الكاتب تولستوي: كنتُ مثقفاً مجرماً!

موقع المثقف الجديد

ليس سراً أنّ الروائي الروسي الكبير تولستوي أعلن براءته من الواقع الثقافي ومن المثقفين، ودوّن أشدّ الشهادات قسوة وإدانة للثقافة ورموزها وأربابها.

نطالع ذلك في كتاب (اعتراف تولستوي وفلسفته)، الذي ترجمه الأرشمندريت أنطونيوس بشير، صاحب مجلة الخالدات، ونشره وراجعه يوسف توما البستاني، الذي كان صاحب مكتبة العرب بالفجالة بمصر، عام 1930م.

وكتب أنطونيوس بشير – وهو في الولايات المتحدة الأمريكية – في مقدمة الكتاب:

(إني منذ الآن ألفت أنظار القراء إلى حقيقة مهمة قبل قراءة هذا الاعتراف: وهي أن تولستوي يصف فيه أيام كفره المظلمة).

والآن مع مقتطفات من الكتاب.

يقول تولستوي:

(كانت أسمى مراتب الأخلاق الصالحة في عقيدتي منحصرة في الطموح، ومحبة القوة، والحصول على الربح، والكبرياء، والغرور والغضب والانتقام.

وهكذا صرت باستسلامي لأهواء نفسي مماثلاً لأبناء عشيرتي، شاعراً برضاهم عن تصرفي. ومن أعجب ما أذكره عن تلك الأيام أنني كنت أعيش مع عمة لي، هي بالحقيقة امرأة فاضلة (!)، ولكنها طالما حدثتني بأن أعظم ما ترجوه لي في حياتي من المجد والفخار ينحصر في أن أراود امرأة متزوجة عن نفسها وأربح قلبها. ومن رغباتها الكثيرة لسعادتي أن أصير ملازماً عسكرياً، وإن أمكن ملازماً للإمبراطور. وأعظم من كل هذا: أن أتزوج يوماً من الأيام عروساً غنية تحمل لي ثروة بالغة من ألوف الدنانير وعشرات العبيد.

إنني لا أستطيع أن أتذكر حوادث تلك الأعوام السوداء من غير مرارة في قلبي وآلام في أعماق روحي.

قد قتلت الكثيرين في الحرب، وبارزت الكثيرين لأفقدهم حياتهم، وخسرت أموالاً كثيرة بالمقامرة، وأنفقت الأموال الكثيرة التي وصلت إليّ بعرق الفلاحين، وكنت قاسياً عاتياً في معاملة خدامي، ولم أترك سبيلاً من سبل الفسق والدعارة مع العواهر إلا سلكته، ولم تفتني طريقة من طرق الخداع والمراوغة: كذب، وسرقة، وزنا، وسكر، وتمرد، وقتل.. كل هذا جزء من حياتي في تلك الأيام. فليس في قاموس الجرائم جريمة واحدة لم أرتكبها، ولكنني كنت مع كل ذلك مكرماً محترماً من أبناء عشيرتي كرجل أديب فاضل.

هكذا عشت مدة عشر سنوات.

وفي هذه المدة بدأت بالكتابة التي لم يحملني إليها سوى غروري ومحبتي للربح، والشهرة الكاذبة. وقد تبعت بكتابتي نفس الطريق التي اتخذتها لنفسي في رجولتي. ومن أجل رغبتي في الحصول على المال والشهرة، التي لأجلها اتخذت القلم حرفة لي، كنت أرى نفسي مضطراً أن أخفي الصالح وأظهر الشرير في كل ما أكتبه. هكذا فعلت. وطالما قضيت الليالي أحارب أفكاري، لأخفي ما فيها من الطموح إلى الأكمل والأفضل، الذي كان بالحقيقة ضالة أحلامي الحقيقية. ولكن رغبتي في الشهرة كانت تقضي على كل صلاح في فكري. وعلى خداعي الكثير في كتابتي نجحت نجاحاً باهراً، وكان الناس يقرأون كتابتي مادحين شاكرين.

وعندما بلغت السادسة والعشرين من العمر ذهبت إلى بطرسبرج في نهاية الحرب، وهناك تعرفت بكبار المنشئين والكتاب في تلك الأيام. فاستقبلني الجميع بالتأهيل والتعظيم.

وقبل أن أجد لنفسي فرصة لدرس المحي الذي جئت إليه وجدت أن عادات الكتاب وأطوارهم في تلك المدينة قد لزمتني، وصارت جزءاً من حياتي، وقضت قضاء مبرماً على كل آمالي وجهادي في سبيل الكمال في الحياة. ولم تعد هذه الآراء والعادات الجديدة مبرراً في ذهني لأن فكري كان على أتم استعداد لكل جديد.

وكانت لرفقائي الكتاب في ذلك العهد نظرية في الحياة خلاصتها: أن الحياة نشوء لا حد لتطوراته، وأن القوة الفعالة في أحداث هذه التطورات مستمدة منا نحن المنكرين، وأن أقدر المفكرين على القيام بهذا العمل هم الفنانون والشعراء. لذلك ينحصر واجبنا في الحياة كمفكرين فنانين وشعراء أن نعلم الناس، ونصبغ أفكارهم بصبغة أفكارنا.

ولكنني أتجنب الجواب على السؤال الطبيعي الذي كان يواجهني في هذه الظروف، وهو: “ماذا أعرف؟ وما الذي أقدر أن أعلمه للناس؟” كنت أضيف إلى النظرية المار ذكرها أنه ليس من الضروري أن أعرف هذا، لأن الفنان والشاعر يعلمان ما يصل إليهما بطريق الوحي من غير أن يشعرا به (!).

وكان الناس ينظرون إليّ نظرتهم إلى شاعر كبير وفنان عظيم. ولذلك اتخذت هذه النظرية لنفسي وآمنت بها. وأنا، الفنان والشاعر، كتبت وعلّمت ما لم تكن لي أقل معرفة به. ولكنني كنت أقبض أجرة عن عملي. فاقتنيت لنفسي المنازل الفخمة، وأنفقت الأموال الكثيرة على الولائم، والحفلات الاجتماعية، وكان لي نصيب وافر من الشهرة، وكنت أعتقد بحكم الطبع أن تعاليمي صالحة ومبادئي مستقيمة.

كان الإيمان بالشعر، وبنمو الحياة، إيماناً حقيقياً، وكنت كاهناً حقيقياً أبشّر به. وكان القائم بمثل هذا العمل إذ ذاك رفيقاً للربح والكرامة في جميع أعماله. ولذلك بقيت عاملاً على نشره زمناً طويلاً، ولم أشك في صحه.

ولكنني في العام الثاني، وخصوصاً في العام الثالث من هذه الحياة، بدأت أشك في عصمة هذه العقيدة، فعدت أفحصها وأدرسها بأوفر دقة وفطنة. وأول ما دفعني إلى الشك أنني رأيت كهّان هذه النظرية متخالفين فيما بينهم في فهمها والعمل بها، فكان فريق منهم يقولون:

“نحن أفضل المعلمين وأنفَسُهم. نحن نعلّم الناس ما هم في حاجة إليه، وكل المعلمين الآخرين في ضلال مبين”.

وكانوا يتخاصمون ويتحاربون فيما بينهم، وكل منهم يبذل قصاراه ليسيء إلى الآخر ويخدعه ويمكر به. وفوق هذا فإن الذين وقفوا على الحياد منا فلم يهمهم الانحياز إلى أحد الفريقين المتناظرين، لم ينزهوا ذواتهم عن العار الذي انقاد رفقاؤهم إليه، بل عمدوا إلى الحصول على الربح الخصوصي باستثمار جهود رفقائهم المتخاصمين. كل هذا حملني إلى الشك في صحة العقيدة التي آمنت بها.

وقد دفعني هذا الشك في صحة إيماننا الأدبي العلمي إلى درس حياة كهّانه فرداً فرداً. فثبت لدي بعد الدرس الطويل أن الأكثرية الساحقة بينهم رجال أردياء لا قيمة لأعمالهم، ولا صلاح في حياتهم وهم بالحقيقة في مستوى أكثر انحطاطاً من المستوى الذي عاش فيه رفقائي في العسكرية. ولكنهم واهمون في ذواتهم، واثقون بصلاحهم، ولا توجد مثل هذه الثقة إلا في القديسين الحقيقيين، أو في أولئك المرائين الذين لا يعرفون للقداسة من معنى.

حينئذ يئست من الإنسانية ومن نفسي، وأدركت أن ذلك الإيمان لم يكن إلا وهماً عقيماً. وأعجب ما في الأمر أنني، على إعراضي عن الإيمان بهذه النظرية الفاسدة، ورفضي الاجتماع بأصحابها وأتباعها، ما برحت أتمسك باللقب الذي منحني إياه كهنتها، وهو لقب: شاعر، وفنان، ومعلم. فقد قادتني بساطتي، في ذلك العهد، إلى التصور أنني شاعر وفنان، وأني أستطيع أن أعلم الناس من غير أن أعرف ما الذي أعلمهم إياه. ولكنني كنت أفعل كل هذا.

وقد ربحت من مصاحبتي لأولئك الرجال رذيلة جديدة، غروراً معجوناً بالكبرياء والعناد، وثقة بالنفس سدتها الجنون ولُحمتها الاعتقاد بأني قادر أن أعلم الناس ما لا أعرفه ولا أشعر به.

وعندما أفكر الآن في تلك الأيام وأتذكر حالتي الفكرية، وحالتي المفكرين رفقائي، الحالة التي لا تزال شاملة الألوف من أبناء الإنسان، أشفق على نفسي، وأخاف منها وأحتقرها.

فقد كنا بأجمعنا مقتنعين بأن الواجب يقضي علينا أن نكتب ونتكلم ونطبع كتابتنا وكلامنا بسرعة فائقة، لأنه على هذا يتوقف عمران الوجود ونجاح الجنس البشري.

ولكن ألوفاً منا كتبوا، وطبعوا، وعلّموا، ولم يعملوا إلا على ضلال الناس وخداع أحدهم الآخر. لأننا لم ندرك أننا نحن أنفسنا لا نعرف شيئاً لأن أبسط مسائل الحياة – وهي مسألة ما هو الخير وما هو الشر – لم نعرف كيف نجاوب عليها. ولكننا كنا نجتمع، ونتكلم، ونخطب، من غير أن يصغي أحدنا للآخر إلا لكي يطريه ويثني عليه واثقاً بأن مثل هذا الإطراء سيرجع إليه مضاعفاً، ثم لا نلبث أن يثور بعضنا على بعض، ويخاصم واحدنا الآخر، كأننا نمثل رواية كاملة كل أبطالها مجانين من الدرجة الأولى.

وكان الألوف من العمال يشتغلون ليلاً ونهاراً بصفّ الحروف ليطبعوا أقوالنا، وينشروها في جميع أنحاء روسيا، ونحن لا ننقطع هنيهة عن التعليم والكتابة، متذمرين أن الوقت أضيق من أن يكفي للقيام بأعمالنا، وأن الناس لا يصغون إلى أقوالنا الحكيمة.

حالة عجيبة غريبة لم أفهم حقيقتها في ذلك الحين، ولكنني أدركها اليوم كما هي. فإن العامل الحقيقي الذي كان يوحي إلينا أفكارنا وأقوالنا في ذلك الوقت إنما هو الرغبة في الحصول على المال والمديح اللذين لم نعرف طريقة للحصول عليهما بغير تأليف الكتب والجرائد. وهكذا فعلنا. ولكي نزداد تمسكاً بالاعتقاد أننا ونحن نقوم بهذه الأعمال التافهة نؤلف أعظيم طبقة في روسيا، رأينا أن نبرر ذلك بذواتنا بتعظيم العمل الذي نقوم به، ولذلك قررنا في اجتماع القرار الآتي:

“كل ما هو كائن فهو حق وصواب. وكل ما هو كائن إنما هو نتيجة للنشوء، فالنشوء يصدر من المدنية. ومقياس المدنية هو انتشار الكتب والجرائد. نحن نقبض أجرتنا، وننال إكرام الشعب واعتباره لقاء الكتب والجرائد التي نؤلفها، ونحن لأجل هذا أنفع الناس وأفضلهم”.

وربما كان هذا القرار نهائياً، لو أجمعت كلمتنا عليه. ولكن كل رأي من آرائنا كان يصادف في الحال رأياً آخر يناقضه، ولذلك كنا نتردد طويلاً في قبول أي اقتراح نسمعه. بيد أننا لم نعبأ للأمر، لأننا كنا نقبض أجورنا، وننال إطراء المجتمعين حوالينا. ولذلك كان يخيل إلينا أننا في جانب الحق.

والحقيقة التي أراها واضحة أمام عيني وأنا أكتب هذه السطور أنه لم يكن ثمة أقل فرق بيننا وبين المجانين. ومع أنني كنت أفكر في هذا من ذي قبل، ولكنني كسائر المجانين كنت أعتقد أن جميع رفقائي مجانين، وليس بينهم عاقل غيري).

 

 

التعليقات

5 تعليقات
  1. حسين الهبدان says:

    احترم صدقه وجرأته كنصراني في الصدوح بالحق عند اعترافه بفضل النبي صلى الله عليه وسلم على البشرية وكيف كانت رسالة الاسلام نورا اضاء للبشرية طريقها نحو الحقيقة المطلقة

  2. متابع مثقف says:

    الرجوع الى الحق فضيله اعترافه بما كان يعتقد به او يقوله ويفعله عين الصواب …كم كان كبيرا تولستوي وكم نفتقد لامثاله من العظماء في زمننا المعاصر حيث سيطر اشباه وانصاف المثقفين على كل مظاهر المشهد الثقافي العربي .

  3. فراس مخيمر says:

    تولستوي قد ينتقد شخوص لكن ما حركه للكتابه هو ايمانه بالثقافة و دورها و نخبويتها في المجتمع وهذا ما يستدل عليه من كتاباته

  4. سمير عامر says:

    مقياس المدنية هو مقدار الكتب التي ننشرها جملة تحمل معنى عميق يؤكد دور المعرفة في نهضة الشعوب…

  5. ابراهيم فضل الله says:

    شكرا على المقال الدسم.
    ما تراه كان قائلا..لو عاصر ثورة التواصل وفيضان الأدباء والكتاب.
    ولعل دوافع الكتابة…والنشر لا زالت كما كانت عليه زمن تولوستوي…
    طلب الاطراء وملاحقة الشهرة والمال…وارضاء رغبات النفوس..إلا ما ندر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *