هل ارتشى زكي مبارك من الرصافي؟

موقع المثقف الجديد - عبدالله أبو بكر

هل ارتشى الكاتب المصري الشهير زكي مبارك من الشاعر العراقي الأشهر معروف الرصافي لكيلا يفضح كتابه المسمى “الشخصية المحمدية”؟
قبل أن نجيب عن ذلك لا بد من مقدمة يسيرة تحيط القارئ بنبأ الكتاب، ثم نأتي إلى قصة “الرشوة” التي نتساءل عنها.
ظَهر كتاب الشاعر العراقي معروف الرصافي “الشخصية المحمدية” عام 2002م، عن دار الجمل، وسط ذهولٍ غريبٍ من المثقفين:

كيف لمثل هذا الكتاب أن يُنشر ويُبعث من جديد في هذا الوقت بعد أن انتهى الرصافي من تأليفه عام 1933م، حين كان في الفلوجة؟
وقد شكّ بعض النقّاد في نسبةِ الكتاب إلى المؤلف؛ فقال محمد باباعمي في كتاب “رحلة الرصافي من المغالطة إلى الإلحاد”:
“نحن لا نثبت الكتاب للرصافي، ولا ننفيه عنه”.

والحقيقة هي أن هذا الكتاب لو صدرَ في حياة الرصافي فلربما فاقَ كتابي “في الشعر الجاهلي” لطه حسين و”أصول الحكم” لعلي عبدالرازق ضجةً وردوداً.
ننتقل الآن إلى القصة التي حمل الموضوع عنوانها، وإلى السؤال: هل ارتشى مبارك من الرصافي؟ والجواب عنه.

يقول زكي مبارك في كتابه (وحي بغداد) الذي صدر في عام 1938م -حين زار محلّ إقامة الرصافي آنذاك في الفلوجة، وكانت هذه الزيارة قُبيل وفاة الرصافي بخمسة أعوام-:
“أمر الشاعر – يعني الرصافي – فتاه بأن يحضر كتابه عن النبي صلى الله عليه وسلم في عشرة كراريس، وكنت قضيت ساعة في هدوء، فلّما وقع بصري على بعض فقرات الكتاب ثرت ثورة عنيفة، وانطلقت أجادله بعد بلا ترفق ولا تلطف”..
واتفق الأديبان على أن يلتقيا في بغداد بعد عشرة أيام من هذا، يوم أقام أدباء بغداد حفل تكريم زكي مبارك، فكتب الرصافي قصيدةً نشرها في صحيفة الاستقلال، يسبق بها أهل بغداد إلى تكريم زكي مبارك، وعقّب هذا بقوله:

“وهكذا يكون إكرام الضيف”!
ثم عرض الرصافي بعدَ قصيدته على زكي مبارك أن يقرأ كتابه (الشخصية المحمدية) ويدوّن ما شاء من الملاحظات، فاعتذر مبارك لضيق وقته، ثم فرّقت الأيام بينهما، ولم يلتقيا بعد ذلك..
وكتب زكي مبارك عن كتاب الرصافي، بعد أربع صفحات فقط من حديثه عن ثورته وجداله في حادثة الفلوجة:

“كتابه عن النبي محمد هائل جداً، وترجع أهميته إلى ما فيه من نقد الأخبار والأحاديث، وقد لا تتسع الصدور لظهور هذا الكتاب”!
فكأنّ رأي زكي مُبارك تغيّر بعد أن مدحَه الرصافي، فكانت القصيدة رشوة تلقّاها بصدر رحيب.
ليس بمستغربٍ على الرصافي هذا النهج المدائحي؛ فهاهنا أمر يحكيه محمد كرد علي في كتابه (المعاصرون) عنه، لمّا اشتدّ به العوز والفاقة بعد انفصال العراق عن الدولة العثمانية، وبددّ أمواله التي حصل عليها من عضويته في مجلس النواب وأعماله الحكومية.

يقول محمد كرد علي:
“وفي هذه الفترة من حياته احتاج إلى نجدة بعض الأريحية في الشام، واحتاج إلى أمثالهم في العراق؛ فتقدّموا وربطوا له رواتب من صناديقهم الخاصة، وهو بذلك قد يضطره تطلب بسط الأيدي بالعطاء إلى المبالغة في مدحهم، واختلاق صفات ليست لهم”.

والمقصود أن كتاب الرصافي على ما فيه من جحود لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يسلم من ثورة زكي مبارك أول ما سقطت عينه عليه، ثمّ يبدو أنه غيّر رأيه فيه – بعد “الرشوة” – ووصفه بأنه “هائل”.
وبهذا الاستنتاج فإن الكارثة أن ينشقّ زكي مبارك إلى نصفين، فيكونَ موقفه الأول أشبه بما بدأ عليه في الأزهر من ثورة وجدال، وموقفه الأخير أشبه بما انتهى إليه من تقلّبات وآراء غريبة!
وإذا كان كتاب الرصافي لم يُنشر في زمن زكي مُبارك ولم يلتقيا بعد حفل بغداد، فلا يُدرى كيف تغيّر رأي مبارك! اللهمّ إلا إذا كان رضي عن آراء الرصافي بعد أن كان مخالفاً له فيها.

إن هذا يقوّي أن القصيدة التي أكرم الرصافي بها صاحبه بعد عشرة أيام من ثورته العنيفة قد غيّرت رأيه، وجعلته يمجّد المغالطات التي ثار من أجلها.
أما زكي مبارك نفسه، فقد عُرف عنه أنه شخص انطباعيّ في آرائه ومعاركه، وهو نفسه لم يسلم من التورّط في التأثر بالمستشرقين وطعونهم المنحرفة في الإسلام، وقد بلغ ذلك أن اتهمه بعض الكتّاب بالمروق والكفر بعد صدور كتابه: “النثر الفني في القرن الرابع الهجري”، ولا تُنسى معركته الشهيرة مع الغمراوي.

وقد كتب الشيخ محمد الغزالي في كتابه “الاستعمار أحقاد وأطماع” عن كتاب زكي مبارك “النثر الفني في القرن الرابع الهجري” في معرض حديثه عن تأثره بالمستشرقين، ما نصه، والكلام للغزالي:
“إنه اقتنع بالفكرة التي يصرّحون بها حيناً، ويلمّحون بها حيناً آخر، فكرة أن القرآن من وضع محمد، وأنه ليس وحياً مصوناً كالإنجيل والتوراة”.
وكأن الغزالي وضع يده على أن زكي مبارك وافق الرصافي أخيراً في بعض ما ثار عليه من أجله أوّل مرة؛ إذ إن هذا يتفق بعض الشيء مع ما ذكره الرصافي في كتابه “الشخصية المحمدية” وهو تقريره أن القرآن ليس وحياً كاملاً من عند الله.

وأما الرصافي، فقد كان في كتاب “الشخصية المحمدية” متناقضاً حتى وهو يحاول الطعن في القرآن، إذ إنه أنكر إعجاز القرآن أول الأمر، ثم لما انتهى إلى آية النساء، حيث قال الله تعالى: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها)، عندئذ قال:
“إن طمس الوجوه وردها على الأدبار لو قيل لصخرة لصدعها خشية، فهو كلام يدل على أن المُوعِدَ قادرٌ قهّار، وأنه لا يليق أن يقوله إلا الله القادر الجبار العزيز المتعالي”.

أخيراً: من اللافت أن معروف الرصافي انتقد زكي مبارك بعد ذلك، في كتاب له سمّاه “تعليقات الرصافي” صدر عام 1944م عن مطبعة المعارف، ونقد فيه كتابين لزكي مبارك هما “التصوف الإسلامي”، و”النثر الفني في القرن الرابع الهجري”، وشهدت صفحات الرسالة ردوداً من الكاتب دريني خشبة على الكتاب، ينتصر فيها لزكي، وعلّق الرصافي نفسه على أحد هذه الردود، لكن هذا موضوع آخر، كانت أيامه بعد صدور كتاب زكي مبارك (وحي بغداد) بستة أعوام.

التعليقات

3 تعليقات
  1. سعود الباتل says:

    تلك كانت ايام الثورة الثقافية العربية في النصف الاول من القرن الماضي اين بغداد والقاهرة اليوم من تلك الاابداعات الثقافية ومن العاطء اللامحدود حيث كانتا منارة للثقافة وللعلم والشعر وفيهما اكبر المطابع ودور النشر العربية ..الاليت الزمان يعود بنا مجددا لنفاخر بعطائهما في عالم الثقافة والادب

  2. فارس حسين says:

    الهوية الادبية في العالم العربي حديثا التزمت غالبا بالتمرد على الحالة الدينية فقد كان امثال الرصافي كثر مثل محمود درويش ونزار قباني و غالبا ارتبطت شهرتهم بالنزعة القومية الرافضة لتدين المجتمعات

  3. نضال says:

    هو نظام منذ الازل انظر اليوم لحال المثقف العربي ان اراد المال و الشهرة سيعادي المتدين ويشكك في الدين واعتقد ان من يقف وراء تلك الظاهرة …العداء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *