نظام البعث يحذف اسم الملك فيصل

موقع المثقف الجديد - علي محمد طه

عُرف عن الأنظمة البعثية التي تعاقبت على حكم سورية منذ عام 1963م إقصاؤها كل منتقد لسياسات الحزب على الصعد كافة، ولعل هذا هو سبب أن كثيراً من شعراء القرن الميلادي الماضي كانوا من الذين غضبت عليهم الرؤوس البعثية التي حكمت البلاد.

وقد دفع الشاعر البدوي حياته ضريبة بقاءه في سورية حين اختُطف وتم الاعتداء عليه ضرباً مدة ثلاثة أيام وتذكر عائلته: أنه تأثر بشكل كبير بما تعرض له من الاعتداء، جسدياً ومعنوياً، حتى وفاته عام 1981م.
لكن ما علاقة الشاعر بدوي الجبل بحذف نظام الأسد اسم الملك فيصل رحمه الله؟

ليس بغريب على النظام السوري الذي عرف عنه تزوير وتزييف التاريخ أن يقدم على خطوة كتلك التي قام بها، حين حذف إهداء الطبعة الأولى من ديوان الشاعر السوري محمد سليمان الأحمد الملقب (بدوي الجبل) التي صدرت في بيروت عام 1978م، والتي خطها بيده للملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله، وقال فيها:
(إلى الملك الشهيد فيصل بن عبد العزيز آل سعود، لقد حرمك استشهادك أن تصلي في المسجد الأقصى، ولكن استشهادك سيكتب في لوح القدر أن يصلي المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها في المسجد الأقصى، وستكون ذكراك وأحزانك وإيمانك النغمة السمحة الساجية عندما يؤذن المؤذن فيه: ألله أكبر، ألله أكبر، وعندما يتابع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله).
لقد حذف النظام السوري هذا كله، ووضع في مكان إهداء بدوي الجبل إلى الملك فيصل رحمه الله شكراً خاصاً لبشار الأسد على إنجازاته في مجال الأدب ودعم الثقافة السورية والعربية، وأضاف مزورو الإهداء الجديد عبارة:
(لو كان البدوي حياً لطالب بإهداء نسخة من ديوانه للجيش السوري البطل)!

إن من يقرأ التاريخ لا يستغرب هذا التصرف الفاضح الذي تداولته بعض الفضائيات واستنكره الكتاب والمثقفون؛ فهي ليست السابقة الأولى من نظام الأسد ورجاله؛ فهم قد زوروا وغيروا التاريخ عدة مرات في كتب المناهج الدراسية السورية؛ فقد تم حذف لواء إسكندرونه الذي اقتطعته فرنسا من سورية وضمته لتركيا في مدة الاحتلال الفرنسي لسورية من كتب التاريخ، وحذف من الخريطة السورية تماماً، ثم أُعيد تدريسه على أنه جزء من الأراضي السورية عند قيام الثورة السورية وتعكر الأجواء مع تركيا، كما حذفت المناهج السورية كل ما من شأنه الحديث أو الاشارة إلى منطقة الأحواز العربية التي تحتلها ايران.

وعن حذف الإهداء إلى الملك فيصل من ديوان الشاعر الراحل بدوي الجبل يقول الكاتب السوري حسين الهاروني:
(لا غرابة في موقف النظام السوري الذي يكنّ اليوم أشد العداء للسعودية الداعمة لمطالب الشعب السوري، والمطالبة بحل عادل للازمة السورية، وقد عُرف عن نظام الأسد حبه للظهور والتسلق على أعمال المبدعين السوريين ونسب نجاحها للقيادة السورية، ويذكر أن نظام حافظ الأسد ومن بعده بشار الأسد قاما بمنع صدور أو إنتاج أي عمل روائي أو تلفزيوني يعرض حياة كل من الملك فيصل رحمه الله والرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي، وكلا الزعيمان حظيا بمحبة وتقدير الجماهير العربية.

إن من المعيب بعد 38 عاماً أن يقوم نظام بشار الأسد بتحريف ما كتب عن الملك فيصل رحمه الله، الذي اعتبره الشاعر البدوي في أكثر من مكان قائد تاريخي ومجدد لأمجاد العرب والمسلمين).

وفي الشأن نفسه يقول الكاتب السوري منذر المصري:
(إذا بان السبب بطل العجبّ، لقد تمّ اعتبار الإهداء إلى الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله، نكراناً لجميل الرئيس حافظ الأسد، وقد اعتُدي على (بدوي الجبل) أثناء قيامه برياضته الصباحية في دمشق بتاريخ 27/4/1968، واختطف لثلاثة أيام من قبل ملثمين، لم يجر الكشف عن هويتهم والجهة التابعين لها، ويروى أن ذلك كان عقاباً على قصيدته (من وحي الهزيمة) التي هاجم فيها من قاموا بالمشاركة في حرب عام 1967م من العرب، بمن فيهم وزير دفاع بلده حافظ الأسد).

ويقول الكاتب حسين الزعبي:
(كان نظام حافظ الاسد يعتبر الشاعر بدوي الجبل صديقاً محباً للملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز؛ ولذلك تأثر كثيراً باستشهاده، وكان يوصف البدوي بأنه شاعر رجعي؛ لأنه مناهض لسياسات القيادات القومية العربية في سورية ومصر حينها، ومؤيد لسياسات الملك فيصل بن عبدالعزيز، وكانت وزارات الثقافة حينها تطالب من تصفهم بالشعراء التقدميين بواجبهم في التصدّي للشعراء الرجعيين.. كـ(بدوي الجبل) وأمثاله؟!

ولم يكتف الشاعر البدوي بإهداء ديوانه الاول للملك فيصل، بل نظم قصيدة عظيمة ينعي فيها الملك الشهيد.
فقد كتب مقدمة نثرية لقصيدة يرثي الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله قائلاً:
(الملك العظيم المتواضع، الهادئ، الصامت الذي تتفجر البلاغة من صمته بياناً ساحراً وإشراقاً باهراً، وكرماً على الشعوب غامراً، وتحدياً للطغاة قاهراً، والوديع الذي تتزلزل الدنيا ولا يتزلزل، هوى بلمحة عابرة عاثرة، وعلى وجهه مسحة الحزن التي رافقت أساريره في صباه وفي شبابه وفي كهولته).
ونجد في مرثية البدوي الملك فيصل تميزاً وحسن تأليف وإحاطة وشمولاً في رسم ملامحه:

وما أكرم الصحراء تصدى وتمتمت
لنا بُرْدُ ظل كالنعيم وطيبِ

ويغفو بها التاريخ حتى ترجّه
بداهية صلب القناة أريب

وتعتز من عبد العزيز بمنجب
ومن فيصل حامي الحمى بنجيب

أخيراً: إن ما قامت به وزارة الثقافة السورية هو تزوير لما خطته يدا الشاعر الراحل بدوي الجبل، الذي أظهرته وكأنه عاد معتذراً وتائباً عن معارضته لسياسات حكم آل الاسد، وأظهرته وكأنه قد عاد مجدداً ليصحّح التاريخ كما يريد من يعيدون كتابته على النحو الذي يرغبون)!

التعليقات

3 تعليقات
  1. صالح الخليفي says:

    هؤلاء يفعلون اي شيء عندما يكرهون الاخر فلاغرابة بما فعلوه فهم يوميا يحاولون طمس معالم بلدهم من مساجد وبنى تحتية بهمجية لامثيل لها ، ولعل التغيير الديموغرافي الحاصل حاليا في سوريا لصالح الشيعة القادمين من كل حدب وصوب من قبل نظام الاسد وايران خير دليل على انهم لا امان لهم ويحرفون كل شيء عن مواضعه ..ويبقى فيصل رحمه الله تاريخا شامخاً انى لهؤلاء الصغار ان ينالوا منه

  2. خالد الشمراني says:

    لاشك ان بيت الاسد حقدوا على الشاعر البدوي لمحبته للملك فيصل القائد المسلم الكبير وقد زاد حقدهم عليه انه من ابناء طائفتهم ومع ذلك انصف فيصل وامتدحه ورثاه بينما لم يلتفت لحافظ الاسد ولم يعطه بالا لانه علم بانه مجرد دمية لاقيمة له

  3. فواز العلي says:

    احلام الملك فيصل في عصرنا الحالي بعيدة المنال في ظل واقع مزري للعالم الاسلامي…الكاتب دفعته العاطفة الاسلامية و اعتقد انها خانته قليلا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *