الفضائيات تتخلى عن المرأة مقابل الدولار

موقع المثقف الجديد

لا شكّ أن قضية المرأة في العالم الإسلامي والعربي، وفي الدول الغنية كدول الخليج وليبيا مطروحة في جميع الوسائل الإعلامية بالصورة التي تميل إلى ترجيح كفة الانفتاح.
ومن أجل ذلك فإن الإعلام العربي (والخليجي بخاصة) يبث أنواعاً من البرامج بأطياف متعددة، يصب كثير منها في قضايا المرأة، سواء الإذاعي منه، أو المرئي، أو الورقي، لكننا هنا نهتم بالمرئي منه، سواء في المسلسلات، أو الأفلام، أو البرامج الحوارية.

وفي هذه البرامج يشتد الضغط على التوجه إلى الانفتاح في شأن المرأة، وتُفتح ملفات عدّة تجسد ذلك الاهتمام، وأحياناً تقترح وجوب مشاركة الرجل المرأة في عملها المنزليّ، واعتباره شريكاً في الحياة الزوجيّة لا “شريكاً وقوّاماً عليها”، بل ويتجاوز الأمر أحياناً إلى فتح ملفات حساسة، كالفروق في الميراث والتعدد… إلى غير ذلك.

وكل ذلك تحت عناوين: القضاء على العنف ضد المرأة، والتمييز ضدها، ومساواتها بالرجل، وإشراكها في العمل، وإشراكه في عملها.
وعلى سبيل المثال فإن برامج الواقع ظلت في مختلف الدول العربية تصور الرجال وهم يشاركون النساء في الطبخ، وفي تنظيم المنزل، وتنظيفه، وتنتقد بشدّة مبالغة الرجل “الشرقي” في تقدير ذاته، وترفعه عن المهمات المنزلية، كالغسل والطبخ وتربية الأبناء، وما إلى ذلك.

كما تقدم لنا البرامج الحوارية جدالات محتدمة بين محافظين ومعتدلين في قضايا الأسرة كلها تصب في دعم المرأة، وأما المسلسلات فحدّث عنها ولا حرج؛ فهي تقدم الرجل التقليدي في صوره الطغيانية الكثيرة التي تعد تكراراً وتكراراً منذ ثلاثية نجيب محفوظ في شخصيته الشهيرة “سي السيد”.
فما الإشكال؟

الإشكال أن هذه القنوات نفسها إنما تدعم المرأة وتعد نفسها نصيراً لها في المجال الفكري والاجتماعي دون المجال الدعائي.
فهذه القنوات الفضائية (وهي النموذج الذي نتحدث عنه في هذا المقال) وفي أثناء تلك البرامج والمسلسلات، تقطع تراسل وتسلسل أفكار المتلقي بما يسمى “الفاصل الإعلاني”؛ لنجد أنها تنتقل إلى الضفة المعاكسة تماماً، فهي في هذا الشقّ تميل لمصلحة التيار المحافظ، بل لمصلحة تيار توزيع المهمات، بصورة فاصلة تماماً بين الرجل والمرأة في القضايا التي تدعم برامج هذه القنوات اشتراكهما فيها! بمعنى أن رسالة المادة الإعلانيّة لهذه القنوات تكاد تكون معاكسة تماماً للرسالة الفكرية والبرامجية للقنوات المشار إليها.

لا شك أن ثمة أشياء تخص الرجل بطبيعته الذكورية، مثل “أمواس الحلاقة” وتلك التي تخص المرأة مثل “مساحيق التجميل” وما شابه، وثمة إعلانات دعائيّة لتسويق بعض المأكولات لدى الرجال والنساء، مثل أصابع الشوكلاتة وغيرها.

لكن فيما يتعلق بدعايات منظفات السجاد، فإن الشخصيات المعنية بها في هذه الدعايات هي النساء، وكذلك منظِّفات الأواني، ومنظِّفات دورات المياه (وأنتم بكرامة)، فلم تعرض أي قناة من هذه القنوات دعاية لرجل وهو يغوص بأنفه ويدخل وجهه في مرحاض دورة المياه (وأنتم بكرامة مرة أخرى)، وتظل تصر على إظهار المرأة دائماً في هذا المشهد، مع أن برامج هذه القنوات المعنية بالقضايا الاجتماعية إنما تنتقد هذه الصورة.
كذلك، عندما تقوم هذه القنوات بإنتاج دعاية عن نوع من الأطعمة، فإنها غالباً تقدم المرأة في دور “الطباخ” والرجل في دور “المتذوق”، وأحياناً تكون الصورة أظهر وأشد قسوة حين يكون ذلك التقويم وتلك النظرة العلوية للرجل بحضور “الحماة”! والزوجة المسكينة تقف لتظهر كفاءتها في الطبخ، من خلال المنتج الذي تتم الدعاية له في هذه القناة، ولا يجيب الزوج إلا بقوله: “يسلمو يديكي” أو أي عبارة أخرى شبيهة.

أليس هذا هو التمييز بعينه؟!
وحتى دعاية السيارة إنما تُقدم والإطار يجلس خلفه رجل، والمرأة جالسة بجواره، أو تكون السيارة له وحده، ولا يؤتى في هذه الدعايات لا بالمرأة وهي تقود، ولا بابنها الكبير! ولا بابنتها، ولا حتى بالسائق! وإنما بالرجل، والرجل وحده، ودائماً!

إن السبب في تخلي هذه القنوات عن رسالتها في مسائل المرأة حين تقدم الدعايات، وبراءتها منها (وإن بلسان الحال) إنما تعود إلى أنها تعلم إلى أين تتجه القناعات الجمعية، وهي لا تحاول استفزازها في حال التسويق الإعلاني، وهذا تلاعب أخلاقي وثقافي معاً؛ إذ إن القنوات التابعة لجهات محافظة تكون أكثر تحفظاً من القنوات التي نشير إليها في هذا المجال، فتلك المحافظة لا تعرض صوراً غير مناسبة لتوجهها المحافظ أو حتى التقليدي من أجل استجلاب الإقبال على الموادّ المسوّقة، بل إنها تخسر كثيراً من الناحية المادّية من أجل ذلك. في حين تقوم القنوات المنفتحة في برامجها بممارسة “التقية الفكرية” في إعلاناتها التجاريّة، وتعرض دعاياتها في قالب اجتماعي محافظ تقليدي، وكأنها تعقد هدنة مع العقل الجمعي للمجتمع أثناء بث الدعاية، ريثما ينتهي الفاصل الإعلاني، لتعود إلى مهاجمة قناعة ومحافظة وتقليدية “زبائنها” في برامجها من جديد!

وبعيداً عن كل ذلك “التخلف” الذي تكرسه القنوات الفضائية بمهادنتها لبعض الأعراف غير الدينية من أجل نجاح تسويقها لبعض المنتجات، فإن مثال الأخلاق العالية لرب الأسرة هو أنه قوّام عليها، ومسؤول عن نفقتها، ومشارك لها في أعمالها المنزليّة كذلك، وقائم بعبادته لربه في ذلك. فقد روى البخاري في صحيحه أن عائشة رضي الله عنها سئلت: (ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في أهله؟ قالت: كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة).

وليس ذلك شأن النبي صلى الله عليه وسلم وحده، بل كان شأن أصحابه وسواد رجال ذلك المجتمع “الراقي” رضوان الله عليهم، تأسياً بالنبي عليه الصلاة والسلام، إذ روى البخاري في الأدب المفرد (وصححه الألباني) أن عائشة لمّا سئلت عما يفعل رسول الله صل الله عليه وسلم في بيته: قالت: يخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجل في بيته. وفي رواية: قالت: ما يصنع أحدكم في بيته: يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخيط.

ولنضع ألف خط تحت عبارة: (ما يصنع أحدكم في بيته) لنعرف أي المجتمعات أرقى، المجتمع الغربي، أو المجتمع الذي تمارس القنوات الفضائية معه “التقية”، أو المجتمع الذي كان يفعل رسول الله عليه وسلم ما يفعله رجاله فيه؟!

التعليقات

4 تعليقات
  1. فواز عامر says:

    المرأة بالنسبة للاعلام سلعة تباع وتشتر مثلما نشاهد في الاعلام فقط مورد استهلاكي في الاعلانات وورقة ترفع للتغنى بحقوق الانسان

  2. خالد الخنين says:

    المراة باتت اداة للترويج فقط ومن خلالها يتم الترويج لكل السلع سواء الاطعمه او الملابس بكل انواعها او حتى المسلتزمات الرجالية ومع الاعتراض الشديد الذي قدمته جمعيات حقوق الانسان على هذا الابتذال في استخدام المراة كاداة للترويج وسلعة رخيصة الا الظاهر ان الامر مستمر بل وفي ازدياد مطرد يوما بعد يوم

  3. مهتم جدا says:

    خلكم من هالقنوات بس لقد انفض الناس عنها الا القليل ورغم ماتبثه هذه القنوات يبقى المحتوى العام لها مرفوضا من قبل اغلبية المجتمع العربي والمسلم والماحفظ بطبعه ولن يتقبل ما تقدمه الا القلة القليلة ، نحن لسنا ضد ان تنال المرأة حقوقها ولكننا ضد ان تنتهك هذه الحقوق تحت ذرائع مختلفة وواهية

  4. سعيد التميمي says:

    الله يستر من الاعلام انه سلاح ذو حدين وهو كل يوم هو في شان وحسب مصالح اصحابة ومن يوجهونه الحقيقة المال هو المتحكم في كل شيء اليوم وهو المسير لكل ما يقدم لنا ومن يملك المال يملك قرار معظم القنوات الخاصة التي تبث الغث والسمين وما لايغني ولا يسمن من جوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *