أمين خربوعي: إلحاد العوام يغلب على ملاحدة العرب

موقع المثقف الجديد - حوار

صدر عن مركز دلائل كتاب (كيف تحاور ملحداً؟) للكاتب أمين خربوعي، وتناول موضوعاً جديداً على ساحة الثقافة الدعوية؛ لما انطوى عليه من محاور لم تطرق من قبل في هذا التنظيم والتنسيق، وفي بسطه الحديث عن شخصيات الملاحدة سيكولوجياً وتصنيفها؛ ليطّلع المحاور عليها ويحسن التعامل معها.

(المثقف الجديد) يحاور المؤلف حول دواعي التأليف، وإلحاد العوام، والاستقلالية السيكولوجية للشخصيات الملحدة، ومحاور أخرى.

س: كيف نشأت فكرة الكتاب؟ وهل هو ردة فعل على أخطاء الدعاة المسلمين؟
ج: فكرة الكتاب أول الأمر كانت تشغلني أنا والإخوة الأفاضل في منتدى التوحيد لحوار المذاهب الفكرية، وكانت هناك بعض المقالات منشورة في هذا الصدد، لكنها لم تكن مقالات تفصيلية، بل فقط بعض الشروط في الحوار، وأضراب هاته المواضيع؛ لعظم الثغرة وكمّ القضايا التي عُنينا بها هناك في نقض المذاهب الفكرية، إلى أن يسّر الله الأمر حينما عرض علي أحد الإخوة الدعاة هناك المهندس الفاضل أحمد محمد حسن تأليف كتاب لمركز دلائل، وحينما تكلمت مع مدير المركز السيد الكريم عبد الله الركف خيّرني في موضوع الكتاب الذي أراه ينقص مكتبتنا العربية، فاستقرّ الأمر على تأليف كتاب يتناول منهجيّة الحوار بين المسلمين والملاحدة، فهناك كتبٌ عدةٌ اعتنت ببسط الأدلة على وجود الله وعلى دلائل النبوة، وإعجاز القرآن وغيرها، لكني لم أجد كتابا عُنيَ بالمنهجية ومهارات الحوار، خاصة في الجانب النفسي للملاحدة، وبحمد الله لاقى إقبالاً كبيراً من القراء، ونفدت طبعته الأولى في أشهر.

وكما تعلم فموضوع الحوار الإسلامي الإلحادي لا يتصدر له إلا قلّة قليلة من أهل الدعوة، والمتخصصون فيه أندر من المتخصصين في غيره، ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وإقبال عدد من الشباب على اقتحام هذا الميدان وقعت أخطاءٌ منهجيّة كثيرة في هذا الباب، خاصة الحوارات على المنتديات والفيسبوك، فكان من الضروري تأليف الكتاب لتبصير المحاورين بهذا الأمر.

س –هل الكتاب نخبوي؟ أم تستهدف به كل الشرائح؟ وكيف سيستفيد العوام من أفكاره؟
ج: محاورة الملاحدة ومناظرتهم أمرٌ ليس بالهيّن ولا السهل، ولا يستطيع ولوج هذا المولج إلا من كان قويّ العقيدة، وله حظّ من العلم الشرعي وعلم الحجاج، وكذا العلوم الإنسانية كالفلسفة وعلم النفس والاجتماع للإحاطة بمذاهب القوم، وهناك نوعٌ من الإلحاد يتطلب إلماماً بالنظريات العلمية الوضعية وببعض العلوم كعلم الأحياء والفيزياء وغيرها… لأن رواد المذاهب الفكرية اللادينية جميعهم لا يخرجون عن كونهم إما متخصصين في الفلسفة أو علم الاجتماع، أو علم النفس، أو فيزيائيين، ومن علماء الأحياء..

لكني جنحت إلى تبسيط الطرح قدر الإمكان وسهولة الأسلوب وشرح الأفكار، لأن هناك فئة من المحاورين وطلبة العلم يزاوجون بين التعلّم وبين مناظرة الملاحدة، وهناك فئةٌ أقل منهم يعتمدون في حواراتهم على محركات البحث والردود العلمية على الشبهات، والمقالات المختلفة في نقض تلك المذاهب الفكريّة.

لهذا كان الكتاب بمثابة تذكير للنخبة التي تخصصت في الحوار، وتسهيلاً لفئة المثقفين التي بدأت تتخصص في هذا الأمر، ولطلبة العلم، ولم لا يستفيد منه حتى العوام الذين لهم اهتمام بهذا، غير أنه من الضروري والمؤكد أن لا يناظر المحاور ملحداً إلا حينما يستكمل الشروط التي ذكرتها في الكتاب.

س – هل يغني الذكاء والعلم عن كثير من أفكار وإرشادات الكتاب؟
ج: الذكاء وحده لا يكفي للمناظرة، والعلم لا بد من أن يكون متنوع الروافد في هذا الباب، وثمة كثرة من الشيوخ والعلماء المشهورين، وهم تاج رؤوسنا، لا يستطيعون حوار الملاحدة؛ لأنهم لا يعلمون إلا القليل عن مذاهب الملاحدة، كالوجودية لجون بول سارتر، والنيتشاوية وغيرها.. وهناك نوعٌ من الإلحاد العلمي يتطلب أن تكون على علم بنظرية التطور وعارفاً بنقط ضعفها، وملمّاً بالجانب العلمي في هذا الصدد.
أهل العلم الأوائل كانوا يجمعون بين العلوم وينادون بها، ومن الضروري اليوم توفر نخبة تجمع بين العلم الشرعي والوضعيّ، والاطلاع على علوم القوم بغية نقض تلك المناهج الفكريّة التي تؤدي إلى الإلحاد واللادينيّة.
والكتاب كما اطلعتَ عليه، جاء ليسد ثغرة التأسيس لأصول الحوار بين المسلمين والملاحدة، مع التنبيه على أن الإلحاد ظاهرة يتداخل فيها النفسيّ مع الفكريّ، وأن المحاور عليه أن يعرف أنواع السيكيلوجيات الملحدة؛ لكي يضمن نجاعة الحوار.

س – هل ثمة استقلال لدى الشخصيات السيكولوجية الملحدة، أم أن هناك تدخلاً قد يربك المحاور المسلم؟
ج: هناك استقلاليّة بين الشخصيّات، لأن الشخصيات الإنسانية كلها تتداخل فيها عوامل كثيرة تجعل البشر غير متشابهين في أنماطهم النفسيّة، وتمثلاتهم الذهنية، وقد تنبه علماء النفس إلى هذا وألفوا فيها كتباً عديدة.

وقد حاولتُ في الكتاب أن أعطي المحاور المسلم علامات يستطيع من خلالها تمييز شخصية الملحد.

س – هل لك أن تصنّف بعض الشخصيات السيكولوجية الملحدة المحاورة في القرآن؛ كالنمرود وفرعون وغيرها؟
ج: النمرود وفرعون هما مثالان لقمة التجبّر والطغيان في الأرض التي يمكن للإنسان أن يصل إليها في حياته، فهما شخصيتان يمكن تصنيفهما كشخصيتين نرجسيتين في علم النفس، لكنهما جمعا بين هاته الشخصية والسلطة والملك، فادّعيا الألوهيّة، وهو خللٌ نفسيٌّ كبير ناتج عن تمجيد متطرفٍ لـ”الأنا” le moi.
ومن خلال استنباطاتي المتواضعة من كتاب الله عز وجل، أكاد أجزم أن الشخصية النرجسية كانت مستمرة في كل تاريخ الحقب الإنسانية، وفي كل قومٍ من الأقوام الذين بعث الله إليهم الأنبياء تجد تلك الفئة النرجسيّة التي تتعامل مع نبيّها بذاك التعالي والتكبر والاستحقار، والاختلاف كان فقط في درجات تلك النرجسيّة من حقبة إلى أخرى، ومردّ ذلك في نظري إلى أن إبليس نفسه يتصف بهاته الشخصيّة، ويظهر ذلك جليّاً في كلامه لربه عز وجل حين رفض السجود لآدم.

لهذا تظلّ هاته الشخصيّة النرجسيّة من أصعب الشخصيات في الحوار كما بينت في الكتاب، وهذه الشخصيات التي ذكرت في القرآن والسنة والسيرة العطرة للنبي صلى الله عليه وسلم كلها لم تؤمن وماتت على الكفر، بالرغم من أن الأنبياء أفحموهم حجاجيّاً.

لقد نصحتُ المحاور المسلم الذي سيصادف مثل هاته الشخصيّة أن يركز على إفحام ذاك الباطل الذي يدندن به صاحبها، لأن هدف هؤلاء في المناظرة هو استمالة أهل الإسلام والحفاظ على أتباعه عبر محاولة استحقار عقيدة الخصم بشتى الطرق، وعلى المحاور المسلم أن يبيّن للناس أن الرجل في حقيقة أمره معاندٌ مكابرٌ لا يستند إلى حجج مستقيمة في إثبات باطله.

وقد نبّهتُ إلى بعض صفات هاته الشخصية في مقالي “ثورة الأنبياء” على موقع إسلام ويب، عبر تحليل أجوبة الملأ على الأنبياء في شتى العصور.

س – اذكر بعض الشخصيات المحاورة في عصرنا توفرت فيها صفات المحاور المثالي ولماذا؟
ج: لا أستطيع تصنيف الناس على أساس من هو المحاور المثالي ومن هو غير المثالي، لأنه مهما بلغ المحاور المسلم من علم فيبقى مع المحبرة إلى المقبرة، ولا شك أن خبرته تزداد بازدياد تجاربه وتقدمه في السن، والخطأ وارد بحكم أننا بشر نجتهد قدر الإمكان، والعصمة دفنت بدفن النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن من المحاورين الأقوياء جداً في هذا الميدان والذين تصدروا للتأليف وللإعلام، معظمهم من أعضاء منتدى التوحيد لحوار المذاهب الفكرية المعاصرة، ومنهم من ليس كذلك، ومنهم من بقي يناضل على المواقع والذين أطلع على حواراتهم ومحاضراتهم، منهم على سبيل المثال لا الحصر:
د. هشام عزمي، د. هيثم طلعت، د. حسام الدين حامد، المهندس أحمد محمد حسن، د. عبد الله الشهري، د. خالد منصور الدريس، الأستاذ عبدالله الركف، د. أحمد إبراهيم، الأستاذ محمد صالح الهبيلي، الأستاذ ناصر عبدالكريم، الأستاذ أبو القاسم المقدسي، الأستاذ عبدالواحد، د. أبو مريم، الأستاذ هشام بن الزبير، وغيرهم.

وهذا فقط على سبيل المثال لا الحصر كما سبق أن أشرتُ.
وينبغي أن يزداد الاهتمام بهاته الثلة المباركة من المحاورين؛ لأنه إلى حتى الآن تبقى معظم المجهودات في مكافحة الإلحاد فرديّة ورمزيّة.

س – هل يمكن أن نقول أن هناك إلحاد عَوام؟ وكيف نتعامل مع هذه الدرجة من الملاحدة؟
ج: معظم المنتشر اليوم بين الملاحدة العرب يمكن تصنيفه على أنه إلحاد عوام، يعرفون بعض الأفكار حول الإلحاد فقط، وطامتهم تكون في قلة اطلاعهم على الكتب التي ردت على الإلحاد، وكثير منهم صادفناهم لا يعرفون عن الإلحاد إلا القليل، بل يخالفون حتى أقوال رواد الإلحاد من الفلاسفة، وهذا شيء اصطدمتُ به شخصيا؛ لأن أول تعرفي الإلحاد كان من خلال بعض أساتذتي أثناء دراستي علم الاجتماع في الجامعة، وكان بعضهم ملاحدة متمكنين من إلحادهم جداً.

وطبعاً مناظرة النظير من الملاحدة تختلف عن مناظرة العامي منهم؛ لأن الأخير يتطلب عنايةً وصبراً أكثر لتأخذ بيده في دروب الإلحاد المظلمة، وقد بينت ذلك في الكتاب بتفصيل، وفي الأخير فما المحاور إلا سبب لفتح أعين الملحد، وأما التوفيق فمن الله تعالى الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

س – ما حجم الإلحاد في عالمنا العربي؟ وكيف نفهم سيكولوجيا من يبالغ أو يهوّن من هذا الحجم؟
ج: حجم الإلحاد في عالمنا العربي ضعيف مقارنة بالغرب، وذاك راجع إلى النهضة الدعوية التي أصبحت معيشة في العقود الأخيرة، لكن مع ذلك تبقى ظاهرة خطيرة على المستوى الاجتماعي والعقديّ للأمة، ولها علاقة مباشرة بالمناهج السياسيّة والإعلامية والتعليمية في كل بلدٍ على حدة.

لكن الحجم مرشحٌ للارتفاع إن أهملت الأمة هذا الثغر، ينبغي أولا أن نعترف بأنه عدداً من الشبان أصبحوا ملحدين؛ بسبب حجم الغزو الفكري والتدافع الحضاري الواقع اليوم، وألاّ نغض الطرف بمبررات معينة وندفن رؤوسنا في التراب ونتجاهل الواقع وندعي أن كل شيء بخيرٍ، وينبغي أن نتحلّى بالشجاعة السيكولوجية في مواجهة هذه الظاهرة، لأنها تبقى ظاهرة قابلةً للمعالجة، شرط أن نتكاثف جميعاً لمواجهتها. وإلا فسوف نستيقظ في يومٍ من الأيام على تغير اجتماعيٍّ وثقافي مهول، وسندخل في أزمة المعنى التي دخل إليها الغرب اليوم.

س – ما مشروعك الكتابي القادم؟
ج: هناك عدة مشاريع أخطط لها، منها كتاب ينقض الأساسات المنطقيّة للإلحاد بشكلٍ فلسفيّ، وآخر للرد على الشبهات المعاصرة للإلحاد حول الدين بنفَسٍ جديد، ورواية حول معاناة ملحد عربي، لكن ذلك متوقفٌ على دار النشر التي ستتبنى ذلك، لأن معظم دور النشر التي اهتمت بهذا الميدان هي دور حديثة التأسيس، وأكثرها يعاني أزمات في التمويل والتوزيع.

 

 

التعليقات

3 تعليقات
  1. ساري عويص says:

    الظاهرة لا يمكن ان نصفها الحاد لمجرد خلو حياة الناس من الضوابط الدينية…هو فقط في اطار التكاسل

  2. سالم عريني says:

    اغلب من يدعون الالحاد هم في الحقيقة يبحثون عن مبرر للتخلي عن القيم الاي تكبل شهواتهم مع الاسف

  3. نادين صبح says:

    في مصر يوجد انتشار للظاهرة ولو رغبنا بالتعرف على السبب لوجدناه سقوط المتدينين امام الناس …ولكن بالمجمل لا يمكن ان تصف من يقصر في العبادات على انه ملحد والا اصبح نصف المسلمين ملحدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *