عندما لجأ نزار قباني إلى الطائفية

موقع المثقف الجديد

يتظاهر مثقفو العرب القوميون وغيرهم بأنهم لا يمارسون التمييز الديني أو الطائفي، خصوصاً في أزمنة شعارات القومية البراقة، التي مضت أو كادت تمضي ويُسدل الزمن عليها ستاره الكثيف.

نزار قباني، شاعر المرأة العربي المعروف، التجأ ذات مرة إلى الطائفية عندما حاصره إعلامي وناقد متمرس هو جهاد فاضل؛ وذلك أنه أجرى معه حواراً اتهمه فيه بالشعوبية وكراهية العرب واحتقارهم.

وبعدما وقعت الفأس في الرأس أراد نزار قباني أن يمنع جهاد فاضل من نشر هذا الحوار، وأرسل إليه حواراً مزيّفاً – بدلاً منه -، فرفض جهاد فاضل الحوار المزيّف، وأصرّ على نشر اللقاء الحقيقي.

عندئذ، ما كان من الشاعر نزار قباني إلا أن يلتجئ إلى الدين والطائفة  اللذين لم يكن من حملة لوائها -؛ من أجل أن يشفي غليله وينتصر لنفسه، فراسل رئيس تحرير مجلة الحوادث ملحم كرم في لندن بهذه العبارة:

(إذا كنت أقبل الوعظ القومي والعربي يأتيني من خالد بن الوليد، وعقبة بن نافع، وصلاح الدين الأيوبي، وجمال عبدالناصر، فإنني أرفض رفضاً مطلقاً الوعظ القومي عندما يأتي من محرر أدبي لا يتورع عن تغيير اسمه من (جوزيف) إلى (جهاد)… ركوباً لموجة الجهاد والمجاهدين، ولأن (عدة الشغل) تستلزم هذا التغيير… وإذا كان الخواجة جزف يريد وظيفة في الجيش العربي، فإن مؤهلاته لا تسمح له بأكثر من رتبة عريف).

وقع نزار قباني في شر أعماله، وكذلك كثير من المثقفين، الذين يتظاهرون بأن الدين والطائفة لا يعنيان لهم شيئاً كثيراً، وإنما هي العروبة والإنسانية والهمّ البشري الواحد، حتى إذا ضاق صدر أحدهم تخلّى عن كل هذه الشعارات دفعة واحدة.

 

ورد جهاد فاضل على نزار في مجلة الحوادث نفسها بقوله:

(والازدواجي هو الذي يرسل إلينا رسالة بالغة الود والحرارة لا لشيء إلا لشراء ذمتنا الأدبية، فإذا امتنع عليه ذلك، حوّلها إلى رسالة هجاء عاجز من نوع ما ذكره حول كون اسمي “جوزف” فاضل، لا “جهاد” فاضل.

حول هذه النقطة بالذات أشير إلى أن التسمية الأدبية معروفة، وهي تحمل في بعض الأحيان ميلاً أو نزوعاً خاصاً عند الكاتب يعكس قيمه وذوقه الأدبي والوطني، وقد فتحت عيني على الأدب العربي، والثقافة العربية، والجهاد ضد الأجنبي وضد التخاذل وضد الشعوبية. لذلك كان من الطبيعي أن أختار اسماً أدبياً يعبر عن مجمل تطلعاتي القومية والأدبية. أم أن نزار قباني كان يريدني أن أسمي نفسي ملك الغرام أم صريع الغواني، أم قيس بن الملوح؟ لقد وجد أن أقصى ما يمكن أن يرميه بوجهي من تهم هو أن اسمي الأصلي “جوزف” وليس “جهاد”، وهي زلة كثيراً ما تسقط فيها بعض الأقلام خصوصاً في الأوقات الحرجة عندما لا تجد الجواب المقنع الذي تدافع فيه عن أدبيها أو عن سلوكها الثقافي، فتقول إن اسمي “جوزف” لا جهاد”. وأنا لا أشعر في قرارة نفسي بأني متهم، ولا حتى بحاجة إلى الجواب على هذه النقطة.

ليس ظاهرة شاذة أن يقع خيار قلم على اسم جهاد، بل الظاهرة الشاذة أن يختار غيرنا لنفسه اسماً نبشَه من غياهب التاريخ المنقرض مثل “أدونيس” أو “قدموس”، أو من تجارب الشعوب الأخرى مثل “لينين”. فالأصل بنظرنا أن يختار الكاتب اسماً أدبياً، إذا شاء أن يكون له اسم أدبي، من تاريخ بلده وظروفه، لا من تاريخ وظروف أي بلد آخر).

 

وفي مثل ذلك كتب الدكتور خالد علي مكي:

(لا شيء يلقي الضوء على درجة ثورة نزار مثل لجوئه إلى قليل من البهار “الديني” ليؤجج العداوة ضد هذا “الجهاد فاضل” الذي يتنكر لاسمه “جوزيف” طمعاً في ذر الرماد في عيون من يكتب في صحفهم، فيظنوه – وعفواً من استخدام لغة الحوار هذه التي ما كنا نحب للعربي جداً نزار قباني أن يضطرنا إلى اللجوء إليها – فيظنوه “لا مسيحياً” ما دام اسم جوزيف مسيحي. لكن نزاراً ينسى أن يؤشر أن “أدونيس” نفسه، نموذجه الثائر الذي يريد أن يغير العرب بالفلسفة، هو أيضاً يستخدم اسماً “وثنياً” وأن اسمه الحقيقي هو علي أحمد أسبر).

 

أما رياض فاخوري فقد رد على نزار بكلام طويل، من بينه ما يأتي:

(يا عيب الشوم على شاعر… فتحت له مدارسنا الإعدادية “كوتا” خاصة كالمهندسين لتلزم كتب “المشوق” و”الأدب العربي” لقصائده عن أمته وضيعته ووطنه وطبيعة الشرق الجميلة المعطاء، على حساب شعرائنا الكبار: سعيد عقل، الأخطل الصغير، يوسف غصوب، صلاح لبكي، بدوي الجبل، عمر أبو ريشة، وإيليا أبو ماضي… فيا عيب الشوم على شاعر كان ظاهره إنسانياً، واليوم بان وجهه الطائفي عندما انتقده “أصولي” ليس من قبيلته الشعرية… هل علينا أن نسكت نحن حملة الأقلام الحرة… أم علينا أن نقلب الطاولة على “الرماة الطائفيين” الذين صدقوا ذات يوم أنهم أشعر الشعراء بجماهيريتهم وما هم في الحقيقة سوى طبل خاو ينزّ سماً وقدحاً وذماً وطوائفية بغيضة؟).

وفي مثل ذلك كتب رؤوف شحوري:

(سقطة أخيرة لنزار…

لا يضير “جوزف” فاضل أن يكتب باسم “جهاد” منذ سنوات بعيدة. جوزف هو الاسم الذي مُنح له وهو قاصر.. وجهاد هو الاسم الذي اختاره بإرادته الواعية وهو راشد. أي عيب هذا؟ أي تهمة؟ أي سوء؟ أي تجاوز؟ أليس معيباً أن يلجأ المرء إلى الحض الطائفي المبطن، لا لشيء إلا لأن رغبة طاغية تتحكم فيه للفوز بالضربة القاضية حتى ولو كانت تحت الحزام؟).

 

التعليقات

3 تعليقات
  1. عيسى الفريدي says:

    هذا ليس بالشيء الغريب ففي الازمات كل يتخدق كل طائفته او مذهبيته او عرقه واصله وفصله فهي الحمى التاريخي لهم وهي من يستثيرون غيرتها تجاههم وقد رأينا بعد ما سمى بثورات الربيع العربي الكل يتخندق خلف طائفته ومن لايتخندق يبرر لابناء طائفته ما يقومون به ويفعلونه في هذه الظروف الاستئنائية من تاريخ الامة العربية

  2. سفيان العامر says:

    كفريات نزار قباني في دواوينه الشعرية تكفي لادانته….الطائفية جانب اخر مظلم من حياة نزار قباني

  3. فراس سرقند says:

    للاسف الخطاب المعادي للدين غلفه نزار قباني بوطنية وقومية كاذبة خدع فيها باسم الفن الآلآف من ابناء العالم العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *