجزهم عن الثبات ومواجهة التيارات الأخرى، وهذا ما اضطرّهم إلى أن يعودوا على السلفية نفسها، لا للقضاء عليها، وإنما من أجل تقليم أظفارها بانتخاب خطاب جديد لها، بدلاً من خطابها الحالي. وكأنه يقول: إما الأخلاق “الصوفية” للسلفية، وإما الطوفان، بمعنى: تدجين السلفية، أو بعبارة أوضح: الانتقال من مشروع صقور السلفية، إلى مشروع حمائم السلفية.

إن خطورة هذا الاقتراح أنه يفرّغ من المعنى والقيمة مواطن القوّة والشدّة في السنة النبوية وفي سير الخلفاء الراشدين، كعمر بن الخطاب، وفي عمل علماء السلف وتلاميذهم، كالإمام أحمد وابن نصر الخزاعي والرازيين أبي حاتم وأبي زرعة والدارمي والبربهاي وغيرهم من الأئمة الذين عجّت كتب العقيدة المسندة بمرويّاتهم، وقد يؤدي إلى عدها مواقف دعت إليها الضرورة، وللضرورة أحكامها، أو إلى أسوأ من ذلك: أن يجري تفسيرها تفسيراً تاريخياً، أو احتسابها اجتهادات غير صحيحة ، قُصارى جُهدنا أن نلتمس لأصحابها العذر بوجه من الوجوه، ونقول إنهم: مخطئون مأجورون.

ذلك هو المنهج “المابعدي” الذي يسعى مركز (تفكّر) في بعض إصداراته – ومنها هذا الذي بين أيدينا – إلى تمكينه في عقول السلفيين وقلوبهم، وكأنه إصلاح صوفي أشعري للمنهج السلفي وخطابه، ويا ترى: أي شيء أكثر من هذا يريده الحبيب الجفري أو سعيد فودة وأتباعهما من السلفيين بعد هذا؟!

لقد كان يمكن لهذه المقالة أن تنحو منحىً أقلّ حدّة، لولا الطريقة “المابعدية” التي أراد بها كتاب ابن تيمية الصوفي أن يحاكم بها خطاب السلفية المعاصرة الذي تواجه به التصوف المعاصر؛ إذ إن نحواً من التفصيل في شأن التصوف وتقسيمه إلى مقبول ومرفوض، هذا التفصيل كان هو اختيار بعض السلفيين الذين لم تتبلور عندهم الصوفية بصورتها الأخيرة آنذاك، وهؤلاء كان لهم وجود قبل ثلاثين سنة أو أكثر قليلاً، بيد أن مخالفيهم من السلفيين – وهؤلاء على صواب – يقررون كما تقرر هذه المقالة أن التصوف أصلاً ليس مصطلحاً سلفياً؛ وما يُقَرّ منه فإنما يُقرّ تحت مصطلح الزهد المعروف عند السلف لا غير؛ ولولا أسلوب المؤلف لأمكن أن نقول: لعل التباس موقف المؤلف جاء لأنه رأى بعض السلفيين يقولون بهذا، فسلك مسلكاً سلكَه سلفيون معاصرون قبلَه.

ولا يحسبنّ مؤلف الكتاب، أو تيار “المابعدية” أنه بوضع وصف ابن تيمية بالتصوف درعاً للتصوّف المعاصر يُحدث قطيعة بين التيار السلفي المعاصر وابن تيمية أو يورّطهم في مواجهة معه؛ إذ إنه إن كان المؤلف يرى أنه إذا جرت نسبة التصوف لابن تيمية فقد تخلص من المآخذ على التصوف، ويبقى بعد ذلك ما يمس التوحيد ولوازمه؛ فيقال له: السلفية أصلاً لا ترضى أن تُنسب إلى شخص، لا إلى ابن تيمية ولا غيره من العلماء، وإن كان من الأئمة، ومن ثَمّ فهذا المسلك لا يجدي معها في المناقشة ، ثم إن كان المقصود بوصف ابن تيمية بالتصوف هو ذلك الزهد الذي أقره الشرع ، وهو في اصطلاح الكاتب هو هذا “التصوف”، فعندئذ يقال له : لا حاجة بنا إذن إلى هذا المصطلح الملتبِس في هذا العصر على أقل تقدير، ويستغنى عنه بمصطلح الزهد مثلاً ، الذي يعدّ من المصطلحات التي لا تحوي جعبتها حمولة عقديّة كادت أن تكون فوق الكفر، أو كاد الكفر أن يكون دونها.

التعليقات

2 تعليقان
  1. أبو عبد الله says:

    أرى أن كثيرا مما سطره الكاتب تحامل بسبب خلفية يظنها عن المؤلف.

    ولو قرأ الكتاب بتجرد عن أي خلفية يظنها أو وهم يتوهمه، أو عنوان يحمل في طياته خلفية لمن لم يعرف المؤلف أو لم يعرف منهجه.

    لقال حينها: ” الكتاب جيد ” وإن كان لا يخلوا من بعض المآخذ.

    أما أن يجعل الكتاب وكأنه معول لهدم السلفية فحاشا وألف حاشا المؤلف من هذا الظن البائس

  2. فراس المدوخ says:

    اعتبار التصوف و الابتداع طريقة مقدسة من مذاهب التدين الاسلامي امر فيه تشكيك بصفاء السيرة النبوية و ميراث الصحابة …هم يمشون على نفس نهج المستشرقين..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *